الأولى (٢): قال القرطبي (٣): جاء في رواية سؤال ملكين، وفي أخرى، سؤال ملك واحد، ولا تَعَارُض، بل ذلك بالنسبة إلى الأشخاص فرُبّ شخص يأتيه اثنان معًا، فيسألانه معًا عند انصراف الناس؛ ليكون أهون والفتنة في حقه، أشد أعظم وذلك بحسب ما آقترف من الآثام، وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه، تخفيفًا عليه لحصول أنسه بهم، وآخر يأتيه ملك واحد، فيكون أخف عليه، وأقل
_________________
(١) فيه إضافة في الأصل بقلم غير مؤلفة وتم عدم إضافتها.
(٢) شرح الصدور ص ١٩٧ - ١٩٨ بتصرف يسير.
(٣) "التذكرة" ١/ ١٥١.
[ ١ / ١٩٢ ]
في المراجعة، لما قدّمه من العمل الصالح. قال: ويُحتمل أن يأتي اثنان، ويكون السائل أحدهما، وإن اشتركا في الإتيان. فتُحملُ رواية الواحد على هذا.
قال السيوطي في "أهوال القبور": قلتُ: وهذا الثاني هو الصَواب، فإن ذِكر الملكين هو الموجود في غالب الأحاديث الثابتة.
الثانية: قال القرطبي (١): اختلفت الأحاديث في كيفيّة السؤال والجواب، وذلك بحسب الأشخاص أيضًا، فمنهم من يُسأل عن بعض اعتقاداته ومنهم من يُسأل عن كُلها، ويُحتمل أن يكون الاقتصار على البعض من بعض الرّواة، وأتى به غيره تامّا.
قال السيوطي (٢): قلت: والثاني هو الصّواب، لاتّفاق أكثر الأحاديث عليه. نعم يُؤْخَذُ منها خصوصًا من رواية أبي داود، عن أنسٍ فما يُسألُ عن شيء بعدها، ولفظ ابن مردويه فما يُسأل عن شيء غيرها إنه لا يسأل عن شيء من التكليفات غير الاعتقاد خاصة، وصُرِّحَ به في رواية البيهقي، من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧] قال: الشهادة يُسألون عنها في قبورهم بعد موتهم، قيل لعكرمة: ما هو؟ قال: يُسألون عن الإيمان بمحمدٍ وأمر التوحيد.
_________________
(١) الموضع السابق.
(٢) شرح الصدور ص ١٩٨.
[ ١ / ١٩٣ ]
الثالثة: قال السيوطي: ورد في رواية أنسٍ، أنّه يُسألُ في المجلس الواحد ثلاثَ مرات، وباقي الروايات ساكتة عن ذلك، فتُحمل على ذلك أو يختلف الحال بالنسبة إلى الأشخاص وعن طاووس أن الموتى يُسألون سبعةَ أيام (١).
قلت: وقد قدّمنا عن مجاهد (٢) أن الموتى يفتنون في قبورهم سبعًا، وكانوا يَستحبّون أنْ يُطعَم عنهم تلك الأيام.
قلتُ: وقد أشار إلى هذا الحافظ جلال الدين السيوطي في منظومته الموسومة "بالتثبيت عند التبييت" حين قال:
يُكرّر السؤالُ للأنام فيما رووْا في سبعة أيّام
كذا رواه أحمد بنُ حنبل في الزهد عن طاووس الحر العلي
وبعده أبو نعيم خرَّجه في حلية فيا لها من درجة
إسنادُه قد صَحّ وهو مُرسل وقد يُرى من جهة يتّصل
وحكمه الرّفع كما قد قالوا إذ ليسَ للرّأيْ به مَجال
فليس للقياس في ذي الباب من مدخلٍ عند أولي الألباب
وإنما التّسليمُ فيه اللائق والانقيادُ حيث أنبا الصّادقُ
وفيه أنْ قد كانت الصّحابا يرَوْن إطعامًا له استحبابًا
في طول تلك السّبعة الأيّام معونَة في ذلك المقام
ومثل هذا جاء عن مجاهد فيا له من عاضدٍ وشاهد
وعنه أيضًا تمكثُ الأرواح في قبورها سبعًا بِلَا مُتَصَرّف
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) ص ١٦٣ ت (٢) في هذا الكتاب المبارك.
[ ١ / ١٩٤ ]
روى الجميعَ في القبور ابن رجب وهو إمامٌ حافظ ومنتخَب
وعن عُبيْد بن عُمير (١) ورَدا وذاك فيما ابن جريج أسندا
بأنه يُفتن سبعَا مؤمنٌ وأربعين ذا النفاق يُفتن
فأفادنا أن المؤمن يُفتن سبعة أيام، وأنّ المنافق يُفتن أربعين يومًا فنسألُ الله أن يثبتنا عند السؤال بسرّ لا إله إلا اللهُ الواحد المتعال (٢).
الرابعة: قال القاضي الباقلّاني: إنّ من لم يُدفن ممّن بقي على وجه الأرض، يقع لهم السؤال والعذاب، ويحَجب الله أبصار المُكلَّفين عن رؤية ذلك، كما حجبها عن رؤية الملائكة والشياطين، قال بعضهم: وتُرد الحياة إلى المصلوب، ونحن لا نشعر به كما أنا نحسبُ المغمى عليه ميتًا، وكذلك يضيقُ عليه الجوّ كضمّة القبر، ولا يستنكر (٣) شيئًا من ذلك مَن خالط الإيمان قلبه، وكذلك من تفرّقت أجزاؤه، يخلق الله في بعضها أو كلّها يوجّه السؤال عليه، قاله بعضهم (٤).
