جاء في بعض الروايات: أن الجيش الذي يُخسفُ به يُبعث من الشام، وفي بعضها من العراق، قاله ابن حجر كغيره، ولا منافاة لأنَّ البعث من العراق، لكنهم لما كانوا من أهل الشام نُسبوا إليها، في الرواية الأخرى.
وفي رواية أن المهدي يُقاتل هذا الجيش الثاني، عدد أهل بدر أصحاب المهدي يومئذ، فيُسمع صوتٌ من السماء ألا إن أولياء الله
_________________
(١) ص ٩٥، ٩٦.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
فلانٌ يعني المهدي، فتكون الدبرة على أصحاب السفياني، فيُقتلون لا يبقى منهم إلا الشديد (١) فيهربون إلى السفياني، فيخبرونه ويُمكن الجمع كما في الإشاعة بأن بعضَهم يبايعه، وبعضهم يقاتُله فيهربون، وإن الذين يقاتلون هم الذين يبعثهم صاحب المدينة، الأمير من قبل السفياني إلى مكة كما مَرت الإشارة إليه، ويؤيده أنَّه يقاتلهم في عدد أهل بدر، أجنّتُهم يومئذ البراذع، فإن هذه الصفات تناسب حالهم عند ابتداء الغاية، ثمَّ إن السفياني يُفسد في الأرض، ويظهر الكفر، حتى أنَّه يطاف بالمرأة وتجامع نهارًا في مسجد دمشق، على مجلس شرب، حتى تأتي فخذ السفياني فتجلس عليه، وهو في المحراب قاعدٌ فيقومُ رجل مسلمٌ من المسلمين فيقولُ: ويحكم أَكَفرتم بعد إيمانكم، إن هذا لا يَحلُ فيقومُ إليه فيضرب عنقه في المسجد، ويقتُل كل من شايعه، فعند ذلك ينادي منادٍ مِن السماء: أيها الناس إن الله قد قطع عنكم الجبارين والمنافقين وأشياعهم، وولاكم خير أمة محمَّد - ﷺ -، يعني: يومئذ فالحقوا به بمكة، فإنَّه المهدي واسمه أحمد بن عبد الله.
ويسير المهدي بالجيوش حتى يصير بوادي القُرى، وهو من المدينة على مرحلتين إلى جهة الشام، في هدُوء ورِفقٍ، ويلحقهم هناك ابن عمه الحَسني في اثنى عشر ألفًا فيقول له: يا ابن العمّ أنا أحق منك بهذا الجيش، أنا ابن الحسن، وأنا المهدي، فيقول له: بل أنا المهدي فيقول
_________________
(١) في (أ) الشديد، وما أثبت من (ب، وط)، و"الإشاعة" ص ٩٦ وكل ما سبق منه وما بعده.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
الحسني: هل لك من آية فأبايعك، فيومئ المهدي إلى الطير فيسقط على يده، ويغرس قضيبًا يابسًا في بقعة الأرض فيخضر ويورق، فيقول الحسني: يا بن عمي هي لك.
وهذا دليل (١) واضحٌ على أن المهدي من أولاد الحسين - ﵁ -، وإنما قال الحسني: أنّا أحق بهذا منك؛ لأنه ظن أن الحسن لكونه صار خليفة، كما مرّ تكون الخلافة في نسله، بخلاف الحسين على أن بعض الناس قد بايع سيدنا الحسين، وأيضًا فإن الحسن قد نزل عن الخلافة ففوّت حقه، بخلاف الحسين فإنَّه ما نال ما أراد فحقه باقٍ فأعطاه الله الخلافةَ في أولاده.
فإن قيل: هذا الحسني إن كان هو الذي قدم بالريات السود، فقد مرّ أنَّه بُعث بالبيعة من الكوفة، وأنه لا يقدم الحجاز، وإنما يلقاه ببيتِ المقدسِ، وإن كان غيره فكيف ينازعه بعد أن بايعه أهل الحجاز كلها، وأهل المشرق والعراق.
والجواب كما في الإشاعة: أنَّه إن قلنا أن القادم بالرايات أخوه كما في بعض الروايات، فهذا غيره قطعًا، وحينئذ فوجه دعواه أن البيعةَ للمهدي، إنما هي للمتصف بهذا الوصف، لا لشخص بعينه، فيدعي أن البيعة له لأنه المهدي فلما ظهر له أنَّه هو غير المهدي وإنما المهدي هو ذاك بايعه وإن قلنا أنَّه ابن عمه، فإن كان غير هذا الحسني.
