ففي البخاريِّ وابن ماجه عن أبي هريرة - ﵁ -، "لا تقوم
_________________
(١) رواه مسلم (٢٩٠١)، والترمذي (٢١٨٣)، وابن ماجه (٤٠٥٥)، وأحمد ٤/ ٦ و٧، وابن حبَّان (٦٨٤٣).
[ ٢ / ٥٠٢ ]
الساعة حتى يُقبضَ العلمُ وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهرُ الفتن ويكثر الهرْج"، وهو القتل (١).
وقد وقع أوّل خلافة المتوكل سنة اثنين وثلاثين ومائتين زلزلة مَهولة بدمشق، سقطت منها دور وهلك تحتها خلق كثير، وامتدت إلى أنطاكية فهَدمَتْها، وإلى الجزيرة فأحرقتها، وإلى الموصل فيُقال: هلك من أهلها خمسون ألفا، وقد زُلزلت زَلازلُ كثيرة جدًا، فلا نطيلُ بذكرها.
ومنها المسخ والقذفُ ففي حديث عند الإمام أحمد ومسلم والحاكم عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا: "يكون في أمتي خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ" (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٣٧) و(٦٠٦١)، وأبو داود (٤٢٥٥)، وابن حبَّان (٦٧١١) و(٦٧١٧)، وأحمد ٢/ ٥٢٥ و٥٣٠، والطبراني في الأوسط (٨٦٧٧). وانظر: أحمد ٢/ ١٦١ و٢/ ٢٨٨ و٢/ ٥٢٤ و٢/ ٢٣٣ و٢/ ٣١٣.
(٢) الحديث روي عن طريق عبد الله بن عمرو بنفس لفظ المؤلف عند أحمد ٢/ ١٦٣، وابن ماجه (٤٠٦٢)، والحاكم ٤/ ٤٤٥، وابن عديّ في الكامل ٦/ ٢١٣٥ ومن طريق عبد الله بن عمر. عند أحمد ٢/ ٩٠، ٢/ ١٠٨ و٢/ ١٣٦، وأبو داود (٤٦١٣)، وابن ماجه (٤٠٦١)، والترمذي (٢١٥٢) و(٢١٥٣). وله شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن حبَّان (٦٧٥٩). ومن حديث سهل بن سعد عند ابن ماجه (٤٠٦٠) قال في الزوائد: وإسناده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
وعند ابن ماجه عن ابن مسعود - ﵁ -: "بين يدي الساعة مسخٌ وخسفٌ وقذفٌ" (١) وعند الترمذي عن عائشة - ﵂ -، مرفوعًا "يكون في آخر هذه الأمّة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ" قيل يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثرُ الخبثُ" (٢).
وقد قدمنا الكلام على وقوع الخسف، وأما المسخ فقد وقع لأشخاص منهم ما نقله في "الإشاعة" (٣) قال قد صحَّ عن غير واحد أنَّ في زمن فاطمية مصرَ كانوا يجتمعون بالمدينة يومَ عاشوراء في قبة العباس: يعني الأرفاض، فيسبون الشيخين رضوانُ الله عليهما، ويسبُّون الصحابة - ﵃ - أجمعين فجاء رجل فقال: من يُطعمني في محبة أبي بكر فخرج إليه شيخٌ، وأشار إليه أن اتبعني، فأخذه إلى بيته وقطع لسانه، ووضعه في يده وقال: هذه بمحبة أبي بكر، فذهبَ الرجلُ إلى المسجد وسلم على رسول الله - ﷺ -، وعلى الشيخين رضوانُ الله عليهما، ورجع ولسانُه في يده، فقعد حزينًا عند باب المسجد وغلبه النوم، فرأى النبي - ﷺ - في منامه، ومعه أبو بكر
_________________
(١) ابن ماجه (٤٠٥٩)، قال في الزوائد: رجال إسناده ثقات إلا أنَّه منقطع، وأخرجه البزار (١٤٥٧)، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ١٢١.
(٢) في الأصل كَثُرَ وعند الترمذي "ظهر". ورواه الترمذي (٢١٨٥)، وفي إسناده عبد الله بن عمر العمري قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه وعبد الله بن عمر تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه. والحديث في السنن الواردة في الفتن ٣/ ٧١٠ (٣٤١).