قلت: وفي "الروح" للإمام المحقّق وممّا ينبغي أن يُعلم أنّ عذاب القبر هُو عذابُ البرزخ، فكلّ من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيب منه، قُبر أم لم يُقبر فلو أكلته السّباعُ أو أحرق حتى صار رمادًا أو نُسف في الهواء أو صُلب أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه
_________________
(١) في (ب): (عبيد بن عمرو).
(٢) قصده التوسل بالتوحيد والتوسل به مشروع ا. هـ من إفادة شيخنا الشيخ صالح الفوزان.
(٣) في (ب): (يستكثر).
(٤) نسبه في "شرح الصدور" ص ١٩٩ لإمام الحرمين.
[ ١ / ١٩٥ ]
من العذاب ما يصل من القبر. انتهى.
قال بعضهم: وليس هذا بأبعد من الذّرّ، الذي أخرجه الله تعالى من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قلت: لا شيء من هذا ببعيد إذ هو الفعّال لما يُريد والخلقُ خلقه، والملك ملكه، وأين الفِرار من ذى الاقتدار، واللهُ الفاعلُ المختار.
الخامسة: قال ابن عبد البرّ: لا يكون السّؤال إلّا لمؤمن أو منافق كان منسوبًا إلى دين الإسلام، بظاهر الشهادة بخلاف الكافر، فلا يُسأل (١).
وخالفه الإمام المحقّق في "الرّوح" (٢)؛ فقال: القرآن والسّنّة تدلّ على خلاف هذا القول، وأن السؤال للكافر والمسلم. قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧] وقد ثبت في الصحيح، أنّها نزلت في عذاب القبر، حين يُسأل من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إنَّ العبدَ إذا وُضع في قبره" وذكر الحديث الذى ذكرناه سابقًا.
"وأما المنافق والكافر، فيُقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَريت ولا تَليت، ويُضربُ بمطرقة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها من يليه،
_________________
(١) "التمهيد" ٢٢/ ٢٥٢.
(٢) الروح ص ١٤٣ - ١٤٤.
[ ١ / ١٩٦ ]
إلا الثقلين" (١). هكذا في البخاري، واسم الفاجر في عرف القرآن والسنة يتناول الكافر قطعًا، لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ [المطففين: الآية ٧] هذا كلامه ونحوه في "العاقبة" (٢)، للحافظ عبد الحق الإشبيلي.
وصوّب هذا القول القرطبي في "التذكرة"، وأنكر ذلك الجلال السيوطي، وقال: ما قالاه -يعني: المحقق والقرطبي- ممنوع، فإنه لم يُجمع بينهما -يعني: الكافر والمنافق- في شيء من الأحاديث، وإنما ورد في بعضها ذكر المنافق، وفي بعضها بدله الكافر، وهو محمولٌ على أنّ المُراد به المنافق، بدليل قوله في حديث أسماء: "أمّا المنافق أو المرتاب"، ولم يذكر الكافر كذا (٣) (٤).
قال: ولا يخفى أن حديث أنس مُصِّرحٌ بالجمع بين الكافر والمنافق، كما قدمناه، وقد أشار الجلال السيوطي لهذا الخلاف في "أرجوزته" بقوله:
قال ابن عبد البّر فيما نقلُوا الكافر الصّريح ليس يُسأل
وإنما السؤال للمنافق منهم كما دلّ حديث الصّادق
والقرطبيُ خالَفَ وابنُ القيّم والأوّلُ الأرجحُ عندي فافهْم
_________________
(١) حديث أنس تقدم، وهو في البخاري (١٣٣٨) و(١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٦٨).
(٢) "العاقبة" ص ٢٣٨.
(٣) التذكرة (١/ ٢٣٠).
(٤) في هامش المخطوطة: في نسخة: كذا في الصحيحين بالواو: "وأما المنافق والكافر"، فجمع بين المنافق والكافر، وأما قوله: واسم الفاجر فهذا في حديث آخر، وأما المنافق والفاجر فاحفظ ولا تخلط. والله الموفق، من خط المؤلف.
[ ١ / ١٩٧ ]
قلت: وأنا أقول: الثاني أرجح، تبعًا للأعلام، والله وليّ الإنعام.
السادسة: اختلف العلماء: هل السّؤال خاصٌّ بهذه الأمّة المعظمة؟ أم هو عام؟
على ثلاثة أقوال: خاصٌ وعليه الحكيم الترمذي، عام وعليه المحقق والإشبيلي في "العاقبة"، والقرطبي في "التذكرة"، الوقف وعليه ابن عبد البرّ، وأشار السيوطي لهذا الخلاف في الأرجوزة (١)، مُرجحًا للخصوص في قوله:
خُص نبيّ الله فيما قد ذُكِر بأنه يُسأل عنه من قُبر
ولم يكن ذا لنبيّ قبلَهُ أبان ربُّ العرش فيه فضلَه
ولم يكن لأُمّة من الأمُم من قبلنا قطُ سؤالٌ ملتزَم
نَصَّ على ذاك كبير القدر الترمذي وابن عبد البَرّ
وآخرون عمّموه في الأُمم وبعض أهل العلم نحو الوقف أمّ
قال إمام المحققين في "كتاب الروح"، بعد أن ذكر الأقوال (٢): والظاهرُ والله أعلم أن كل نبيّ مع أمته كذلك، أي: كنبيّنا مع أمّته، وأنهم مُعذبون في قبورهم بعد السؤال لهم، وإقامة الحجة عليهم، كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة.
