٢٩٧ - أخبرنا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَأَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قثنا مَالِكٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ فَوْقُ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ» .
أَخْرَجَاهُ
٢٩٨ - قال أَحْمَدُ: وَثَنَا عَبْدُ الرَّازَّقِ، قَالَ: أَنْبَأَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ»
٢٩٩ - أخبرنا عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَ الدَّاوُدِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَ ابْنُ أَعْيَنَ، قثنا الْفِرَبْرِيُّ، قثنا الْبُخَارِيُّ، قثنا مُسَدَّدٌ، قثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَاءِهِ، فَقُلْنَ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ يَضُمُّ هَذَا، أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، وَانْطَلَقَ بِهِ لَهُ إِلَى امْرَأَتِهِ،
[ ١٨٦ ]
فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَانِ! فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ السِّرَاجَ، فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ فَلَمَّا أَصْبَحَا غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ".
هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ
- ٣٠٠ أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، قَالَ: أَنْبَأَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ، قَالَ: أَنْبَأَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأَرْجِيُّ، قثنا أَبُو الْحَسَنِ بْنِ جَهْضَمٍ، قثنا الْخُلْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْكَتَّانِيُّ، وَجَمَاعَةٌ أُخَرُ مِنَ الْمَشَايِخِ، قَالُوا: " كَانَ لِأَبِي جَعْفَرٍ الدَّيْنَوَرِيِّ أَخٌ لَا يُقِيمُ فِي قَرْيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ ثُمَّ يَخْرُجُ، فَدَخَلَ إِلَى قَرْيَةٍ فَاعْتَلَّ بِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَأْكُلْ، وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ، فَمَاتَ، فَأَصْبَحَ الْقَوْمُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ فَوَجَدُوهُ مَيِّتًا، فَغَسَّلُوهُ، وَحَنَّطُوهُ، وَكَفَّنُوهُ، وَصَلَّوْا عَلَيْهِ، وَحَمَلُوهُ لِيَدْفِنُوهُ، فَجَاءَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ إِلَيْهِمْ، وَقَالُوا: سَمِعْنَا صَائِحًا يَصِيحُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْضُرَ جِنَازَةَ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ ﷿، فَلْيَحْضُرْ قَرْيَةَ كَذَا كَذَا، قَالَ: فَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، وَجَدُوا الْكَفَنَ وَالْحَنُوطَ مَصْرُورًا فِي مِحْرَابِهِمْ، وَمَعَهُ كِتَابٌ فِيهِ مَكْتُوبٌ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي كَفَنِكُمْ هَذَا! يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ ﷿ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، لَا عُدْتُمُوهُ، وَلَا عَلَّلْتُمُوهُ، وَلَا أَطْعَمْتُمُوهُ، وَلَا سَقَيْتُمُوهُ، وَلَا كَلَّمْتُمُوهُ ".
قَالَ الْكَتَّانِيُّ: إِنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ جَعَلُوا فِيهَا بَيْتًا لِلضِّيَافَةِ
- ٣٠١ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، وَالْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ، قَالَا: أَنْبَأَ طِرَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَأَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَانَ، قَالَ: أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
[ ١٨٧ ]
جَعْفَرٍ الْحَوْرِيُّ، قثنا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: زَعَمَ الْعَبَّاسُ الْعَنْبَرِيُّ، قثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ بُدَيْحٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: " خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَنَزَلْنَا إِلَى جَانِبِ خِبَاءٍ مِنْ شَعْرٍ، وَإِذَا صَاحِبُ الْخِبَاءِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذَا نَحْنُ بِالأَعْرَابِيِّ قَدْ أَقْبَلَ يَسُوقُ نَاقَةً، حَتَّى وَقَفَ عَلَيْنَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْ قَوْمِ أَبْغُونِي شَفْرَةً، فَنَاوَلْنَاهُ الشَّفْرَةَ فَوَجَأَ فِي لَبَّتِهَا، وَقَالَ: شَأْنُكُمْ بِهَا، قَالَ: فَأَقَمْنَا الْيَوْمَ الثَّانِي، فَإِذَا نَحْنُ بِالشَّيْخِ الْعُذْرِيِّ يَسُوقُ نَاقَةً أُخْرَى، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ أَبْغُونِي شَفْرَةً، فَقُلْنَا: إِنَّ عِنْدَنَا مِنَ اللَّحْمِ مَا تَرَى، فَقَالَ: أَبِحَضْرَتِي تَأْكُلُونَ الْغَابَّ، نَاوِلُونِي شَفْرَةً.