فالجواب: ما مرّ وإن كان هو فمعنى مُلاقاته: أنَّه يرسل إليه
_________________
(١) لم أقف أصلًا على هذا القسم من حكاية السفياني والمهدي، ومعظم هذه الصفحات تخاليط لا يصح منها إلا النزر اليسير فكيف تصلح دليل؟
[ ٢ / ٥٤٨ ]
جماعة اثنى عشر ألفًا وإمدادًا احتياطًا أن لا يكون هو المهدي، فينازعونه على الخلافة، ويؤمر عليهم واحدًا، ويأمره بأن يمتحنه، ويوكله في البيعة على التردد، فلما بايعوه صَحّ أن يقال: بعث له بالبيعة، وأن يُقال لقيه مجازًا كذا، قاله والله أعلم. فيبقى المهدي حتى إذا وصل انتهى إلى حدّ الشام الذي بين الشام والحجاز، أقامَ بها فيُقالُ له أنفذ، فيكره المجاوزة (١) ويقول: أنا أكتب إلى ابن عمي، يعني الصخريّ فإن خلع طاعتي، فأنا صاحبكم فإذا أتاه كتاب المهدي، قال أصحابه: إنَّ هذا المهدي قد ظهر لتُبايعنَّه أو لَنَقْتُلنَّكَ فيبايعه (٢)، ويسير إليه حتى ينزل بيت المقدس، فلا يترك المهدي بيد رجل من أهل الشام فترًا من الأرض إلا ردَّه لأهل الذمّة، وردّ المسلمين جميعًا إلى الجهاد، ثمَّ يخرج رجل من كَلب يُقال له كنانة بعينه كوكب، في رهط من قومه حتى يأتي الصخري، فيقول: بايعناك ونصرناك، حتى إذا ملكت، بايَعت هذا الرجل (٣)، ويعيرونه فيقولون: كساك اللهُ قميصًا فخلعته، فيقول: ما تَرون أنقضُ العهد؟ فيقولون: نعم، ما يبقى عامرية أمّها أكبر منك، إلا لحقتك، لا يختلف عنك ذاتُ خُف ولا ظلف، فيرحلُ وترحلُ معه عامر بأسرها، فيوجه إليهم المهدي راية،
_________________
(١) في "الفتن" ١/ ٣٥٣: فيكر المجارز.
(٢) في (أ): فبايعه، والمثبت من (ب)، و(ط).
(٣) في الفتن لنعيم بن حماد ١/ ٣٥٣: بايعت عدونا. وعمومًا السياق فيه هنا اختلاف عما في كتاب الفتن.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
وأعظم راية في زمانه، مائة رجل فتَصُفُّ كلبُ خيلَها ورجلها، وإبلها وغنمها فإذا تسامت الخيلان، ولَّت كلبُ أدبارها فيقتلونهم، ويسبونهم حتى تباع العذراء منهم بثمانية دراهم، ويؤخذ الصخري فيؤتى به أسيرًا إلى المهدي فيذبح على الصخرة المعترضة على وجه الأرض، عند الكنيسة التي ببطن الوادي، على [طرف] (١) دَرَج طور زيتا المقنطرة، التي على الوادي كما تُذبحُ الشاة، وقد قال - ﷺ -: "الخائب من خاب يومئذ من غنيمة كلب، ولو بعقال" (٢)، قيل: يا رسول الله كيف يغنمون أموالهم ويسبون ذراريهم وهم مسلمون؟ قال - ﷺ -: "يَكفُرون باستحلالهم الخَمر والزنا".
ويأتي الهاشمي بالرايات السود، وسيفه على عاتقه ثمانية أشهر، وفي رواية: ثمانية عشر شهرًا يقتل ويمثّل، حتى يقول الناس معاذ الله أن يكون هذا من ولد فاطمة، ولو كان لرَحِمنا، يُغريه الله ببني عباس وبني أمية، ويكون لهم وقعة بأرض من أرض نصيبين، ووقعة بحران وشِعارُهُم: أمِت أمت. وفي رواية: بكش بكش، والمعنى: واحد حتى يسلموها للمهدي.
_________________
(١) زيادة من "الإشاعة" ص ٩٨.
(٢) روى هذا الجزء من الحديث دون قوله: "ولو بعقال" وفيه قصة. من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٣٥٦. ومن حديث أم سلمة أحمد ٦/ ٣١٦، وأبو داود (٤٢٨٦)، والطبراني في الكبير ٢٣/ (٩٣٠) و(٩٣١) وفي الأوسط (١١٥٣) و(٦٤٥٩)، والحاكم ٤/ ٤٧٨، وانظر مجمع الزوائد ٧/ ٣١٤ و٣١٥.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
فإن قيل: قد ورد في بعض الروايات أنَّه يَحمل سيفه ثمانية أشهر، وفي بعضها ثمانية عشر شهرًا، وفي بعضها اثنان وسبعون شهرا، وهي مدة ست سنين، وفي بعض الروايات أنَّه يُسلِّمُ الرايات إلى المهدي ببيت المقدس، وفي أخرى أنَّه لا يبلغه حتى يموت، وفي أخرى فتلتقى رايات الهاشمّي مع خيل السفياني فيكون بينهم مقتلة عظيمة وتنهزم خيل السفياني ثُمَّ تكون الغلبة للسفياني فيهرب الهاشمي. ويأتي التميمي، مُستخفيا إلى بيت المقدس، يمهد للمهدي إذا خرج إلى الشام.