(٣) ص ٥١.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
- ﵁ -، فقال لأبي بكر - ﵁ -: هذا الرجلُ قُطِعَ لسانُه في محبتك فَرد عليه لسانه، فأخرج اللسانَ من يده ووضعه في محله، فانتبه فإذا لسانُه كما كان قبل القطع، وأحسن فلم يخبر بذلك أحدًا، ورجع إلى بلاده فلما كان العام القابل، رجَع إلى المدينة، دخل القبة (١) يوم عاشوراء طلب شيئًا بمحبة أبي بكر، فخرج إليه شاب وقال اتبعني فتبعه، فأدخله الدار التي قطع فيها لسانُه فأكرمه الشاب، فقال الرجل إني أتعجب من هذا البيت، لقيتُ فيه العام الماضي مُصيبة ومهانة، وهذه السنة لقيتُ ما أرى من الإكرام فقال الشاب: كيف القصة؟ فأخبره بالقصة فانكب على يده ورجليه وقال: ذلك أبي وقد مسخه اللهُ قِردًا وكشف عن ستارة فأراه قردًا مربوطًا وأحسن إلى الرجل، وتاب عن مذهبه وقال: اكتم عليَّ أمرَ والدي (٢).
وقد ذكر هذه القصة ابن حجر في "الزواجر" (٣) بنحو هذا اللفظ، وذكرها السمهودي والقسطلاني في "المواهب"، وابنُ حجر أيضًا في "الصواعق" وفي "الزواجر" (٤): أنَّه كان بحلبٍ رجلٌ يسبُ الشيخين، فلما مات نبش قبره شباب ليفعلوا معه أمرًا، فوجدوه خنزيرًا فأحرقوه.
_________________
(١) هذه من الأمور البدعية والتي لا يقرها الإِسلام. وهي بناء القبب على القبور.
(٢) هذه القصة وأمثالها كثير يوردها المؤلف ﵀ بدون زمام ولا خطام ودين الله مكتمل فيه الكفاية قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. فينبغي علينا تنزيه الدين من كل نقص والسعي في تطهير مصادره من كل عيب.
(٣) انظر: ص ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٤) انظر: "الزواجر" ص ٢٣٢.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
وذكر السيوطي في "تاريخ الخلفاء" (١): أن في سنة اثنين وثمانين وسبعمائة في خلافة المتوكل سادس الخلفاء العباسيين الذين كانوا بمصرَ، ورد كتابٌ من حلب يتضمنُ أن إمامًا قام يُصلي وأن شخصًا عبث به في صلاته، فلم يقطع الإمام الصلاة، حتى فرغ وحين سلم انقلب وجه العابث وجه خنزير، وهربَ إلى غابة هناك.
وأما القذفُ فالمراد به الرجم، نقل السيوطي في "تاريخ الخلفاء" (٢) أن في سنة خمس وثمانين ومائتين مُطرت قريةُ بالبصرة حجارةً سوداء وبيضاء ووقع بَرد، وزن البردة مائة وخمسون درهمًا.
وفي سنة اثنين ومائتين رُجمت قرية السويدي بالحجارَة، ووُزن حجر من الأحجار، فكان عشرة أرطال، وفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، في خلافة المقتدي، جاءت ريحٌ سوداء ببغداد واشتدَّ الرعدُ والبرق وسقط رمل وتراب كالمطر، وفي سنة نيف وستين بعد الألف، مُطرت حجارة سود كبيرة عريضة قَدْرَ بيض الدجاج وأكبر في الصيف والسماء مصحية ببلاد الأكراد، بين هيزا وكفرا، وكان يُسمعُ لها حِسٌ من مسافة يوم. ذكره في "الإشاعة" (٣).
تنبيه: ورد عنه - ﷺ -، الآيات بعد المائتين، فيحتمل بعد المائتين من الهجرة ويحتمل بعد المائتين بعد الألف، ويؤيد الأوّل أنَّ جُلَّ الآيات التي ذكرناها، وقع بعد المائتين وإن حُمل على الثاني فالمرادُ أمهاتها كما يأتي، وقد أضربنا من هذا الباب عن أشياء كثيرة خوف
_________________
(١) ص ٤٣٧.
(٢) (٣١٩).
(٣) ص ٥٢.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
الملال. وضيق الحال فنسأل الله التوفيق وحسن الختام، والحشر مع خير فريق ببركة محمَّد ﵊ (١).
_________________
(١) هذا التوسل الممنوع فيقال ببركة حبنا لمحمد - ﷺ - أو ببركة اتباعنا لرسول الله - ﷺ - ولعل هذا مراد المؤلف رحمنا الله وإياه. وانظر "الإشاعة" (٦٩ - ٧٠). فائدة الإخبار عن إمارات الساعة وأشراطها لا ينزل على الواقع بل نؤمن به ونعتقد أن ما أخبر به النبي - ﷺ - صدقًا.
[ ٢ / ٥٠٧ ]