واستدلّ الحكيم الترمذي على عدم السؤال: أن الأمم قبل هذه
_________________
(١) جمع الشتيت في شرح أبيات التثبيت (٨١) والبيت الثالث غير موجود.
(٢) الروح ص ١٤٧ - ١٤٩.
[ ١ / ١٩٨ ]
الأمّة، كانت الرسل تأتيهم بالرسالة، فإذا أبَوا كُفّت الرسل، واعتزلوهم وعُوجلوا بالعذاب، فلما بعث الله محمّدًا بالرحمة، أمسك عنهم العذاب، وأُعطي السيف، حتى يُدخلَ في دين الإسلام من دخل؛ لمهابة السّيف ثم يَرسخ الإيمان في قلبه، فمن هنا ظهر النفاق، فكانوا يُسرّون الكفر ويعلنون الإيمان، وكانوا بين المؤمنين في ستر، فلمّا ماتوا قيّض الله لهم فَتّانَي القبر ليستخرج أمرهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب (١)،
قلت: وما ذكره مردود من وجهين:
الأول: أنّ دعوى أن الرسل لم يكونوا يقاتلون، وأنهم إنما كانوا يأتون قومهم بالرسالة، فإذا أبَوا كَفّوا عنهم غير مُسلّمٍ إذ من المعلوم: أنّ الرسل كانت تقاتل على إعلاء كلمة الله، وقد أخبر الله بذلك في كتابه، في قصّة طالوت وأخبر النبيّ أنه أُحِلّت له الغنائم، ولم تحل للأنبياء قبله، وإنما كانت تأكلها النار، فهل الغنائم إلّا من قتال الكفار؟!
وأخبر الله في سورة المائدة: أنّ سيدنا موسى غزا العمالقة، وفي الخبر: أنه غزاهم، وكان فيهم بلعام بن باعوراء الذي أنزل الله فيه سبحانه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)﴾ [الأعراف: الآية ١٧٥]، وقصّته مشهورة، وهذه أخبار الإسكندر طافحة، وقتاله الملوك والقبائل، فعلى القول بنبوّته، ففيه دليل لما ادّعيناه، وفي التواريخ أن أوّل من
_________________
(١) "نوادر الأصول" ٣٢٣ - ٣٢٤.
[ ١ / ١٩٩ ]
قاتل لإعلاء كلمة الله: سيّدُنا شيث ﵇ قاتل أخاه قابيل وذرّيته لكفرهم.
والحاصل: أنّ القول بأنّ الرسل لم تكن تقاتل لإعلاء كلمة الله مردود، وهذا من فضل ربّ العالمين، على هذا العبد المسكين، في الاستدلال لهذه المسألة، ولم أر من استدلّ بذلك لها، فالحمدُ لله الذي هدانا لهذا، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
الوجه الثاني: قد مرّ في حديث عائشة الصحيح، في قصّة اليهودية ما يردّ دعوى الترمذي، وأيضًا في حديث أنس الصحيح، قال: مرّ النّبيّ - ﷺ - بحائط لبني النجار، فسمع صوتًا من قبر فقال: "متى مات صاحب هذا القبر"؟ قالوا: مات في الجاهلية، قال: "لولا أن لا تدافنوا؛ لدعوتُ الله أن يُسمعكم عذاب القبر" (١). والذي يظهر: أنّ عذاب القبر إنما يكون بعد السّؤال والله الموفق.
السّابعة: قال الحكيم (٢): إنما سمّيا فَتَّانَي القبر؛ لأنّ في سؤالهما انتهارًا، وفي خلقهما صعوبة، وسُمّيا منكرًا ونكيرًا؛ لأنّ خَلقهما لا يُشبه خلق الأدميين، ولا خلق الملائكة، ولا خلق البهائم، ولا خلق الهوام، بل هما خلق بديع، وليس في خلقهما أنس للناظرين إليهما،
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٦٨)، وأحمد ٣/ ١٠٣ و١١٢ و١٧٥ و١٧٦ و٢٠١ و٢٧٣ و٢٨٤، والنسائي ٤/ ١٠٢، وأبو يعلى (٣٦٩٣)، وابن حبان (٣١٢٦) و(٣١٣١).
(٢) "نوادر الأصول" ٣٢٣.
[ ١ / ٢٠٠ ]
جعلهما الله تكرمة للمؤمن، ليُثبته وينصره وهتكًا لستر المنافق في البرزخ، من قبل أن يُبعث. قال السيوطي (١): وهذا يدل على أن الاسم منكَر بفتح الكاف، وهو المجزوم به في القاموس. قال: وذكر ابن يونس من أصحابنا الشّافعيّة: أن اسم ملكي المؤمن مُبشّر وبَشير قلت. وهذا يحتاجُ إلى دليل مأثور، وإلا فالأحاديث ليس فيها سوى منكر ونكير، وقد أشار السيوطي (٢) لهذا في قوله:
وضَبطُ مُنكر بفتح الكاف فلست أدري فيه من خلاف
وذكر ابن يونس من صحبنا أنّ اللذين يأتيان المؤمنا
اسمهما البشير والمُبشر ولم أقف في ذا علي ما يؤثر
وحيثُ لم يوجد له دليل فلاله إلّا الرّدّ يا نبيل
الثامنة: قال القرطبي (٣): إن قيل: كيف يخاطبُ الملكان جميع الموتى، في الأماكن المتباعدة في الوقت الواحد؟
فالجواب: إن عظم خَلْقهما يقتضي ذلك فيُخاطبان الخلق الكثير، في الجهة الواحدة، في المرّة الواحدة، مخاطبة واحدة، بحيث يُخَيّل لكلّ واحد من المُخَاطبَين أنه المخاطب دون من سواه، ويمنعُه الله من سماع جواب بقية الموتى.
