بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله الذي قهرَ بالموتِ العباد، وأذل به رقاب أهل التجبر والعناد، وجعله تذكرة لأهل المعرفة والسداد، وسوى به بين الشريف والخسيس، والقريب والنائي (١)، وشرح صدور عباده المتقين، وألهمهم المعرفة والرشاد، وأحيا بذكره قلوب المخلصين، وعمرها بحبه وشاد، وجعل زبدة أعمالهم السكون لعظمته والانقياد، وأقام لهم من يدعوهم إلى منازل الأفراح فذلك حادي الأرواح والأجساد، وأبهج وجوههم بنور معرفته فأصبحوا كالبدور السافرة، فمن اقتدى بهم ساد، وجعل لهم السعادة في الدنيا والعاقبة في الأُخرى، يوم النفخ والتناد، وجعل قلوبهم قبور أسراره، وصدورَهم محشر نوره الوقَّاد.
فسبحانه مِن إله تفرَّد بالعظمة والبقاء والإيجاد، وقضى على عباده بالسعادة والشقاء، فكم من متكبر أباد، وجعل الدور ثلاثة طيبة لأهل الطاعة والازدياد، وخبيثة لأهل الكفر والإلحاد، / أ/ ومَشوبة بهما امتحانًا لتظهر الحكمة من الكريم الجواد.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أقواله، ولا في أفعاله، فهو المنزه عن الصاحبة والأولاد، شهادة عبد مذنب قد قالها من صميم الفؤاد، وادَّخرها عند مَن لا تضيع لديه الودائع يومَ تذوبُ الأكباد.
_________________
(١) في (أ): والناء.
[ ١ / ٣ ]
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وحبيبه وخليله النبي الهاد، الذي أرسله رحمة للعالمين فأظهر الحق وأباد الفسَاد صلئ الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأحزابه الأئمة الأمجاد، صلاةً وسلاما دائمين ما دامت السموات والأرض، والبياض والسواد، وعلى العلماء العاملين، والأئمة المجتهدين الذين بذلوا نفوسهم النفيسة في مرضاتك، وجاهدوا حق الجهاد.
أما بعد: فلما كانت فوائد العلوم لا تحصى، وعوائده لا تستقصى، إذ هو البحر لكن لا ساحل له، والفضاء الذي لا نُدرك آخره ولا أوله، وكنت قد انقطعت للاشتغال بالعلوم الشرعية النقلية، وعكفت على التقاط الفوائد الذهنية العقلية.
غير أني جعلت جُلَّ مطلوبي، وغاية مقصودي ومرغوبي علم الحديث الذي عليه المعول (١) في القديم والحديث، إذ مبنى الشريعة عليه، وقواعد الدين موكولة إليه، كونه كلام الحبيب المختار، وحديث نور الأنوار؛ لاشك عند العقلاء والنظار، أن الحبيب يهوى كلام محبوبه في سائر الأطوار. شعر:
لم أسع في طلب الحديث لسمعة أو لاجتماع قديمه وحديثه
لكن إذا فات المحب لقاءَ مَنْ يهوى تعَلَّل باستماع حديثه
فلما خالطت بشاشتُه قلبي، ومازجت حلاوته لبي صنفت فيه كتابي المسمى ب (تحبير الوفَاء، في سيرة المصطفى) وألفت فيه
_________________
(١) بداية النسخة (ب).
[ ١ / ٤ ]
رسائل ومقدمات/ ١/ تزيد على عشرة من المختصرات.
ثم إني عزمتُ على جمع كتاب في أحوال الآخرة، بعد أن تتبعت الكتب المؤلفة في هذا الباب (١)، واطلعت على ما فيها من العجب العجاب، فاجتهدت في جمعه وترتيبه، وتفصيله وتبويبه، فصار للمحزون سلوة، وللمشتاق جلوة، محرك المّلوب إلى أجلِّ مطلوب، وباعث النفوس إلى مجاورة الملك القدوس؛ لا يسأمُه الجليس، ولا يمله الأنيس، مشتمل من بديع الفوائد، وفرائد القلائد على ما يعسر تحصيله على الطلاب في سوى هذا الكتاب، إذا نظر فيه المؤمن زاده إيمانًا، وجلا عليه الآخرة حتى كأنه يشاهدها عيانًا، فهو مثير النفوس إلى مجاورة الملك القدوس، وزاجر الهمم الدنيات، عن اقتراف المعاصي والشبهات، وسميته ب:
(البحور الزاخرة في علوم الآخرة)
فإنه اسم يوافق مسماه، ولفظ يوافق معناه، والله يعلم ما به قصدت، وما بجمعه وتأليفه أردت، فهو عند لسان كل عبد وقلبه، وهو المطلع على نيته وكسبه، فيا أيها الناظرُ فيه لك غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، ولك صفوه، وعليه هفوه، وهذه بضاعته المزجاة تعوض عليك، وبنات أفكاره تزف إليك.