فَنَاوَلُوهُ الشَّفْرَةَ فَوَجَأَ فِي لَبَّتِهَا، ثُمَّ قَالَ: شَأْنُكُمْ بِهَا.
وَبَقِينَا الْيَوْمَ الثَّالِثَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالْعُذْرِيِّ يَسُوقُ أُخْرَى، حَتَّى وَقَفَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: أَيْ قَوْمُ أَبْغُونِي شَفْرَةً، فَقُلْنَا: إِنَّ عِنْدَنَا مِنَ اللَّحْمِ مَا تَرَى.
فَقَالَ: أَبِحَضْرَتِي تَأْكُلُونَ الْغَابَّ، إِنِّي لَأَحْسَبُكُمْ لِئَامًا، نَاوِلُونِي شَفْرَةً، فَنَاوَلُوهُ الشَّفْرَةَ، فَوَجَأَ فِي لَبَّتِهَا، ثُمَّ قَالَ: شَأْنُكُمْ بِهَا.
قَالَ: وَأَخَذْنَا فِي الرَّحِيلِ، فَقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ لِخَادِمِهِ: مَا مَعَكَ؟ قَالَ: رِزْمَةُ ثِيَابٍ، وَأَرْبَعُ مِائَةِ دِينَارٍ.
قَالَ: اذْهَبْ بِهَا إِلَى الشَّيْخِ الْعُذْرِيِّ.
قَالَ: فَذَهَبَ بِهَا، فَإِذَا جَارِيَةٌ فِي الْخِبَاءِ، فَقَالَ: يَا هَذِهِ، خُذِي هَدِيَّةَ ابْنِ جَعْفَرٍ.
قَالَتْ: إِنَّا قَوْمٌ لَا نَقْبَلُ عَلَى قِرًى جَزَاءً.
فَجَاءَ ابْنَ جَعْفَرٍ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: عُدْ إِلَيْهَا فَإِنْ هِيَ قَبِلَتْ، وَإِلَّا فَارْمِ بِهَا عَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ.
فَعَاوَدَهَا، فَقَالَتْ: اذْهَبْ عَنَّا، بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، فَإِنَّا قَوْمٌ لَا نَقْبَلُ عَلَى قِرَانَا جَزَاءً، فَوَاللَّهِ إِنْ جَاءَ شَيْخِي فَرَآكَ هَاهُنَا لَتَلْقَيَنَّ مِنِّي أَذًى.
قَالَ: فَرَمَى بِالرِّزْمَةِ وَالصُّرَّةِ عَلَى بَابِ الْخِبَاءِ، ثُمَّ ارْتَحَلْنَا فَمَا سِرْنَا إِلَّا قَلِيلًا، فَإِذَا نَحْنُ بِشَيْءٍ يَرْفَعُهُ السَّرَابُ مَرَّةً، وَيَضَعُهُ أُخْرَى، فَلَمَّا دَنَا مِنَّا، إِذْ نَحْنُ بِالشَّيْخِ الْعُذْرِيِّ وَمَعَهُ الصُّرَّةُ وَالرِّزْمَةُ، فَرَمَى بِذَلِكَ، ثُمَّ وَلَّى مُدْبِرًا، فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ فِي قَفَاهُ هَلْ يَلْتَفِتُ فَهَيْهَاتَ، فَكَانَ ابْنُ جَعْفَرٍ، يَقُولُ: مَا غَلَبَنَا بِالسَّخَاءِ إِلَّا الشَّيْخُ الْعُذْرِيُّ "
-٣٠٢ قال الْقُرَشِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِحَاتِمٍ: " هَلْ فِي الْعَرَبِ
[ ١٨٨ ]
أَجْوَدُ مِنْكَ؟ فَقَالَ: كُلُّ الْعَرَبِ أَجْوَدُ مِنِّي، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ، قَالَ: نَزَلْتُ عَلَى غُلَامٍ مِنَ الْعَرَبِ يَتِيمٍ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَكَانَ لَهُ مِائَةٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَذَبَحَ لِي مِنْهَا شَاةً، فَأَتَانِي بِهَا، فَلَمَّا قَرَّبَ إِلَيَّ دِمَاغَهَا، قُلْتُ: مَا أَطْيَبَ هَذَا الدِّمَاغَ! قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَأْتِينِي مِنْهُ، حَتَّى قُلْتُ: قَدِ اكْتَفَيْتُ.