فما وجه الجمع؟ فالجواب: عن الجمع (١) بين الروايات أن رواية اثنين وسبعين باعتبار جميع مدته، ورواية ثمانية عشر شهرا باعتبار ما بعد مدة (٢) قتالِه مَعَ خيل السفياني، واجتماع شعيب بن صالح [به] (٣) وثمانية [أشهر] (٣)، باعتبار [مدة] (٣) ما بعد نزوله الكوفة، وبعثه بالبيعة إلى المهدي، وهذا جمع حسن لا بأس به كما في الإشاعة وأما الجمع بين الروايات الأُخر هو أن يُقال على بعد: إن ضمير يموت، راجع إلى السفياني أي حتى يموتَ السُفياني أو يرجع إلى الهاشمي ويكون القادم بالرايات التميمي، ونسبته إلى الهاشمي مجازًا للسبب، أو أنَّه يوصل الرايات، وتفتح الشام ويموت قبل اجتماعه بقليل، على أن روايات قدومه بالرايات، ووصوله إليه أكثر وأشهر، فتُقدم عند عدم إمكان الجمع والله أعلم، وإنما تتساقط إذا تعارضتْ، وكذلك روايات
_________________
(١) في (أ) و(ب) الجميع، والمثبت من (ط) وهو الصواب. ومن "الإشاعة" (٩٨).
(٢) في (ط) تقديم وتأخير (مدة ما بعد)، والمثبت من (أ) و(ب).
(٣) الزيادة من "الإشاعة".
[ ٢ / ٥٥١ ]
النصر والغلبة أكثر من روايات الهزيمة، فتُقدم ولو جُمع فوجه الجمعُ أنَّه ينهزم في بعض الوقعات، ثمَّ تكون له الغلبة بعد ذلك.
قُلْتُ: وذُكر في التذكرة (١): أن المهدي يُبايَعُ مرتين، قال فإنَّه رُوي من حديث ابن مسعود - ﵁ -، أنَّه يخرج في آخر الزمان من المغرب الأقصى، يمشي النصر بين يديه أربعين ميلًا، راياته بيضٌ وصفرٌ، فيها رقوم، فيها اسم الله الأعظم مكتوب، فلا تهزم له راية، وقيام هذه الرايات، وانبعاثها من ساحل البحر بموضع يقال له ماسة (٢) من جبل المغرب، فيعْقد هذه الرَّايات مع قوم أخذ الله لهم ميثاق النصر والظفر، ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] الحديث بطوله.
قال العلامة في "البهجة" قال بعضهم: إنه يخرج من المغرب، وأنه من أجل ذلك سَمُّوا بَنو إدريس أنفسهم بالمهدية، طمعًا أن يكون منهم، انتهى.
ثمَّ ذكر في حديث ابن مسعود فيأتي الناس من كل جانب ومكان، فيبايعونه يومئذ بمكة، وهو بين الرُكن والمَقام، وهو كاره.
قال القرطبي (٣): وهذه المبايعة الثانية بعد البيعة الأولى، التي
_________________
(١) "التذكرة" ٧٠٢.
(٢) ماسة: رباط بالمغرب على نحر البحر. "معجم البلدان" ١/ ١٢٥ مادة (أدبى).
(٣) "التذكرة"، ص ١٠٢، قلتُ: يرحم الله القرطبي كان يجمع من الأخبار والآثار ما لا أصل له ويبني عليها أحداث وتصورات للملاحم والفتن ما لم يقل به أحد من أهل العلم.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
بايعه الناس بالمغرب ثمَّ إن المهدي يقول: أيها الناس اخرجوا إلى قتال عدوكم، فيجيبونه لا يعصون له أمرًا، فيخرُجُ الهديُّ ومن معه من المسلمين، من مكة إلى الشام، لمحاربة عروة بن محمَّد السفياني، ومن معه من كلب، ثمَّ يبدد جيشَهُ ثمَّ يُؤخَذ عروة السفياني على أعلى شجرة على بحيرة طبرية، قال: والخائب يومئذ مَن خاب مِن قتال كلب، ولو بكلمة أو تكبيرة، أو بصيحة فقال حذيفة: يا رسول الله كيفَ يحل قتلهم وهم مسلمون؟ فذكر نحو ما تقدم (١).
