منها أنَّه يُحسر الفرات عن جبل من ذهب (٣) كما تقدم فإذا سمع به الناس ساروا إليه، واجتمع عليه ثلاثة كلهم ابن خليفة، يقتتلون عنده، ثمَّ لا يصير إلى واحد منهم فيقول: من عنده والله لئن تركت
_________________
(١) رواه بن الجوزي في الموضوعات ٢/ ١٩٠ وقال: موضوع. وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/ ٦٧٥: موضوع. كما حكم الذهبي على مثله بالوضع في مستدرك الحاكم (٤/ ٥٦٣).
(٢) ص (٩٠)، والفتن (١/ ٣٣٩).
(٣) كما في مسلم (٢٨٩٤) من حديث أبي هريرة وسيأتي باقي تخريجه، وأيضًا (٢٨٩٥) من حديث أُبي بن كعب.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
الناس يأخذون منه ليذهَبَنَّ بكله فيقتتلون عليه، حتى يُقتل من كل مائة تسعة وتسعون وفي رواية فيقتل تسعة أعشارهم وفي رواية من كل تسعة سبعة، فيقول: كل رجل لعلي أنا أكون أنجو (١) وقد قال - ﷺ -: "من حضر فلا يأخُذ منه شيئًا" (٢).
ومنها: خروجُ السُفياني (٣)، والأبْقعُ، والأصْهَبُ، والأعرج، والكندي، أمَّا السفياني: فعن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وَجهه أنَّه من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان، ويزيد: هو أخو معاوية بن أبي سفيان (٤) وهم ممن أسلم يومَ الفتح ومات يزيد أخو معاوية في خلافة الصدِّيق - ﵁ -.
والسفياني: رجلٌ ضخمُ الهامة بوجهه آثار الجدري، وبعينه نكتة بيضاء هكذا ورد في حليته، عن علي كرم الله وجهه، وأنه يخرج من ناحية مدينة دمشق، في وادٍ يُقالُ له وادي اليابس، يؤتى في منامه ويقال
_________________
(١) كذا في (أ)، وفي (ب) لعلي أكون أنا أنجو، وفي (ط): (على أن أكون أنا أنجو).
(٢) أحمد ٢/ ٣٠٦ (٨٠٦٢)، ومسلم (٢٨٩٤)، وابن حبَّان (٦٦٩١)، وأحمد ٢/ ٣٣٢ (٨٣٨٨).
(٣) انظر أخبار السفياني الآتية في: كتاب الفتن لنعيم بن حماد ١/ ٥٥١ و٩٤ و٢٠٢ و٢٠١٦ و٢٢٠ - ٢٣١ و٢٤٦، وتاريخ بغداد ١/ ٣٨ - ٤٠. و"القول المختصر" ص ٤٠ - ٤١، ٦٤. والسنن الواردة لأبي عمرو الداني في الفتن ٤/ ٩٣٧ (٤٩٧)، ٥/ ٩٧٨ - ٩٧٩ (٥٢٢) و٥/ ١٠٢١ (٥٤٣)، ٥/ ١٠٢٢ - ١٠٢٣ (٥٤٤)، (٥٤٥)، والمستدرك ٤/ ٥٠١ - ٥٠٢ و٤/ ٥٢٠ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٤) في (ب) و(ط): (﵃).
[ ٢ / ٥٣٤ ]
له: قم فأخرج فيقومُ فلا يجد أحدًا ثمَّ يؤتى في الثانية، ثمَّ الثالثة، ويقال له فيها فانظر إلى باب دارك فينحدر في الثالثة إلى باب داره، فإذا هو بسبعة أنفارٍ أو تسعة، معهم لواء فيقولون: نحنُ أصحابك ومع رجل منهم لواءٌ معقود يَعرفون في لوائه النصر، يستفرش يديه على ثلاثين ميلًا لا يَرى ذلك العَلم يعني اللواء أحدٌ إلَّا أنهزم، فيخرج فيهم ويتبعهم ناس من قريات الوادي، وبيد السفياني ثلاث قصبات لا يقرع بها أحدا إلَّا مات، فيسمع به الناس فيخرج صاحب دمشق فيلقاه ليقاتله، فإذا نظر إلى رايته انهزم، فيدخل السفياني في ثلاثمائة وستين راكبًا دمشق، وما يمضي عليه شهر حتى يجتمع عليه ثلاثون ألفًا من كلب، وهم أخواله.
