قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ: هَذَا الْقَضَاءُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَتْمِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ وَالْفَرْضِ.
وَأَصْلُ الْقَضَاءِ فِي اللُّغَةِ: قَطْعُ الشَّيْءِ بِإِحْكَامٍ وَإِتْقَانٍ.
قَالَ الشَّاعِرُ يَرْثِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁:
قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا بَوَائِقَ أَكْمَامُهَا لَمْ تُفْتَقِ
أَيْ: قَطَعْتَهَا مُحْكِمًا لَهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وَهُوَ الْبِرُّ وَالْإِكْرَامِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَنْفُضْ ثَوْبَكَ فِيصِيبَهُمَا الْغُبَارُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فِي مَعْنَى: أُفٍّ خَمْسَةُ
[ ٤٣ ]
أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَسَخُ الظُّفُرِ، قَالَهُ الْخَلِيلُ، وَالثَّانِي: وَسَخُ الْأُذُنِ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ، وَالثَّالِثُ: قُلَامَةُ الظُّفُرِ، قَالَهُ ثَعْلَبٌ، وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْأُفَّ الِاحْتِقَارُ، وَالِاسْتِصْغَارُ مِنَ الْأَفَفِ، وَالْأَفَفُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الْقِلَّةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْأُفَّ: مَا رَفَعْتَهُ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ عُودٍ أَوْ قَصَبَةٍ، حَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ.
قَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَنْصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قَالَ: مَعْنَى أُفٍّ: النَّتَنُ
[ ٤٤ ]
وَالتَّضَجُّرُ، وَأَصْلُهَا نَفْخُكَ الشَّيْءَ يُسْقِطُ عَلَيْكَ مِنْ تُرَابٍ وَرَمَادٍ، فَقِيلَ: لِكُلِّ مُسْتَثْقَلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، أَيْ: لَا تُكَلِّمْهُمَا ضَجِرًا صَائِحًا فِي وُجُوهِهِمَا.
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: لَا تَنْفُضُ يَدَكَ عَلَيْهِمَا، ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، أَيْ: لَطِيفًا أَحْسَنَ مَا تَجِدُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: قَوْلُ الْعَبْدِ الْمُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الْغَلِيظِ الْفَظِّ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]، أَيْ: أَلِنْ لَهُمَا جَانِبَكَ مُتَذَلِّلًا لَهُمَا مِنْ رَحْمَتِكَ إِيَّاهُمَا.
وَمِنْ بَيَانِ تَعْظِيمِ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] .
فَقَرَنَ شُكْرَهُ بِشُكْرِهِمَا
[ ٤٥ ]