وفي الحديث "لا تُحشر أمتي حتى يخَرجَ المهديُّ يمده اللهُ بثلاثةِ آلاف من الملائكة، ويخرجُ إليه الأبدال من الشام والنجباء من مِصر، وعصائب أهل المشرق، حتى يأتوا مكة، فَيُبايَعُ له بين الرُكن والمقام، ثُم يتوجه إلى الشام وجبريل على مقدمته، وميكائيل على يساره، ومعه أهل الكهف أعوان له، فيفرح به أهل السماء والأرض، والطير والوحش، والحيتان في البحر، وتزيد المياه في دولته، وتمتد الأنهار، وتُضَعِّف الأرض أكّلها قال فيقوم إلى الشام فيأخذ السفياني، فيذبح تحت الشجرة التي أغصانها إلى بحيرة طبرية" (٢)، وفي "البهجة" للعلاّمة، ثمَّ يتوجه يعني: المهدي إلى المدينة، ومعه المؤمنون إلى أن قال: ثمَّ ينهزم السفياني إلى الشام، فيقصده المهدي فيذبحه، عند عتبة بيت المقدس، كما تُذبح الشاةُ ويغنمه كذا رأيته في البهجة، وهو كما ترى وهم، إن لم يكن غلطًا من الكَتبة واللهُ أعلم.
_________________
(١) ص ٥٥٢ ت (٢).
(٢) أبو عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن" ٥/ ١٠٩١، وله سياق مغاير عند أبي داود (٤٢٨٦)، أحمد (٦/ ٣١٦).
[ ٢ / ٥٥٣ ]
فَإنْ قُلْتَ: قد ذكرتَ هنا ثلاث روايات في قتل السفياني، ومن المعلوم إنما الصحيح واحدة، فما هي؟
قُلْتُ: أما الرواية التي ذكرنَاهَا أوّلًا وهي: أن السُفياني يُؤخذ على شجرة، على بحيرة طبرية، فليس فيها أنَّه يُقتل على تلك الشجرة وإنما فيها أنَّه يؤخذ عليها.
والرواية الثانية: أنَّه يذبح تحت الشجرة تفسير للرواية الأولى أنَّه يُؤخذ على تلك الشجرة، ويُذبحُ تحتها.
وأما الرواية الثالثة التي ذكرناها، عن العلامة: فهي إن لم تكن غلطًا من النُسّاخ وهو الظّاهر، وإلا وهم، وإنما الذي يُذبح ثَمَّ الصخري، كما مَرَّ واللهُ ﷾ أعلم.
ثمَّ تُمهدُ الأرضُ للمهدي، ويدخل في طاعته ملوك الأرض كلهم، ويَبعثُ بَعثًا إلى الهند، فيُفتح، ويؤتى بملوك الهند إليه مُغلَّلين وتُنقل خزائنها إلى بيت المقدس، فتجُعلُ حِليةً لبيت المقدس، ويمكثُ في ذلك سنين، ومنها الملحمة (١) الكبرى، وذلك أن بعد هلاك السفياني، يهادن [المهدي] (٢) الرومُ صُلحًا آمنًا تسع سنين على ما في بعض الروايات، فيغزو المسلمون عدوًا من وراء الروم فيغنمونهم، ويَنصرفون، حتى ينزلوا بمَرْج ذي تُلول، وهو موضع فيقول قائل من الروم: غلب الصليب، ويَقول قائل من المسلمين: بل الله غلب فيتداولونها بينهم، فيثور المسلم إلى صليبهم، وهو منهم غير بعيد،
_________________
(١) "الإشاعة" ص ٩٩، ١٠٠ بتصرف.
(٢) زيادة في (ط)، (ب).
[ ٢ / ٥٥٤ ]
فيدقه فتثور الروم إلى كاسر صليبهم، فيقتلونه، فيثُور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتلون عن آخرهم، فتقول الروم إلى ملكهم كفيناك حدّ العرب، وقتلنا أبطالها، فما تنتصر فيجمعون في مدة تسعة، مقدار حمل امرأة، فياتون تحت ثمانين غاية (أي راية)، وهي بالغين المعجمة، والياء التحتية ويروَى بالموحدة أي: تحت رماح كالغابة (١).
وفي لفظ: فيسيرون بثمانين بندا، والمعنى واحد: تحت كل غاية اثنا عشر ألفا فينزلون بالأعماق بالعين المهملة أو بدابق، بوزن طابع بكسر الباء وفتحها، هما موضعان قرب حلب وأنطاكية، فيخرُجُ إليهم جلب من المدينة، من أخيار أهل المدينة، يومئذٍ وهم الذين خرجوا مع المهدي، فإذا تصافوا قالت الروم: خَلُّوا بيننا، وبين الذين سُبُوا مِنَّا نُقَاتِلُهُم.
يروى سُبوا بضم السين بالبناء للمفعول، وفتحها على البناء للفاعل، والمعنى على الأوّل الذين سبيتموهم مِنّا، وخرجوا من ديننا، وصاروا يُقاتلوننا، وعلى الثاني: الذين سَبوا أولادنا ونسَاءنا، فيقول المسلمون: لا والله لا نُخلِّي بينكم وبين إخواننا، فينهزم من المسلمين ثلاث، لا يتوب الله عليهم أبدا، ويُقتَلُ ثلاث هم أفضل الشهداء عند الله، ويَفتح ثلاث لا يُفتنون أبدا، وفي رواية فيشترط المسلمون شُرطة الموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفئ هؤلاء وهؤلاء وكل غير غالب، ثمَّ يشترط المسلمون شرُطة، الشرطة:
_________________
(١) السنن الواردة في الفتن ٥/ ١٠٩٣، وروى بعض هذه الملحمة أبو داود (٤٢٨٢)، وابن ماجة (٤٠٨٩).