وقال السيوطي (٤): ويُحتمل تعدد الملائكة، لذلك كما في الحفظة ونحوهم. وذهب إليه الحليمي من الشافعية، وألمّ به الجلال
_________________
(١) شرح الصدور (١٤٤) وكذا في النهاية لابن الأثير (٥/ ١١٥).
(٢) جمع الشتيت ص ١٣٤ والبيت الرابع غير موجود فيما لدي.
(٣) "التذكرة" ١/ ١٦٨.
(٤) "شرح الصدور" ص ٢٠٠.
[ ١ / ٢٠١ ]
السيوطي في "الأرجوزة" حيث قال:
ويسألانِ كُلّ أهل الأرض كحال عزرائيلَ عند القبض
هذا الذي نصّ عليه القرطبي وهو الذي أختاره وأجتبي
واختار في منهاجه الحَليمي تِعداد هذا الملك الكريم
وقال بل ملائكِ السّؤال جماعة ككاتبي الأعمال
فبعضهم بمُنكَرٍ يُسمّي وبعضُهم له النكير وسما
فيرُسلُ الله لكل ميتٍ اثنين منهم بُعثا للفتنة
التاسعة: اختلفت الأحاديث في قدر سعة القبر للمؤمن، ولا تعارض فإن ذلك يتفاوت بحسب الأشخاص، لتفاضل الأعمال.
العاشرة: في أسئلة تتعلقُ بهذا الباب، سُئلها الحافظ العسقلاني ﵀: سُئل عن الميّت إذا سُئل: هل يُسئل قاعدًا أو يُسأل وهو راقد؟
فأجاب: يُقعد ويُسأل.
وسئل عن الروح، هل تُلبس حينئذٍ الجثة كما كانت؟
فأجاب: نعم لكن ظاهر الخبر: أنها تحل في نصفه الأعلى.
وسُئل: هل يُكشف له حتى يرى النبي - ﷺ -؟
فأجاب: إنه لم يَرد في حديث، وإنما ادّعاه من لا يُحتج به بغير مستند، سوى قوله في هذا الرجل، ولا حجة فيه؛ لأن الإشارة إلى الحاضر في الذهن. وقد ألمّ بهذا السيوطي في "الأرجوزة" (١) فقال:
_________________
(١) "شرح الصدور" ص ٢٠١.
[ ١ / ٢٠٢ ]
ومن يَقُل يُمثَّل النبيّ قال عياضٌ ما هُو المرضي
وهكذا أجاب فيه ابن حجر وقال لا أصل لهذا في الأثر
وسئل -أعني- الحافظ ابن حجر عن الأطفال: هل يُسألون؟ فأجاب: بأن الذي يَظهر اختصاص السؤال بمن يكون مكلفًا.
قلت: وذكر المحقّق في "الرّوح" قولين (١)، وذكر أدلتهما، ولم يُرجّح منهما شيئًا، غير أنه قدّم قولَ مَن قال: إنهم يُسألون، وهو مُقتضي ما ذهب إليه أصحابُنا أعزّهم الله قال في الإقناع: وهل يُلقّنُ غيرُ المكلّف؟ مبني على نزول الملكين إليه، والمرجّح النزول وصحّحهُ الشيخ يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه، قال ابن عبدوس من أصحابنا: يُسألُ الأطفالُ عن الإقرار الأوّل، حين الذّرّية والكبارُ يُسألون عن معتقدهم في الدّنيا، وإقرارهم الأوّل.
وقد حكى السيوطي الخلاف في ذلك بقوله في "الأرجوزة" (٢):
الخامس الأطفال دون الحنث في أرجح قوليهم وجزم النسفي
وذاك مُقتضى كلام النووي وابن الصّلاح لا يُلقَّن الصّبي
فالزركشيُ أضحى له معللا بأنّهُ في قبره لا يُسألا
وقيل إنّ كُلّ طفل يُسأل ويُحصَل العقل لهم ويُكمَلُ
واللهُ يلهم الجواب عمّا قد عوهد الذُرّ عليه قدما
قد قاله الضحّاك ذو الإحراز وهو الذي أفتى به البرازي
والقرطبي والفاكهاني جزما به وجمعٌ من كبار العلماء
_________________
(١) "الروح" لابن القيم ص ١٤٩، ١٥٠.
(٢) جمع الشتيت (٩٦).
[ ١ / ٢٠٣ ]
وصرّح ابن يونس من صَحِبْنا بأنّه يندب أن يُلقّنا
قال وفي تتمة قديما قد لقن النبي إبراهيما
[كذلك في تعليقه القاضي حكى وفي النظامي وهو لابن فوركا
واستغرب السبكي هذا الأثرا فما له في كتبه أصل يرى
وصوب السيوطي في "شرح الصدور" عدم السؤال. والله أعلم.