وعلامة خروجه خسف بقرية من قرى دمشق أي: وهي حَرَسْتا (١)، ويسقط الجانب الغربي من مسجدها.
ثمَّ يخرج الأبقع والأصهب، فيخرج السفياني من الشام والأبقع من مصر، والأصهب من الجزيرة أي من جزيرة العرب، لا جزيرة ابن عمر فإنها داخلة في جزيرة العرب.
ويخرج الأعرج الكندي بالمغرب ويدوم القتال بينهم سنة، ثمَّ يغلب السفياني على الأبقع والأصهب، ويسيرُ صاحب المغرب فيقتل الرجال، ويسبي النساء ثمَّ يرجعُ حتى ينزل الجزيرة في قيس إلى السفياني فيظهر السفياني على قيس ويحوز ما جمعوا من الأموال ويظهر على الرايات
_________________
(١) معجم البلدان ٢/ ٢٤١.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
الثلاث، ثمَّ يُقاتل الترك فيظهر عليهم، ويفسد في الأرض فيبقرُ بُطونَ النّساء ويقتل الصبيان، ويهربُ رجالٌ من قريش إلى قسطنطينيّة، فيبعث إلى عظيم الروم أن يبعث بهم في المجامع فيبعث بهم إليه فيضرب أعناقهم على باب المدينة بدمشق، ثمَّ ينفتقُ عليهم فتقٌ من خلفهم، فيرجع إليهم ويقتل طائفة منهم، فينهزمون حتى يدخلوا أرضَ خراسان، وتقبلُ خيل السفياني في طلبهم كالليل والسيل، فلا تمرُّ بشيء إلَّا أهلكته وهدمته، فيهدم الحصون، ويخرب القلاع حتى يدخل الزوراء، وهي بَغداد فيقتل من أهلها مائة ألف، ثمَّ يسيرُ إلى الكوفة فيقتل من أهلها ستين ألفا، ويسبي النساء والذراري، ويبثُ جنودَه في البلاد، فتبلغ عامة المشرق من أرض خراسان، ويطلبُون أهل خُراسان في كل وجه، ويبعث بعثًا إلى المدينة، فيأخذون من قدروا عليه من آل محمَّد - ﷺ -، ويقتلون من بني هاشم رجالًا ونساءً، ويؤتى بجماعة منهم إلى الكوفة، ويفترق بقيتهم في البراري، فعند ذلك يهرب المهدي والمبيض (١) وفي لفظ: والمنصور في سبعة إلى مكة، ويستخفون فيرسل صاحب المدينة إلى صاحب مكة، إذا قدم عليكم فُلان وفلان، ويكتب أسماءهم فاقتلوهم، فيعظم ذلك على صاحب مكة ثمَّ يتآمرون بينهم، فيأتونه ليلًا فيستجيرون به، فيقولُ اخرجوا آمنين فيخرجون، ثمَّ يبعث إلى رجلين منهم، فيقتل أحدهما، والآخر ينظر إليه ويقتلون النفس الزكية بين الركن والمقام، فعند ذلك يغضب الله ويغضب أهل السموات، ثمَّ يرجع
_________________
(١) في (ب)، و(ط): الميبض.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
الآخر إلى أصحابه فيخبرهم، فيخرجون حتى ينزلوا جبال الطائف، فيقيمون فيه، ويبعثون الناس، فينسابُ إليهم ناس فإذا كان كذلك غزاهم أهلُ مكة، فيهزمون أهل مكة، ويُدخلونهم مكة، ويقتلون أميرهم، ويكونون بمكة إلى خروج المهدي.
وقد قال أبو عبد الله الحسينُ بنُ علي - ﵄ -، لصاحب هذا الأمر غيبتان يَعني: المهدي إحداهما: تطول حتى يقول بعضهم مات، وبعضهم ذهب، ولا يطلع على موضعه أحدٌ من وليّ ولا غيره إلا المولى الذي يَلى أمره.
قال في "الإشاعة" (١): وهاتان الغيبتان - والله أعلم - ما ذكرنا آنفًا أنَّه يختفي بجبال الطائف، ثمَّ ينسابُ إليه الناس، ويظهر معهم وينهزم أهل مكة، ثم إنه يختفي بجبال مكة ولا يطلع عليه أحد.