[ ٢ / ٥٥٥ ]
بالضم طائفة من الجيش، تُقدم للقتال للموت، لا ترجع إلا غالبة فَيرَجعون غير غالبين، إلى ثلاثة أيام، فإذا كان اليومُ الرابع نَهد أي: نهض إليهم بقيةُ الإِسلام، فيجعلُ الدَبْرة على الكَفرة، فيقتَتَلُون مقتلة عظيمة لم يُر مثلُها، حتى إن الطائر ليمُر بجنباتهم، فما يخلّفهم حتى يمرّ ميتا، ويتعادّ بَنو الأب كانوا مائة، فلا يجدون بقى منهم إلا الرجل، فلا يقسم ميراث ولا يُفرحُ بغنيمة، ويكونُ لخمسين امرأة قيّم واحد، قوله: بجنباتهم هو بالجيم: فنون فموحدة أي بنواحيهم.
وقوله: "لا يُخلفهم" بتشديد اللام أي لا يجعلهم خلفه، أي لا يتجاوزهم، حتى ينقطع عن الطيران، ويموت من بعد مسافة القتلة (١)، و"القيِّم" هُو الذي يقومُ بمصالح البيت، والله ﷾ أعلم.
ثمَّ يتبعونَهم ضربًا وقتلا، حتى يَنتَهُوا إلى قُسطَنْطينية أي الكُبرى، قال في "عقد الدُرَرَ" (٢): لها سبعةُ أسوار، الذي يلي البلد عشرةَ أذرع على ساحل البحر، وهو خليج يَصُبُ في البحر الرومي، الذي طوله كما في "البهجة": خمسة آلاف ميل، وعرضُه ستمائة ميل، ويخرجُ منه خليجٌ إلى أرض بربر، طُولُه ميل قال في الخريدة: مخرجُهُ من المحيط ثُمَّ يأخذُ مَشرقًا فيمر بشمالي الأندلس، ثمَّ ببلاد الإفرنج إلى قسطنطينية، ويمتدُ ببلادِ الجنوب فيركز لواءه عند البحر، ليتوضأ للفجر، فيتباعد الماء منه فيتبعه، حتى يجوز من تلك الناحية، ثمَّ يركزه وينادي: أيُّها
_________________
(١) في (ط)، و(ب): (المقتلة).
(٢) ص ١٧٣.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
الناس: اعبروا فإن الله ﷿ فلق لكم البحر، كما فلقه لبني إسرائيل، فيجوزون فيستقبلونها، فيكبرون فتهز حيطانها ثمَّ يكبرون فتهز، ويسقط في الثالثة مِنها ما بين اثنى عشر برجًا فيفتحونها، ويقيمون بها سنة، حتى يبنوا المساجد، ثمَّ يدخلون مدينةً أخرى فبينما هم يُقسمون فيها المال بالأترسة، إذا بصارخ: الدجالُ خلفكم في ذراريكم بالشام، فيرجعون، فإذا الأمر باطل فالتارك نادم (١)، ثمَّ ينشئون ألف سفينة، ويركبون فيها من عَكّا، وهم أي: الذين يركبون من مدينة عكّا: أهل المشرق والمغرب، والحجاز والشام، على قلب رجل واحد، فيسيرون إلى روميَّة (٢).
وروي أن عبد الله بن بسر المازني قال لبعض أصحابه: يا ابن أخي لعلك تدرك فتح القسطنطينية، فإياك إنْ أدركتَ فتحها أن تَترك غنيمتكَ منها، فإن بين فتحها وبين خروج الدجال سبع سنين، رواه نعيم بن حماد في الفتن (٣).
ويَستخِرَجُ - أي: المهدي - كنزَ بيتِ المقدس، وحلية من القسطنطينية، الذي أخذها طاهر بن أسماء حين غزا بني إسرائيل فسباهم، وسبى حُليَّ بيتِ المقدس، وأحرقها بالنيران، وحمل منها في البحر ألفًا وسبعمائة سفينة، حتى أوردها رومية.
_________________
(١) في (ط)، و(ب): (ندم).
(٢) الخبر المتقدم في "السنن الواردة" ٥/ ١٠٨٩ - ١١٠٩ بأطول منه! من حديث حذيفة مرفوعًا، وهو موضوع بلا ريب.
(٣) انظر "عقد الدرر" (٢٠١).
[ ٢ / ٥٥٧ ]
قَالَ حُذيفة - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ليَستخرجَنَّ المهدي ذلك، حتَّى يردُه إلى بيتِ المقدس".