[الحادية عشرة: في "روض الرياحين" لليافعي، عن شقيق البلخي، أنه قال: طلبنا خمسًا فوجدناها في خمس: طلبنا ترك الذنوب فوجدناها في صلاة الضحى، وطلبنا ضياء القبور فوجدناه في صلاة الليل، وطلبنا ظل العرش فوجدناه في الخلوة، وطلبنا منكر ونكير فوجدناه في قراءة القرآن، وطلبنا عبور الصراط فوجدناه في الصوم والصدقة (١).
الثانية عشرة: أخرج الأصبهاني في "الترغيب"، من طريق ابن هدبة، عن أنس مرفوعًا: "من فارق الدنيا وهو سكران دخل القبر سكران" (٢).
وأخرجه أبو الفضل الطوسي في "عيون الأخبار" من طريق ابن هدبة عن أنس وفيه: "فإنه يعاين ملك الموت سكرانًا، ويعاين منكرًا ونكيرًا سكرانًا" (٣).
_________________
(١) "روض الرياحين" ص ٣٢٨. وقد حذر علماء الدعوة من قراءته أو النظر فيه، سيأتي في ص ٢٨٢.
(٢) حديث موضوع. رواه ابن عدي في "الكامل" ١/ ٣٤٣ (ترجمة إبراهيم بن هدبة)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (١٤٣٤). قال ابن عدي: هذا حديث باطل وأبو هدبة متروك الحديث، كذّبه يحيى وعلي، وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب والحديث في "اللآلي" ٢/ ٢٠٥، و"تنزيه الشريعة" ٢/ ٢٢٢.
(٣) "شرح الصدور" ص ٢٠٢.
[ ١ / ٢٠٤ ]
الثالثة عشرة: ذكر السيوطي أنه وقع في فتاوى شيخه علم الدين البلقيني أنَّ الميت يجيب السؤال بالسريانية. قال: ولم أقف لذلك على مستند. هذا كلامه في "شرح الصدور" (١).
وقال في أرجوزته ﵀:
ومن غريب ما ترى العينان (٢)] أن سؤال القبر بالسرياني
أفتى بهذا شيخنا البلقيني ولم أره لغيرِه بعيني
قال بعضُهم: وعلى تقدير صحّة ذلك، فكيفيّة السؤال هذا "أنزه": أي قُم يا عبد الله، "أنزح" أي: فيم كنت تقول (٣) "كاره" أي: من ربّك، وما دينك؟ وما الذي مت عليه "سالحين"، أي: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ وفي الخلائق أجمعين والله أعلم. الرابعة عشر: زعم بعض العلماء أن الملائكة الذين ينزلون على الميت في قبره أربعة، وأنّ اسم أحدهما ناكور، والآخر دومان، وقد أشار السيوطي إلى ذلك في "أرجوزته" (٤) بقوله ﵀:
وقد أتى في مرسل مضعّف أنّ السؤال من ثلاثة [لفي]
_________________
(١) "شرح الصدور" ص ٢٠٢.
(٢) ما بين معقوفتين مطموس في (أ) واستدركناه من (ب) و(ط). انظر للأبيات جمع الشتيت (١٣٤).
(٣) كلمة "تقول" ليست في (ب)، ولا (ط).
(٤) جمع الشتيت (١٣٥) وما بين القوسين في الجمع يفي. والخبر عن كونهم أربعة أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٢٣٤) عن ضمرة بن حبيب مرفوعًا وقال: (هذا حديث موضوع. إلخ انظر أيضًا "لوامع الأنوار" (٢/ ٨)، وأيضًا ما بين القوسين صحح من الموضوعات.
[ ١ / ٢٠٥ ]
أو أربع أولئك الاثنان وألحقوا ناكور مع [دوماني]
فقد أخبر رحمه الله تعالى أنّ الخبر فيه علّتان، أحدهما: الإرسال، والثانية: أنه ضعيف والله ﷾ أعلم.
تنبيه: [قال أبو القاسم السعدي في كتاب "الرّوح" (١): ورد في الأخبار الصحاح أن بعض الموتى لا (تنالهم) فتنة القبرِ، ولا يأتيهم الفتانان وذلك على ثلاثةِ أوجه: مضاف إلى عمل، ومضاف إلى حال بلاءٍ نزل بالموتِ، ومضاف إلى زمانٍ.
أخرج النسائي عن راشد بن سعد، عن رجلٍ من أصحابِ رسول اللهِ - ﷺ - أنَّ رجُلًا قال: يا رسولَ اللهِ، ما بالُ المؤمنينَ يُفتنون في قبورِهم إلا الشهداء؟ قال: "كفى ببارقةِ السُّيوفِ على رَأسِهِ فتنةِ" (٢).
وأخرج الطبراني في "الأوسط" عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "مَنْ لَقي العدوَّ فَصَبَرَ حَتى يُقتلَ أو يغلِبَ لم يُفتن في قبرِهِ" (٣).
وأخرج مسلم عن سلمان الفارسي ﵁ قال: سِمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "رباطُ يومٍ وليلةٍ خيرٌ مِنْ صيامِ شهرٍ وقيامه وإنْ مات جَرى عليه عمله الذي كان يعمله وأُجريَ عليه رزقهُ وأَمِنَ مِنَ الفتَّان" (٤).
وأخرجَ الترمذي وصححه عن فضالةَ بن عبد الله، عن
_________________
(١) "شرح الصدور" ص ٢٠٤.
(٢) أخرجه النسائي ٤/ ٩٩، وفي الكبرى ١/ ٦٦٠، وابن أبي عاصم في "الجهاد" (٢٣٠).