ويؤيده ما روي عن أبي جعفر محمَّد بن علي الباقر أنَّه يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب، وأومأ بيده إلى ناحية ذي طوى، وأمَّا زعم الرافضة أنَّه محمَّد بن الحُسين العسكري، وأنه غاب ثمَّ ظهر لبعض خواص شيعته، ثمَّ غاب ثانيًا وأنه يراه خواص شيعته، فهو ضرب من الهذيان.
وقد علمت ما ذكرنا عن المهدي أنَّه لا يَطّلُع على موضعه أحدٌ من ولي ولا غيره، وهذا يُنافي زعمهم أنَّه يَعرفُه خواص شيعته، ولا ريَب في بُطلان كلامهم، فلا نُطيل بالرد عليه، والله الموفق.
_________________
(١) ص (٩٣).
[ ٢ / ٥٣٧ ]
ويحج الناس في تلك السنة من غير أمير، فيطوفون جميعًا فإذا نزلوا مني أخذ الناس كالكلاب، فيثور القبائل بعضُهم على بعض، فيقتتلون ويُنهب الحاجُ، وتسيل الدماء على جمرة العقبة، ويأتي سبعة رجال علماء من أفق شتى على غير ميعاد، قد بايع لكل منهم ثلاثمائة وبضعة عشر فيجتمعون بمكة، ويقولُ بعضُهم لبعض: ما جاء بكم فيقولون جئنا في طلب هذا الرجل الذي ينبغي أن تهدأ على يديه الفتن، وتفتح له قسطنطينية، قد عرفناه باسمه واسم أبيه وأمه.
قال في "الإشاعة" (١): لم أقف على اسم أمّ المهدي بعد الفحص والتتبع، ولعلَّهم يعرفون اسمها من طريق الكشف (٢)، لا من طريق النقل. انتهى. فيقف السبعة على ذلك فيطلبونه، فيصيبونه بمكة، فيقولون أنت فلان فيقول: بل أنا رجلٌ من الأنصار، فيتفلت منهم فيصفونه لأهل الخبرة منهم والمعرفة به، فيقولون: هو صاحبكم الذي تطلبونه، وقد لحق بالمدينة فيطلبونه بالمدينة، فيخالفهم إلى مكة وهكذا إلى ثلاث مرات، ويسمع صاحبُ المدينة بطلب الناس للمهدي، فيجهز جيشًا في طلب الهاشميين بمكة، ويأتي أولئك السبعة فيصيبونه في الثالثة، بمكة عند الركن، ويقولن: إثْمُنا عليك ودماؤنا في
_________________
(١) "الإشاعة" ص ٩٣ - ٩٤.
(٢) الكشف من بدع الصوفية وهو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودًا وشهودًا، كما في التعريفات للجرجاني ص ٩٧. والصحيح منه هو "الفراسة".
[ ٢ / ٥٣٨ ]
عنقك، إن لم تمد يدك نبايعك، وهذا عسكر السفياني (١) قد توجه في طلبنا، عليهم رجل من حزم ويهددونه بالقتل إن لم يفعل فيجلس بين الركن والمقام، ويمد يده فيبايع فيظهر عند صلاة العشاء معه راية رسول الله - ﷺ - وقميصه وسيفه (٢).
فإذا صلَّى العشاء أتى المقام فصلى ركعتين، وصعد المنبر ونادى بأعلى صوته: اذكركم الله أيها الناس ومقامكم بين يدي ربكم، ويخطب خطبة طويلة، يرغبهم فيها في إحياء السنن وإماتة البدع، يقول فيها: أذكركم الله أيها الناس ومقامكم بين يدي ربكم، فقد أنجز الحُجة وبعث الأنبياء، وأنزل الكتاب وأمركم أن لا تشركوا به شيئًا، وأن تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله، وأن تُحيوا ما أحيا القرآن، وتميتوا ما أمات القرآن، وتكونوا أعونًا على الهدى ووزراء على التقوى، فإن الدنيا قدْ دَنا فناؤها وزوالها وإني أدعوكم إلى الله ورسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، وإحياء السنة.
_________________
(١) أطال المصنف ﵀ في سرد أخبار السفياني دون تمحيص لهذه الروايات. وليس فيها ما يصلح للأخذ به أو حتَّى حكايته فأكثرها رواها نعيم بن حماد في "الفتن" ١/ ٢٢٠ - ٢٢٦، وقد تفرد بمنكرات ومقاطيع لم يروها غيره. وسيأتي التعليق عليه.