قال في "عقد الدُرَر" (١): روميَّة أمُّ بلاد الرّوم، وكلُّ من ملكها يقال له الباب، وهُو الحاكم على دين النصرانية، بمنزلة الخليفة على المسلمين، ليس في بلاد المسلمين مثلُها، وقد ذكر المؤرخون في صفتها عجائب، لم تُسمع في غيرها فلتُراجع، فيكبرون عليها أربع تكبيرات، فيسقط حائطها، فيقتلون ستمائة ألف، ويستخرجون منها حُليَّ بيت المقدس، والتابوت الذي فيه السكينة، ومائدة بني إسرائيل، ورضاضة الألواح أي ألواح موسى، وحلة آدم وعصا موسى، ومنبر سليمان، وقفيزين من المنّ، الذي أنزله الله على بني إسرائيل، أشدَّ بياضًا من اللبن، كذا في "الإشاعة" (٢) ولا يَخفى بَعدَ ذلك مع ما تقدم، أنَّ التابوت يستخرجه المهدي من بحيرة طبرية، أو من غار أنطاكية.
وممّا ينبغي أن يُعلمَ أنّ كتب الملاحم بعيدة عن الصحة (٣)، قال الإمام أحمد: ثلاثة كتب ليست لها أصول، كُتب الملاحم والمغازي والتفاسير، وحمله الدارقطني على كتب مخصوصة في المغازي، والتفاسير وأما الملاحم: فأبقاه على عمومه نعم: استثنى العلاّمة
_________________
(١) ص ١٧٣.
(٢) "الإشاعة" ص ١٠٤.
(٣) غفر الله للمصنف، فلو أنَّه اختصر القصص السابقة - التي سود بها عشرات الصفحات - وأشار هذه الإشارة أنها بعيدة عن الصحة لكان أحسن من إرهاق القارئ بها.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
كغيره من الأئمة قتال الروم، وفتح القسطنطينية على يد المهدي، ففي صحيح مسلم (١): عن أبي هريرة، - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "هل سمعتم بمدينة جانب منها في البر، وجانب منها في البحر؟ " قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "لا تقومُ الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحق، فإذا جاءوها نزلوا، فلم يُقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، فإذا قالوا لا إله إلا الله والله أكبر، سقط أحد جانبيها، ثمَّ يقولون الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيُفرج لَهُم فيدخلونها، فيقتسمون، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصَريخ، فيقول: إن الدجال قد خرج، فيتركون كلّ شيء ويرجعون" انتهى.
قال في "الإشاعة" (٢): بعد أن ذكر فتح رومية، "ثمَّ يأتون مدينة يقال لها: القاطع، طولها ألف ميل، وعرضها خمسمائة ميل، ولها ستون وثلثمائة باب، يخرج من كل باب مائة ألف مقاتل، وهي على البحر لا يُحمل يعني: البحر فيه جارية" (٣)، أي: سفينة قيل: يا رسول الله: ولم لا يُحمل فيه جارية؟ قال: "لأنه ليس له قعر، وإنما يمرون من خلجان من ذلك البحر، جَعلها الله منافع لبني آدم، لها قعور فهي تحمل السفن فيكبرون عليها أربع تكبيرات، فيسقط حائطها
_________________
(١) رواه مسلم (٢٩٢٠)، والحاكم ٤/ ٥٢٣، وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٦٢٣).
(٢) ص ١٠٤، "عقد الدرر" (٢٠٠).
(٣) هذا جزء من حديث حذيفة في "السنن الواردة" ٥/ ١١٠٣ وليس في حديث أبي هريرة المتقدم.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
فيغنمونها، ثمَّ يقيمون فيها سبعَ سنين، ثمَّ يُنقلونَ منها إلى بيت المقدس، فيبلُغُهم أنَّ الدجال قد خرج من يهود أصبهان"، أخرجه أبو عمرو الداني في سننه (١).
وفي رواية: ثمَّ يأتي يعني المهديُ مدينة يقال لها: القاطع وهي على البحر الأخضر المحيط بالدنيا، ليس خلفه إلَّا أمر الله ﷿، فذكر نحو ما مرَّ.
واعلم أنَّه ورد أن المهدي يَدخلُ كل مدينة دخلها ذو القرنين، ويُصلحها، وأنه لا يبَقى جبارٌ إلا هلك وقد ورد عنه، - ﷺ -: "ملك الدُنيا مؤمنان وكافران، أما المؤمنان: فذو القرنين وسليمان، وأما الكافران: فنمرود وبختنصّر، وسيملكها خامسٌ من عترتي، وهو المهدي" (٢).
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، - ﵄ -، مرفوعًا: "أصحاب الكهف أعوانُ المهدي" (٣).
قال العلماء: حكمة تأخيرهم إلى هذه المدة، ليحوزوا شرف
_________________
(١) "السنن الواردة في الفتن" ٦/ ١١٣٦.