(٣) رواه الطبراني في "الأوسط" (٤١١٨) و(٨٢٤٣)، والحاكم ٢/ ١١٩ وفيه ضعف.
(٤) رواه مسلم (١٩١٣)، والنسائي ٦/ ٣٩، وابن حبان (٤٦٢٦) سيأتي في ص ٢٨٠.
[ ١ / ٢٠٦ ]
رسول الله - ﷺ - قال: "كل ميتٍ يختمُ على عملِهِ إلا الذي مات مرابِطًا في سبيل اللهِ فإنه ينمو] (١) عليه (٢) إلى يوم القيامةِ ويأمن فتنة القبر"، وأبو داود بلفظ: "ويؤمن من فَتَّانَي القبر" (٣).
وأخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ -: "من مات مرابطًا في سبيل الله أجرى اللهُ عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمله (٤)، وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان، ويبعثه الله آمنا من الفزع" (٥).
وأخرج نحوه الإمام أحمد والطبراني عن عقبة بن عامر، وزاد: "يبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع الأكبر" (٦).
قال القرطبي (٧) في هذا الحديث: والذي قبله: وهو الموت حالة الرباط والرّباط ملازمة ثغور المسلمين مدةً على نية الجهاد، فارسًا كانَ أوْ راجِلا.
_________________
(١) هذه الكلمات ليست في (ب).
(٢) ما بين المعقوفتين مطموس في (أ) واستدركناه من (ب)، و(ط).
(٣) رواه الترمذي (١٦٢١) في: فضائل الجهاد. ورواه أيضًا أحمد ٦/ ٢٠ و٢٢، وأبو داوود (٢٥٠٠).
(٤) في (ب)، و(ط): "يعمل".
(٥) ابن ماجه (٢٧٦٧). ورواه بنحوه أحمد ٢/ ٤٠٤، والبزار (١٦٥٥) "كشف"، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٩٧) وفيه ضعف لكن يقويه الشاهد الذي بعده.
(٦) رواه أحمد ٤/ ١٥٠ و١٥٧، والدارمي (٢٤٣٠)، والطبراني في "الكبير" ١٧/ (٨٤٨) وإسناده حسن.
(٧) "التذكرة" ١/ ١٨٨.
[ ١ / ٢٠٧ ]
قلت: وأقلّ الرّباط ساعة، وتمامه أربعون يومًا قال القرطبي: وأمّا سكان الثغور دائمًا بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هناك، فليسوا بمرابطين. كذا قال: ولعلّه حيث ما لم ينووا المرابطة، وإلا فَلا يَظهر كلامه فليُتأمل.
وأخرج ابن ماجه والبيهقيّ، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من مات مريضًا مات شهيدًا ووُقي فتنة القبر، وغدي وريح عليه برزقه من الجنة" (١).
قال القرطبيّ (٢): هذا عامٌ بجميع الأمراض لكن يقيد بالحديث الآخر: "من قتله بطنه لم يعذّبْ في قبره". أخرجه النسّائي وغيره (٣). والمراد به: الاستسقاء، وقيل: الإسهال، والحكمة في ذلك أنه يموت حاضر العقل، عارفًا بالله، فلم يحتج [إلى إعادةِ السؤالِ عليه بخلافِ مَنْ يموتُ بسائرِ الأمراض، فإنّهم تغيب عقولهم.
قال السيوطي (٤): ولا حاجة لشيء من هذا التقييد فإن الحديث غلط فيه الراوي باتفاق الحُفاظ وإنما هو: "من ماتَ مرابِطًا" لا "مَنْ مات مريضًا" وقد أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (٥) لأجل
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١٦١٥)، والطبراني في "الأوسط" مختصرًا (٥٢٥٨)، وأبو نعيم في "الحلية" ٨/ ٢٠٠ - ٢٠١، والبيهقي في "الشعب" (٩٨٩٧). وابن الجوزي في "الموضوعات" (١٧٣٥) - (١٨٣٧). وإسناده ضعيف.
(٢) التذكرة ١/ ١٧٢.
(٣) النسائي ٤/ ٩٨ من حديث خالد بن عرفطة وسليمان بن صرد. ورواه أيضًا أحمد ٤/ ٢٦٢، والطبراني في "الكبير" (٤١٠٢) - (٤١٠٨). إسناده جيد.
(٤) "شرح الصدور" ص ٢٠٧.
(٥) الموضوعات لابن الجوزي ٣/ ٥١١ - ٥١٣ (١٧٣٥ - ١٧٣٨) [ط أضواء السلف].
[ ١ / ٢٠٨ ]
ذلك، والله أعلم.
ورُوِي أنَّ سورة تبارك (الملك) "مَنْ قرأها كل ليلةٍ لم يضره الفتَّان" (١).
أخرج جُويبر في "تفسيره" عن ابن مسعود ﵁: مَنْ قرأ سورةَ الملكِ كل ليلةٍ عُصم مِنْ فتنةِ القبرِ (٢).
وأخرج أيضًا عن البراء مرفوعًا "مَنْ قرأَ الم السجدةَ، وتبارك قبلَ النوم نجا من عذاب القبر ووقي فتاني القبر" (٣) لكنه ضعيف] (٤).
وأخرج الإمام أحمد والترمذي وحسنه، وابن أبي الدّنيا والبيهقي عن ابن عَمرو (٥) ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلّا وقاه الله فتنة القبر" (٦).