(٢) خبر القميص والسيف وما بعده من الخطبة في الفتن لنعيم بن حماد ١/ ٣٤٥ من قول أبي جعفر (الباقر)، وإسناده ضعيف؛ فضلًا عن ضعف نعيم كما تقدم ذكره مرارًا وليس هناك أي خبر أو نص في دواوين السنن والآثار عن قميص الرسول - ﷺ - وسيفه سوى هذا الخبر الساقط!
[ ٢ / ٥٣٩ ]
فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا عدد أهل بدر، وعدد أصحاب طالوت حين جاوزوا معه النهر.
فائدة: ما اجتمع هذا العدد إلا وانتصر. والله أعلم.
معهم أبدال الشام وعصائب أهل العراق ونجائب نجباء مصر على غير ميعاد، فزعًا كفزع الخريف، رُهْبانٌ بالليل أسدٌ بالنهار، ويأتيهم جيش صاحب المدينة، فيقاتلونهم فيهزمونهم، ويتبعونهم حتى يدخلوهم المدينة، ويستنقذونها من أيديهم.
قال في "الإشاعة" (١): ولا يشكل إتيانهم المدينة مرتين أو ثلاثة مع وقوع البيعة ليلة عاشوراء وأن المدة بعد قضاء المناسك إلى ليلة عاشوراء قريب من عشرين يومًا، أو خمسة (٢) وعشرين يومًا، ومسافة ما بين الحرمين عشر مراحل، وأكثر بالسير المعتاد، مع ما يتخلل ذلك من طلبهم له في كل مرة، إذ يمكن الإتيان على الركبان في خمسة أيام فيمكن تكرره في خمسة وعشرين يومًا على أنهم كلهم أولياء فيمكن أن تطوى لَهم الأرض، أو يكونوا من أصحاب الخطوة (٣) والله أعلم. وانتهى.
قُلْتُ: قد رأينا من أحاد الناس من قطع مسافة خمس مراحل في يوم واحد، ورأينا من سافر من قصبة نابلس إلى المسجد الأقصى ورجع بيومه، قبل صلاة العصر، وذلك في مشهد من الناس، فلا
_________________
(١) ص ٩٤.
(٢) في الأصل "خمس".
(٣) هذا من مصطلحات الصوفية.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
عجب في قطع مثل هؤلاء السادة، مثل هذه المسافة، في نحو يوم أو يومين على أنَّه قد روى أن الإمام أحمد بن حنبل - ﵁ -، قطع من الكوفة إلى مكة في ثلاثة أيام، ولذلك قصة مشهورة ذكرها ابن الجوزي في المناقب (١)، وكذا البيهقي وغيرهما، والله يختص برحمته من يشاء، سبحانه والله أعلم.
ويبلغُ السفياني الخبر فيبعث إليهم بعثًا من الكوفة، فيأتون المدينة، فيستبيحونها ثلاثة أيام، ويقتلون قتل الحرة عنده كضربة سوط، ويقصدون المهدي، فإذا خرجوا من المدينة وكانوا ببيداء من الأرض، خُسِفَ بأولهم وأخرهم، ولم ينج منهم إلا رجلان، نذير للسفياني وبشير للمهدي، فلمّا يسمع المهدي بذلك يقول: هذا آوان الخروج، فيخرج فيمرّ على المدينة فيستنقذ من كان أسيرًا من بني هاشم، وتنفتح له أرضُ الحجاز كله (٢).
قال في التذكرة (٣): روي عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -، وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب، فبينا هم كذلك، إذ خَرجَ عليهم (٤) السفياني من الوادي اليابس، في فَوْرة ذلك، حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين جيشًا إلى المشرق وجيشًا إلى المدينة، فيسيرُ الجيش نحو المشرق حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة
_________________
(١) "مناقب الإمام أحمد" ص ٣٦٣.
(٢) "التذكرة" ص ٦٩٣ - ٦٩٨.
(٣) وأورده أيضًا في التفسير على سورة سبأ آية (٥١) الدر المنثور تاريخ بغداد (١/ ٤٠) مختصرًا.
(٤) انظر التعليق الآتي في نهاية الكلام.