(٢) أورده القرطبي في "التفسير" ١٠/ ٢٢٠ ولم يذكر قائله. وذكره الحافظ في "الفتح" ٦/ ٣٨٥ بنحوه، قول الثوري ومجاهد دون ذكر الخامس وعزاه النوويّ في "تهذيب الأسماء واللغات" ١/ ٢٢٤ لابن عباس دون ذكر الخامس، ولم أقف عليه مرفوعًا، وانظر "تاريخ الطبري" ١/ ١٧٤.
(٣) أورده الحافظ في "الفتح" ٦/ ٥٠٣ وعزاه لابن مردويه في التفسير وقال: سنده ضعيف.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
الدخول في أمّة محمَّد - ﷺ -، إكرامًا لهم.
قُلْتُ: وفي هذا نظر لا يخفى على ذي بصر، حيث أكرمهم الله بذلك، فلم لا يكرمهم بما هو أفضل من ذلك؟ وهو الاجتماع بسيدنا وسيد الكونين، محمد - ﷺ -، ليفوزوا بشرف الصُحبة، والدخول في الأمَّة ورؤية المصطفى التي لا يُعادلها في الدنيا شيء والجهادُ معه لكن لله حِكم أخر يدقُّ فهمها عن عباده، إلَّا من منحه اللهُ نورًا فانجاب به عن قلبه الرّان، والله ﷾ أعلم.
فإن كان الحديثُ ثابتًا فلا ريبَ أن في تأخيرهم لخروج المهدي حكمة يعجزُ فهم كثير من الخلق عن إدراكها، وقد يُقال يمكن أن تكون: أن في زمن المهدي الحاجةُ داعية لخروجهم أكثر من غير زمنه لخفة الدين حينئذ، فإنَّه يخرج في انمحاق الدين. قيل إنه لم يبقَ على وجه الأرض من المسلمين إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلًا عدة أهل بدر كما ورد، وإن كان الحديث لم يثبتُ فلا حاجةَ إلى هذا كُلّه واللهُ ﷾ أعلمُ بما هو كائن.
فائدة: وردَ أنَّ أوّل لواء يعقدهُ المهدي يَبْعثُ به إلى الترك، قال في "الإشاعة" (١): والظاهر أن هذه الفتوح تكون في مدة مهادنته الروم لأنَّ بعد اشتغاله بهم، لا يتفرغ لغيرهم أو أنَّه يَبعَثُ البعوث والسرايا، ونسبة دخول الآفاق إليه يكون مَجازًا، وهذا محاولة منه لتوجيه هذا الكلام، كما لا يخفى والله أعلم.
_________________
(١) "الإشاعة" ص ١٠٥.
[ ٢ / ٥٦١ ]
تنبيه: ورد أنّ الملحمة العظمى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدجّال في سبعة أشهر وفي رواية: سبع سنين وقال أبو داود: في سُننَه، ورواية: "سبع سنين" أصح من رواية: "سبعة أشهر"، ذكره في "الإشاعة" (١) وكذلك من رواية "سنة".
تتمه: اختلفت الروايات في مدة ملك المهدي، ففي بعضها "يملك خمسًا أو ستًا أو سبعًا" بالترديد، وفي بعضها "تسعة عشر سنة، وأشهرا" وفي بعضها: "عشرين" وفي بعضها "ثلاثين"، وفي بعضها "أربعين منها تسعُ سنين يهادن الروم فيها"، قال في "القول المختصر": ويمكن الجمع على تقدير صحة الكل، بأن ملكه متفاوت الظهور والقوة، فيحمل الأكثر على أنَّه باعتبار جميع مدة الملك، والأقل على غاية الظهور، والأوسط على الأوسط (٢). انتهى
قال في "الإشاعة" (٣) ويدل على ما قاله وجوه:
الأوّل: أنَّه - ﷺ -، بشّر أمّتَهُ خُصوصًا أهل بيته ببشارات، وأن الله يعوضُهم عن الظُلم والجور قسطًا وعدلًا، واللائق بكرم الله، أن يكون مدة ذلك قدرَ ما ينسَونَ فيه الظلم والجور والفتن، والسبع والتسع أقل من ذلك.
الثاني: أنَّه يَفتحُ الدنيا كُلّها كما فتح ذو القَرنين وسُليمان، ويدخلُ جميع الآفاق، كما في بعض الروايات، ويبني المساجد
_________________
(١) "الإشاعة" ص ١٠٥. وسنن أبي داود (٤٢٩٥)، (٤٢٩٦).
(٢) "القول المختصر" ص ٢٧ - ٢٨.
(٣) "الإشاعة" ص ١٠٥، ١٠٦.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
والبلدان، ويُحلي بيت المقدس وهذا لا يُمكن في مدة التسع.
الثالث: ورد أن الأعمار تطول في زمانه، وطولها مستلزم لطول مدته، وإلا لا يكون طولها في زمنه، والتسع وما دونه ليس من الطول في شيء.
الرابع: أنَّه يهادن الروم تسع سنين، ويقيم بالقسطنطينية سنة، وبالقاطع سَبعًا ومدة المسير إليها مرتين، والرجوع في أثنائه يكون سنين، وقتاله السفياني، [ونقضه العهد بعد ثلاث سنين] (١) وفتحه للهند وسائر البلدان يكون في سنين كثيرة. هذا ملخص كلامه وأطال فليراجع.