فإن صادفت كفؤًا كريمًا؛ لن تعدم منه إمساكًا بمعروف أو
_________________
(١) وأكثر ما يعزوا إليه الروح لابن القيم، التذكرة للقرطبى، أهوال القبور لابن رجب، شرح الصدور، البدور السافرة في أحوأل الآخرة للسيوطي وكتب ابن أبي الدنيا وأبي نعيم الإشاعة في أخبار الساعة، الفتن لأبي عمرو الداني البهجة للشيخ مرعي.
[ ١ / ٥ ]
تسريحًا بإحسان، وإن كان غيره، فَالله المستعان، وعليه التكلان، ولا ريب أن الحسود لا يُنصف، والعدو في نظره متعسف شعر: وعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلة كما أن عين السُّخطِ تبدي المساويا (١) ومَا كان في هذا الكتاب من صواب، همن الله ورسوله، وخلفائه العلماء، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، / ٢/ والله بَرَيء منه ورسوله، ويأبي الله العصمة لغير كتابه المجيد والسعيدُ مَنْ عُدت هفواته في جنب صوابه.
فصل
وقد خطر لي أن أذكر في صدر كتابي هذا بعض مثالب الحسد: أخرج القاسم بن أصبغ وأبو بكر بن أبي شيبة عن الزبير بن العوّام ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضاءُ هي الحالقة؛ لا أقول إنها تحلق الشعر لكن تحلُقُ الدّين، والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أونبئكم بما يثبت ذلك أفشوا السلام بينكم"، ورواه الترمذي والإمام أحمد وهو صحيح (٢).
_________________
(١) البيت لعبد الله بن معاوية بن عبد الله الجعفري يقوله للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس. انظر: الأغاني ١٢/ ٢٥٠، ٢٧٢.
(٢) رواه أحمد ٥/ ١٦١ (١٤١٢)، ١/ ١٦٧ (١٤٣٠)، (١٤٣١)، (١٤٣٢)، والطيالسي ١/ ١٥٩ (١٩٠) وابن أبي شيبة ٨/ ٦٢٥، وعبد بن حميد / ١٤٧ (٩٧)، والدارمي (١٥٤٥)، والترمذي (٢٥١٠)، وأبو يعلى (٦٦٩)، والبيهقي ١٠/ ٢٣٢، وإسناده ضعيف فيه مولى لآل الزبير وهو مجهول، وفي إسناده اضطراب. لكن يشهد لأوله حديث أبي الدرداء عند البخاري في=
[ ١ / ٦ ]
وفي الحديث: "إن الغلَّ والحسدَ يأكلان الحسناتِ كما تأكلُ الجمرةُ (١) الحطبَ" (٢). وصح عنه - ﷺ -: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانا" (٣).
وفي الخبر: "إن لنِعم الله أعداء، قيل: من أعداء نِعم الله؟ (٤) " [قيل: ومَن يُعادي نعم الله، يا رسول الله قال: "الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فَضْله" (٥).
وقال معاوية: يا بنيّ إيّاك والحسد، فإنه يبين فيك قبل أن يبين في محسودك.
_________________
(١) = "الأدب المفرد" (٣٩١)، وأبو داود (٤٩١٩)، والترمذي (٢٥٠٩)، ويشهد لآخره حديث أبي هريرة عند مسلم (٥٤).
(٢) في (ب)، و(ط): النار.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤٢١٠)، وأبو يعلى (٣٦٥٦) من حديث أنس بمعناه وإسناده ضعيف جدًا. ولأنس أيضًا: "إن الحسد يطفئ نور الحسنات" أخرجه أبو داود (٤٩٠٤) وأبو يعلى (٣٦٩٤) وهو حديث حسن.
(٤) حديث صحيح. رواه البخاري (٦٠٦٥) و(٦٠٧٦)، ومسلم (٢٥٥٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) وفي (أ) "وفي الخبر إن لنعم الله أعاطيل من أعداء نعم الله يا رسول الله - ﷺ - والمثبت من (ب)، و(ط).
(٦) لم أقف عليه مرفوعًا، ونسبه القرطبي في تفسيره ٥/ ٢٥١ لعبد الله بن مسعود ﵁، وما بين معقوفتين منه.