قال القرطبي (٧): هذه أحاديث لا تعارض أحاديث السّؤال
_________________
(١) ذكر معناه البيهقي في "عذاب القبر" (١٤٩).
(٢) رواه النسائي أيضًا في "عمل اليوم والليلة" (٧١٦) موقوفًا.
(٣) عزاه في "كنز العمال" ١/ ٥٨٩ لأبي الشيخ والديلمي وفيه سوار بن مصعب متروك.
(٤) ما بين معقوفتين فيه طمس في (أ) وواضح منه بعض الكلمات وقد أتممناه من (ب)، و(ط).
(٥) كذا في (أ)، و(ط) والمثبت في (ب) "عمر".
(٦) رواه أحمد ٢/ ١٦٩، والترمذي (١٠٧٤)، والطحاوي في "مشكل الآثار" كما في "تحفة الأخيار" (١٢٧٥) و(١٢٧٧) و(١٢٧٨)، والبيهقي في "عذاب القبر" (١٥٤) - (١٥٧) وإسناده ضعيف. وله شاهد من حديث أنس عند أبي يعلى (٤١١٣) وهو ضعيف أيضًا.
(٧) "التذكرة" ص ١٧١.
[ ١ / ٢٠٩ ]
السّابقة بل تخصها، وتبيّن من لا يُسأل في قبره ولا يفتن فيه، ممّن يجري عليه السّؤال ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد؛ لقول الصادق المصدوق.
قال: وقوله في الشهيد: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة" (١)، معناه: أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق كان إذا التقى الجمعان وبرقت (٢) [اسيوف على رءوسهم فرُّوا؛ لأن من شأن المنافق الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل والتسليم والتفويض للعزيز الحكيم، وقد ظهر صدق ما في ضميره، حيث برز للحرب والقتل، فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر؟ قاله الحكيم الترمذي.
قال القرطبي (٣): وإذا كان الشهيد لا يُسأل، فالصدِّيق أجل قدرًا، وأعظم خطرًا، فهو أحرى أن لا يفتن؛ لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء، وقد جاء في المرابط الذي هو أقل رتبة من الشهيد أنه لا يفتن، فكيف بمن هو أعلى مرتبة منه ومن الشهيد؟ انتهى. قال السيوطي (٤): وقد صرح الحكيم بأن الصِّدِّيقين لا يُسألون، وعبارته: قال تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: الآية ٢٧]، وتأويله عندنا -والله أعلم- أن من مشيئته أن يرفع مرتبة أقوام
_________________
(١) انظر: ت (٢٠٦) ت (٢).
(٢) سقط من (أ) الصفحات ١٢٢ إلى ١٢٦ واستدركناه من (ب وط)، انظر ص ٢١٨.
(٣) "التذكرة" ١٧٢.
(٤) "شرح الصدور" ص ٢٠٨.
[ ١ / ٢١٠ ]
عن السؤال، وهم الصدِّيقون والشهداء. وما نقله عن الحكيم الترمذي (١) في توجيه حديث الشهيد، يقتضي اختصاص ذلك بشهيد المعركة. لكن قضية أحاديث الرباط التعميم في كل شهيد. هذا كلام السيوطي قلت: لا يلزم من كون المرابط لا يسأل أن يكون كل شهيد كذلك نعم جزم الحافظ ابن حجر، في "بذل الماعون في فضل الطاعون" (٢)، بأن الميت بالطعن لا يُسأل؛ لأنه نظير المقتول في المعركة، وبأن الصابر في الطاعون يعلم محتسبًا أنه لا يصيبه إلا ما كُتب له، إذا مات فيه بغير الطعن، لا يفتن أيضًا؛ لأنه نظير المرابط. كذا قال السيوطي (٣): وهو متجه جدًا. قال الحكيم في توجيه حديث المرابط (٤): إنه قد ربط نفسه وسجنها وصيرها حبيسًا لله في سبيله، لمحاربة أعدائه، فإذا مات على هذا فقد ظهر صدق ما في ضميره، فَوُقِيَ فتنة القبر.
قلت: قد ظهر لي من هذا التعليل مع ضم تعليل حديث المريض الذي تقدم أن كل شهيد كذلك؛ لأن المبطون والغريق والشريق والحريق وصاحب الهدم وذات الجنب والسل وصاحب اللقوة والمتردي من رؤوس الجبال واللديغ ومن قتل دون ماله أو أهله أو دينه أو دمه أو مظلمته وفريس السبع ومن خر عن دابته كلهم متجه فيهم تعليل القرطبي للذي مات بالاستسقاء؛ لأن هؤلاء يموتون وكل منهم حاضر العقل عارف بالله. ولكني لا أسلم لهذا التعليل أبدًا؛ لأن موت الفجأة كذلك، ولأن المقصود من سؤال القبر الاختبار عن
_________________
(١) "نوادر الأصول" ص ٤٠٤.
(٢) "شرح الصدور" ص ٢٠٨.
(٣) "شرح الصدور" ٢٠٨.
(٤) "شرح الصدور" ص ٢٠٨ - ٢٠٩.
[ ١ / ٢١١ ]
صحة العقيدة وإخلاص الشهادة ولا شيء من ذَلِكَ يدل على ذَلِكَ كما لا يخفى على من تأمل.
بقي من الشهداء العاشق (١) إذا عف وكتم ومات والتعليل فيه كما في المرابط؛ لأن صبره عن معشوقه مع القدرة عليه وكتمان ما في قلبه من نار العشق والتعفف عن المعصية يظهر صدق ما في ضميره من الإيمان بالله ورسوله. ولولا ذَلِكَ لهجم على محبوبه ومطلوبه. وهذا ما فتح الله به على هذا الفقير ولم أر من تعرض لذلك.