[ ٢ / ٥٤١ ]
الملعونة، والبقعة الخبيثة، يعني بغداد قال: فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة ويقتلون بها ثلاثمائة من [ولد] (١) بني العباس، ثمَّ يخرجون متوجهين إلى الشام، فتخرج راية هُدى من الكوفة، فيلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم، ثمَّ لا يفلت منهم أحد ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم قال: ويحل جيشه الثاني بالمدينة، فينتهبون ثلاثة أيام ولياليها، ثمَّ يخرجون متوجهين إلى مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء بعث اللهُ جبريل ﵇، فيقولُ يا جبريل اذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربةً يخسفُ الله بهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥١] فلم يبق منهم (٢) إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير، وهما من جهينة، ولذلك جاء القول:
وعند جهينة الخبر اليقين (٣).
_________________
(١) في الدر المنثور "كبش" وأيضًا في تاريخ بغداد (١/ ٤٠).
(٢) في (أ): (عنهم)، والمثبت من (ب) و(ط).
(٣) هذا شطر بيت وشطره الأوّل: تسأل عن أبيها كل ركب. وحكاية السفياني كل الاعتماد فيها على ما رواه نعيم بن حماد في الفتن ولا يصح مما ذكره شيء فغالبها آثار عن بعض الصحابة والتابعين أسانيدها لا تخلو من مقال وليس في السفياني حديث صحيح سوى ما ذكره الحاكم في المستدرك من طريق زكريا بن يحيى الساجي ثنا محمَّد بن أبي سمينة ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق، وعامة من يتبعه من حلب، فيقتل حتَّى يبقر بطون النساء ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس فيقتلها، حتَّى لا يمنع ذنب تلعة ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرة فيبلغ =
[ ٢ / ٥٤٢ ]
قال القرطبي: وحديثُ حذيفة هذا فيه طول، وكذلك حديث ابن مسعود، وفيه: يعني خبر ابن مسعود ثمَّ أن عروة بن محمَّد السفياني، وكنُيته أبو عتبة، يبعث جيشًا إلى الكوفة خمسة عشر ألف فارس، ويبعث جيشًا آخر فيه خمسة عشر ألف راكب إلى مكة والمدينة، لمحاربة المهدي، ومَن تبعه فذكر نحوًا من خبر حذيفة وفيه أن الذي يستنقذ ما أخذه الجيش يُقال له: شُعيبُ بن صالح وفيه: فإذا وصلوا إلى البيداء، مسخهم الله أجمعين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (١) الآية [سبأ: ٥١]. قُلْتُ: والجمع ممكن بأن يُمسخُوا ثمَّ يُخَسفُ بهم. والله أعلم.
وأخرج مُسلمٌ عن أم سلمة، - ﵂ -، وقد سئلت عن الجيش الذي يُخسَفُ به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، فقالت: قال رسول الله - ﷺ -: "يعوذ بالبيت عائذ فيبعث الله إليه بعثًا فإذا كانوا ببيداء من الأرض، خسف بهم" فقُلت يا رسول الله: وكيفَ بمن كان كارهًا؟ قال: "يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته". وقال أبو جعفر: هي ببيداء فقال له عبد العزيز بن رفيع: إنّما قالت ببيداء من الأرض قال: كَلَّا والله إنها لبيداء المدينة (٢) (٣).
_________________
(١) = السفياني، فيبعث إليه جندًا من جنده، فيهزمهم، فيسير إليه السفياني بمن معه حتَّى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم". قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، المستدرك ٤/ ٥٢٠.
(٢) التذكرة ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١.
(٣) رواه مسلم (٢٨٨٠).
(٤) "التذكرة" ص ٢/ ٢٩٥.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
قُلْتُ: ظاهر كلام أم سلمة - ﵂ -، أنها حملت المستعيذ بالبيت على ابن الزبير، - ﵄ -، والصحيح أنَّه المهدي، وإن شاركه (١) ابن الزبير في استعاذته بالبيت، لكنه لم يخسف بالجيش الذي مَشى إليه والله الموفق.
ثُم يخرجُ وراء النَّهر خارج يقال له الحارث، حَرَّاث على مقدمته رجُلٌ يُقالُ له المنصور، يمكِّنُ لآل محمَّد كما مكَّنت قريش لمحمد - ﷺ -، واجب على كل مؤمن نصره (٢).
وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو الهاشمي الآتي ذكره، ويُلقَّبُ بالحارث كما يُلقَّبُ المهديُّ بالجابر ويُحتمل أن يكون غيره.