تنبيهان: الأوّل قال العلاّمة في "البهجة": كثُرت الأقوال في المهدي، حتى قِيلَ لا مهديَّ إلا عيسى قال: والصحيح بَلْ الصَّوابُ أنَّه غيره، فإنَّه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات، فعند ابن أسكاف (٢) مُرضيًا مُسندًا إلى جابر، - ﵁ -: "مَن كذَّب بالدجال فقد كفر، ومن كذّب بالمهدي فقد كفر" (٣).
ألا ترى أن الشارع أخبر به وبَشَّر كما ثبتَ ذلك بالروايات الصحيحة المتقدمة.
_________________
(١) زيادة من (ط).
(٢) هو أبو بكر محمَّد بن محمَّد بن أحمد الإسكافي، كان ثقة، حدث ببغداد وتوفي سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة الأنساب (١/ ٢٣٤) له كتاب: "فوائد الأخبار".
(٣) ذكره السهيلي في شرح السيرة (٢/ ٤٣١)، رواه مسندًا إلى مالك بن أنس عن محمَّد بن المنصف عن جابر، انظر "عقد الدرر في أخبار المنتظر" (١٥٧).
[ ٢ / ٥٦٣ ]
وقُلْتُ: ورد في بعض الأحاديث: "لا مهدِيَّ إلَّا عيسى ابن مريم" (١) وهو ضعيف. ولو ثَبتَ لوجَبَ حملُه على معنى لا ينافي وجود المهديّ؛ لأنَّ أحاديثه كثيرة جدًا، بل قد بلغت حدّ التواتر المعنوي، وتأويله أنَّه لا قول للمهدي إلا بمشورة عيسى، إن قلنا أنَّه وزيره، أو لا مهدي معصومًا مُطلقًا إلَّا عيسى، ولا اعتبار بمن اغترَّ بالرواية المارة؛ فإنّ ذلك سهو من المعتمد، ذلك وقصور عن معرفة الأحاديث صحيحها من سقيمها، وإلاّ فالإيمانُ بخروج المهدي واجبٌ كما هو مقرَّر عند أهل العلم، ومُدوَّنٌ في عقائد أهل السُنة والشيعة أيضًا، لكنهم زعموا أنَّه محمَّد ابن الحنفية، - ﵁ -، أو أنَّه محمَّد العسكري، كما مرَّت الإشارة إلى ذلك، والله أعلم.
الثاني: صحَّ عن ابن سيرين (٢) أن المهدي خيرٌ من أبي بكر وعمر، قد كاد يفضل الأنبياء وصحّ: لا يفضُل عليه أبو بكر وعمر، وهو وإن كان أخف من الأوّل فليس على ظاهره؛ لأنَّ الأمَّة أجمعت على أنهما أفضل منه، بل ومن جميع الصحابة، خلافًا للرافضة خذلهم الله، بَلْ غيرهما من الصحابة أفضل من المهديّ على أنَّه من كلام ابن
_________________
(١) رواه ابن ماجه في "سننه" (٤٠٣٩)، وأبو نعيم في "الحلية" ٩/ ١٦١، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠. وقال: قال النسائي: هذا حديث منكر، وقال البيهقي: تفرد بهذا الحديث محمَّد بن خالد الجندي. وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة": منكر.
(٢) انظر "عقد الدرر" (١٤٨)، "الفتن" لأبي نعيم (١٠٢٧) - (١٠٣٦)، "الفتن للداني" (٥٠٤). ما ذكره المؤلف في تفضيل أبي بكر وعمر - ﵄ - على المهدي هو ما عليه هذه الأمة.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
سيرين، ولم يذكر له مستندًا فلا يُصار إليه بل الحقُّ أنّ أبا بكر وعُمر وبقية العشرة، بل وبقية الصحابة، أفضل من المهديّ، وما ورد بخلاف ذلك فليس على ظاهره.
نعم: لنا صحابي أفضل من أبي بكر وعُمر وهو: عيسى ابن مريم ﵇، كما سنبينه إن شاء الله تعالى، ثم يستمر سيدنا المهدي حتى يُسلم الأمر لروح الله عيسى بن مريم ﵇، ويُصلي المهدي بعيسى صلاة واحدة، وهي الفجر ثم يستمر المهدي على الصلاة وراء سيدنا عيسى ﵇، بعد تسليمه الأمر إليه ويكون معه حتى يقتُلَ سيدُنا عيسى عدوَّ الله الدّجَّال، بباب لُدِّ كما يأتي، ثم يرجع سيدنا عيسى إلى بيت المقدس، فيموت سيدُنا المهدي فيُصلِّي عليه روح الله عيسى ﵇، ويدفنه هناك، كما في البهجة والله ﷾ أعلم.
[ ٢ / ٥٦٥ ]