يبقى موت الغريب (٢) فلا أعلم له تعليلًا غير الذل والانكسار، نعم إن كان مغتربًا لنحو طلب العلم يأتي فيه التعليل في حق المرابط وأما أمناء الله في الأرض فيلحقوا بالصديقين.
فيبقى المجنون والنفساء فأما المجنون فهو كالطفل، وأما النفساء فإما لموتها عاقلة عارفة بالله وإما لشدة ما تلقى من النصب ومقاساة صعوبة النفاس وهذا ما ظهر لي والله أعلم.
قال الحكيم الترمذي (٣): ومن مات يوم الجمعة، فقد انكشف الغطاء عما له عند الله؛ لأن يوم الجمعة لا تسجر فيه جهنم وتغلق أبوابها، ولا يعمل سلطان النار ما يعمل في سائر الأيام، فإذا
_________________
(١) بلفظ: "من عشق فكتم وعف مات شهيدًا" أخرجه الخطيب في تاريخه وفي سنده مقال، انظر (٣٣٧) ت (١).
(٢) بلفظ "موت كربة شهادة" أخرجه ابن ماجه بسند واهٍ، قال المنذري "الترغيب والترهيب" (٥/ ٢٧٩) جاء أن موت الغريب شهادة أحاديث، لا يبلغ شيء منها درجة الحسن سيأتي في ص ٣٣٦ ت (٢).
(٣) "نوادر الأصول" ص ٤٠٤.
[ ١ / ٢١٢ ]
قبض الله عبدًا من عبيده فوافق قبضه يوم الجمعة كان ذَلِكَ دليلًا لسعادته وحسن مآبه؟ لأنه لم يقبض في هذا اليوم العظيم إلا من كتب له السعادة عنده، فلذلك يقيه فتنة القبر؛ لأن سببها إنما هو تمييز المنافق من المؤمن. انتهى.
قلت: والمراد إن كان من أهل الإيمان والتقوى وإلا فكم من منافق يموت يوم الجمعة، وكم من فاسق وكافر ولا ينفعه ذلك، والأولى السكوت عن التعليل بل كان من أخبار النبي - ﷺ - عنه أنه لا يسأل فليتلق بالقبول والتبجيل من غير ما تأويل ولا تعليل.
قال السيوطي (١): من مات يوم الجمعة فله أجر شهيد، فكان على قاعدة الشهداء في عدم السؤال.
كما أخرج أبو نعيم في "الحلية"، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من مات يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، أُجير من عذاب القبر، وجاء يومَ القيامةِ وعليه طابع الشهداء" (٢).
وأخرج حميد في "ترغيبه" عن عطاء، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما من مسلم أو مسلمة يموت ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة، إلا وُقي عذاب القبر وفتنة القبر، ولقي الله ولا حساب عليه، وجاء يوم القيامة ومعه شهود يشهدون له، أو طابع (٣) " قال السيوطي (٤): وهذا الحديث
_________________
(١) "شرح الصدور" ص ٢٥٩.
(٢) "الحلية" ٣/ ١٥٥ وقال: غريب من حديث جابر ومحمد، تفرَّد به عمر بن موسى، وهو مدني فيه لين. قلت: عمر بن موسى قال فيه أبو حاتم: ذاهب الحديث كان يضع الحديث.
(٣) "تمييز الطيب من الخبيث" (١٤٦٢).
(٤) "شرح الصدور" ص ٢٠٩.
[ ١ / ٢١٣ ]
لطيف، صَّرح فيه بنفي الفتنة والعذاب معًا.
قلت: وهذا من خصائص الجمعة وقد أنهيت الكلام على ذلك، في رسالة لي سميتها (اللمعة في فضل الجمعة) (١).
وممن لا يفتن في قبره من قرأ في مرض موته ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: الآية ١] لما أخرج أبو نعيم في الحلية أن النبي - ﷺ - قال: "من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي مات فيه لم يفتن في قبره، وأمن ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه الصراط إلى الجنة" (٢)، ومن جملة الذين لا يسألون الذي تمنى الشهادة بقلب صادق لكنه ملحق بالشهداء، واستثنى جمع فوق ما ذكرنا الملائكة والأنبياء ونبه السيوطي على ذَلِكَ بقوله:
ومن هنا يقطع بانتفائه عن رسل الله وأنبيائه
فكم إمام قاله وكم أمم والنسفي في بحره به جزم
والشيخ سعد الدين منهم نقلًا خلفًا وهذا الخلف مما أشكلا
والنيكسارى قال إنّ المسألة عن النبي جل من قد أرسله
ويسأل عنه غيره في رمسه فكيف يسأل النبي عن نفسه
والفاكهاني قال في الملائك الظاهر انتفاؤه في أولئك
قلت: أما الجن فالأدلة تعمهم فيسألون جملة
وقد اجتمع مما ذكرنا جماعة لا يسألون سيما أن عممنا ذَلِكَ في كل شهيد فإن الشهداء يزيدون على ثلاثين كما ذكره السيوطي، والله أعلم.
_________________
(١) "اللمعة في فضل الجمعة" ص ١١٧.
(٢) "حلية الأولياء" ٢/ ٢١٣ بإسناد ضعيف جدًا.
[ ١ / ٢١٤ ]