روى أبو داود والترمذي وصححه، من حديث أَبي جُرَيٍّ الهَجْمِيِّ قال: أتيتُ النبي - ﷺ -، فقلت: عليك السلامُ يا رسولَ الله قال: "لا تَقل عليك السلامُ، فإن عليك السلام تحية الميت" (١).
فهذا يشعر بأن السُنة في السلام على الموتى أن يقال عليكم بتقديم الصلة، وقد صح الحديث بذلك على أنه تقدّم في الأحاديث الصحيحة الصريحة، أنه قال لهم - ﷺ -: "السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين" فيحتاج إلى الجمع حتى إنّ بعضَهم قال: هذا أصّح من حديث النهي.
وذهب آخرون إلى أنَّ السُنة ما دلّ عليه حديثُ النهي، وقد أجاب الإمام المحقق عن ذلك في كتابه: بدائع الفوائد (٢)، وأجاد حيث قال: كلٌّ من الفريقين إنما أتاهم ذلك من عدم فهم المقصود من الحديث، فإن قوله - ﷺ -، "عليك السلامُ تحية الموتى"، ليس تشريعًا منه وإخبارًا عن أمر شرعي وإنما هُو إخبارٌ عن الواقع المعتاد،
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٧٢١)، وأبو داود (٤٥٨٤)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٦٦، والحاكم ٤/ ٢٠٦، والطبراني في الكبير ٧/ (٦٣٨٦)، والبيهقي ١٠/ ٢٣٦.
(٢) بدائع الفوائد ٢/ ١٤٨. وانظر "معالم السنن" (٦/ ٤٨) و"تهذيب السنن" لابن القيم، وكتاب "الجنائز" للألباني (٢٥٩).
[ ١ / ٣٩٩ ]
الذي يجري على ألسنة الناس في الجاهلية، فإنهم كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء كما قال الشاعر: عليكَ سلام اللهُ قيسُ بن عاصمٍ. وقول الذي يَرقثى عمر بنَ الخطاب ﵁ عليك سلام من أمير وباركت (١). وهو في أشعارهم كثير والإخبار عن الواقع، لا يدُلُ على الجواز، فضلًا عن الاستحباب فتعين المصير إلى ما ورد عنه - ﷺ -، من تقديم لفظ السلام، حتى يُسلم على الأموات، فإن تخيلَ مُتّخيل في الفَرق أن السلام على الأحياء متوقّعٌ جَوابه، فقدّم على المدعو له، بخلاف الميِّت قلنا: السلام على الميت يتُوقع جوابُهُ أيضًا كما ورد به الحديث: قالَ ومن النكت البديعة: أن الأحسنَ في دُعاءِ الخير أنْ يُقدَّمَ فيه الدعاء على المدعو له، نَحو ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾، ودعاء الشرِّ الأحَسنُ فيه: تقديمُ المدعو عليه على المدعو به، كقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾، ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وأطال من ذكر الأسرار، ودقائق الفوائد والأخبار ﵀ ما أغزر علمه وأسيل فهمه، فسبحان من ألهمه معرفة هذه الدقائق، وأطلعه على أسرار تلك الحقائق، فأودعَ في كتبه من ذلك، ما يبهر العقول لاسيَّما في كتابه الموسوم بدائع الفوائد، فهو مفرد في ذلك، رزقنا الله عِلمًا نافِعًا، وقلبًا خاشعًا ودعاءً مُتقبلا، والله أعلم.
_________________
(١) هو جزء بن ضرار الغطفاني شاعر مخضرم له قصيدة في رثاء عمر بن الخطاب الإصابة (ت ١٢٨١) وفي الاصابة البيت هكذا. جزى الله خيرًا من أمير وباركت يد الله في ذلك الأديم الممزق
[ ١ / ٤٠٠ ]