[ ١ / ٧ ]
وقال ابن عبد الملك:
وأظلم من في الأرض من بات حاسدًا لمن كان في نعمائه يتقلب (١)
وقال بعض الحكماء: إياكم والحسد، فإن الحسد أوّل ذنب عصى الله به في السماء، وأوّل ذنب عُصي الله به في الأرض، يشيرُ إلى إبليس وقابيل.
وقال الأحنف بن قيس: لا راحة لحسود ولا وفاء لبخيل، ولا صديق لملول، ولا مرؤة لكذوب، ولا سُؤْدد لسيء الخلق (٢).
وقال محمد بن سيرين: ما حسدت أحدًا على شيء من الدّنيا، فإن كان من أهل الجنّة فكيف أحسده وهو صائرٌ إلى الجنّة؟! وإنْ كان من أهل النار فكيف أحسده وهو/٣/ صائرٌ إلى النار؟!
وقال الحسنُ البصري: يا ابن آدم لِمَ تحسدُ أخاك؟ فإن كان الذي أعطاه الله إياه لكرامته فلم تحسد مَنْ أكرمه الله؟ وإن كان غير ذلك، فلا ينبغي لك أن تحسد مَن مصيره إلى النار. (٣)
وقال بعضهم: ليس شيء أضرّ من الحسد، يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن تصل إلى المحسود: غمّ لا ينقطع، ومصيبة لا يؤجرُ عليها، ومذمّة لا يحمد بها، ويسخط عليه الرب، ويغلق عنه أبواب التوفيق.
_________________
(١) البيت منسوب لأبي الطيب المتنبى. "خزانة الأدب" ١/ ٢٠٤، المثل السائر ١/ ٥١ وفيهما: (وأظلم أهل الظلم).
(٢) رواه البيهقي في "الشعب" ٥/ ٢٧٣ وفيه: لا راحة لحسود، ولا مروءة لكذوب، ولا وفاء لملوك، ولا حيلة لبخيل، ولا سؤدد لسيء الخُلق.
(٣) انظر "إحياء علوم الدين" ٣/ ١٨٩.
[ ١ / ٨ ]
ومما ينسب للإمام الشافعي في ذمّ الحسد:
ألاَ قل لِمَنْ كان لي حاسدا أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في فعله لأنك لم ترض لي ما وهب
فجازاك منه بأن زادني سدَّ عليك وجوه الطلب (١)
ولا ريب أنَّ من أشد الناس تحاسدا العلماء سيما في هذه الأزمان، ومن ثَمَّ ورد عن ابن عباس: استمعوا (٢) عِلمَ العُلماء ولا تصدّقوا بعضهم على بعض فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغاورًا من التيوس في زربها (٣). وفي رواية عنه: خذوا العلم حيث وجدتموه، ولا تقبلوا (٤) أقوال الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة (٥).
وهذا الداء قد فشى في الناس سيما في أهل العلم، فنسأل الله العافية والموازين الوافية، واعلم أن النصح من الحسود مفقود كما أن الوفاء من النساء ليس بموجود. وقد قلت في ذلك نظمًا وهو:
_________________
(١) الأبيات نسبها البيهقي في "الشعب" ٥/ ٢٧٦ لمنصور الفقيه، مع بعض الاختلاف في البيت الأخير.
(٢) في الأصل: (استعملوا). والمثبت من "جامع بيان العلم" ٢/ ٢٣.
(٣) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" ٢/ ١٠٩٠ (٢١٢٣) و(٢١٢٤) بإسناد ضعيف.
(٤) في حاشية "ط" قوله: ولا تقبلوا إلخ أقول ونظيره قول العلامة الشامي رحمه الله تعالى في كتابه "عقود الجمان في الذب عن أبي حنيفة النعمان" كلام المعاصرين مردود ا. هـ.
(٥) جامع بيان العلم (٢١٢٥).
[ ١ / ٩ ]
اسمع مقالة ناصح لك منصف يغنيك عن تسآل من لم يعرف
طلبُ الوَفاء من النِّساءِ متعذر والنصح من شخص حسود منتفِ
/٤/ والهيبة العظماء من ذي فاقة والحرمة اعدد من جهولٍ مسرف
واحذر تَسلْ يومًا عدوك حاجة فلقد علمنا أنه لم يُسعِفِ
وقد رتبتُ هذا الكتاب على مقدمة وخمسة كتب وخاتمة.
[ ١ / ١٠ ]
المقدمة