ويثور أهل خراسان بعسكر السفياني، ويكون بينهم وقعات وقعة بتونس، ووقعة بدولاب، ووقعة بتجزم الزنيخ فإذا طال عليهم قتالهم إياه، بايعوا رجلًا من بني هاشم بكفه اليمين، خَالٍ سهل الله أمره وطريقه (٣)، هو أخو المهدي من أبيه أو ابن عمه وهو حينئذ بآخر المشرق بأهل خراسان، وطالقان ومعه الرايات السود الصغار، وهذه غيرُ رايات بني العباس، على مقدمته رجل من بني تميم، الموالي رَبْعة أصفر قليلُ اللحية كوسج واسمه شُعيب بن صالح التميمي، يخرجُ إليه
_________________
(١) وفي (أ) وأنه مشاركه، والمثبت من (ب) و(ط).
(٢) علقه أبو داود (٤٢٩٠)، أورده الديلمي ٥/ ٥١٤ عن علي مرفوعًا وهو حديث ضعيف.
(٣) في الأصل كذا وفيه وقفة لا تخفى.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
في خمسة آلاف فإذا بلغه خروجه صيَّره على مقدمته، لو استقبلته الجبال الرواسي لهدمها (١)، يمهد الأرض للمهدي كما مَهَّدت قريش للنبي - ﷺ - (٢).
وعنه - ﷺ - "إذا سمعتم برايات سُود قدْ أقبلت من خراسان، فأتوها ولو حَبْوًا على الثلج" (٣).
قال عليٌّ كرَّم اللهُ وجهه (٤): فإن فيها خليفة الله المهدي أي نفره وإلا فهو حينئذ بمكة، فيلتقي هو أي الهاشمي، وخيل السفياني، فيقتل منهم مقتلة عظيمة، ببيضاء إصطخر (٥) حتى تطأ الخيلُ الدماء إلى أرساغها، ثمَّ تأتيه جنود من قبل سجستان، عليهم رجلٌ من بني عديّ، فيظهر الله أنصاره وجنوده، وظاهر السياق أن الجنود جاءت لنصر الهاشمي، ويحتمل على بُعد أن تكون جاءت لمحاربته، فينصره الله عليهم، ثمَّ تكون وقعةٌ بالمدائن بعد وقعة ري، وفي عاقر قوفا وقعةٌ صلبة يخبر عنها كل ناج، وتقبلُ الرايات السود حتى تنزل
_________________
(١) كذا في (أ) والمثبت في (ب)، و(ط) لهدها.
(٢) رواه نعيم بن حماد ١/ ٣١٦ بإسناد فيه ضعف عن علي، وفي ١/ ٣١٠ بإسناد ضعيف من قول محمَّد ابن الحنفية. وروى بعضه في ١/ ٣١١ و٣١٢ و٣١٤.
(٣) رواه أحمد ٥/ ٢٧٧ ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١٤٤٥) وإسناده ضعيف جدًا، وانظر الضعيفة للألباني (٨٥).
(٤) الفتن لنعيم بن حماد ١/ ٣١٧ من قول أبي جعفر، وفي ١/ ٣٢١ من قول علي مختصرًا، وانظر فتح الباري ١٣/ ٧٨.
(٥) بيضاء إصطخر: مدينة مشهورة بفارس، معجم البلدان ١/ ٥٢٩.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
الماء، كذا في الخبر.
قال في "الإشاعة" (١) ولعله ماء دِجلة فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم هناك، فيهربون ثمَّ ينزل الكوفة حتى يستنقذ مَن فيها من بني هاشم، ثمَّ يَخرُجُ قومٌ من سواد الكوفة يُقال لهم: العصب ليس معهم سلاح إلا قليل، وفيهم بعضُ أهل البصرة، قد تركوا السفياني فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة، وتبعث الرايات السود ببيعتهم إلى المهدي، ويقبل المهدي من الحجاز، والسفياني من الكوفة، بعد أن يبلغه خسف جيشه، ولا يهوله ذلك، إلى الشام متعلق -بيقبل- كأنهما يعني المهدي والسفياني فرسا رهان، فيسبقه الصخرى فيقطع بعثًا آخر من الشام إلى المهدي، فيدركون المهدي بأرض الحجاز، فيبايعونه بيعة المهدي، ويقبلون معه إلى الشام.