ذكر المحقق قدس اللهُ روحه: إن الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء عَلِمَ به المزور، وسمعَ كلامه، وأنسَ به وردّ عليه، وهذا عام في حق الشهداء وغيرهم وأنه لا توقيت في ذلك، قال: وهو أصح من أثر الضحاك الدّال على التوقيت، وهو من زار قبرًا يومَ السبت قبل طلوع الشمس، علم الميّت بزيارته، فقيل: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجُمعة قال: وقد شَرع - ﷺ -، لأمّته أن يُسلموا على أهل القبور سلامَ من يخاطبونه، ممن يسمع ويعقل: فأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى المقبرة، فقال: "السلامُ عليكم دار قومٍ مؤمنين، وإنا إن شاء اللهُ بكم
[ ١ / ٣٩٤ ]
لاحقون" (١).
وأخرج ابن ماجة عن بُريدة ﵁، قال: كان رسول الله - ﷺ -، يعُلمهم إذا خرجوا إلى المقابر "السلامُ عليكم أهل الديار، من المسلمين، وإنا إن شاء اللهُ بكم لاحقون، أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، أسأل الله لنا ولكم العافية" (٢).
وأخرجَ مسلمٌ عن عائشة ﵂، قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: "قولي السلامُ على أهل الديار من المسلمين، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون" (٣).
وهذا خطابُ من يَسمعُ ويعقلُ، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسَّلف مُجمعونَ على هذا، وقد تَواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرفُ زيارة الحي له، ويستبشر به انتهى.
وذكر الإمام ناصرُ السنة ابن الجوزي قدس الله روحه في كتابه "عيونُ الحكايات"، بسنده عن محمد بن العباس الوراق قال: خرج رجلٌ مع أبيه حتى إذا كان ببعض الطريق، مات الأب فدفنه بشجر الدوم، ومضى في سفره ثم مرَّ بذلك الموضع ليلًا فلم ينزل إلى قبر أبيه، فإذا هاتف يهتف به ويقول:
أجدك تطوي الدّوم ليلًا ولا ترى عليك لأهل الدَّوم أن تتكلما
وبالدُّوم ثاوٍ لَو ثُويتَ مكانه فَمرّ بأهل الدُّوم عاج فَسلّما
_________________
(١) رواه مسلم (٢٤٩)، وأبو داود (٣٢٣٧)، وابن ماجة (٤٣٠٦)، والنسائي ١/ ٩٣، والإمام أحمد ٢/ ٣٠٥ و٣٧٥.
(٢) لفظ ابن ماجة (١٥٤٧)، وهو في مسلم (٩٧٥) بنحوه.
(٣) رواه مسلم (٩٧٤)، والنسائي ٤/ ٩٤، والإمام أحمد ٦/ ٢٢١.
[ ١ / ٣٩٥ ]