فَلَمَّا أَصْبَحْتُ إِذَا هُوَ قَدْ ذَبَحَ الْمِائَةَ شَاةٍ، وَبَقِيَ لَا شَيْءَ لَهُ! فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا صَنَعْتَ بِهِ، فَقَالَ: وَمَتَى أَبْلُغُ شُكْرَهُ وَلَوْ صَنَعْتُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ؟ أَعْطَيْتُهُ مِائَةً مِنْ خِيَارِ إِبِلِي " وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ السِّمْنَانِيُّ، قَالَ: نَزَلْتُ بِقَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ لِي شَيْخٌ مِنْهُمْ: أَيُّهَا الْقَاضِي، أَمَا تَرَى هَذَا الدَّوَّارَ، وَهَذِهِ الْبُيُوتَ، وَهَذِهِ الرِّجَالَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: فَإِنَّهُمْ أَوْلَادِي، وَأَوْلَادُ أَوْلَادِي، كُنْتُ حَدَثًا فَحَجَجْتُ، فَاجْتَزْنَا بِقَوْمٍ مِنْ طَيِّئٍ عَلَيْهِمْ آثَارُ الْفَقْرِ، فَنَزَلْنَا قَرِبيًا مِنْهُمْ لِئَلَّا نَجْحِفَ بِهِمْ، وَكَانَ مِمَّا يَلِينَا بَيْتٌ شَعِثٌ، فَإِذَا قَدْ خَرَجَتْ مِنْهُ امْرَأَةٌ عَلَيْهَا أَسْمَالٌ وَعَقَرَتْ لَنَا نَاقَةً، وَقَالَتْ: يَا عَشِيرَةُ، وَاللَّهِ مَا ادَّخَرْتُ عَنْكُمْ مُمْكِنًا وَظَاهِرُ الْحَالِ يُخْبِرُكُمْ بِصِدْقِي، فَكُلُوا وَاعْذُرُونَا، فَأَنْكَرْتُ مَا فَعَلَتْ، وَتَوَجَعْنَا لَهَا.
فَقَالَتْ: أَنَا فِي هَذَا الْبَيْتِ مَعَ وَالِدَةٍ لِي، وَقَدْ ذَهَبَ رِجَالِي وَرَزَحَتْ حَالِي، فَأَكَلْنَا مِنْ طَعَامِهَا، وَسَأَلْنَا عَنْهَا، فَقِيلَ لَنَا: هِيَ مِنْ خِيَارِ قَوْمِهَا، وَهِيَ فَقِيرَةٌ وَحِيدَةٌ، وَإِنَّهَا لَمْ تَمْلِكْ غَيْرَ هَذِهِ النَّاقَةَ، وَتَعِيشُ بِلَبَنِهَا وَأُخْرَى تَحْمِلُ عَلَيْهَا.
فَاغْتَنَمْنَا لِمَا فَعَلَتْ وَجَمَعْنَا بَيْنَنَا شَيْئًا، وَدَفَعْنَاهُ إِلَيْهَا، فَبَكَتْ، وَقَالَتْ: مَا أَحْسَنْتُمُ الصُّحْبَةَ! سِمْتُمُونِي آخُذُ الْجَزَاءَ عَنِ الْقِرَى؟ فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ لَكِ فِي بَعْلٍ، فَقَالَتْ: إِنَّكَ لَكُفْؤٌ كَرِيمٌ، غَيْرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ عَنِّي أَنَّ ضَيْفًا نَزَلَ بِي فَتَزَوَّجَنِي، فَإِنْ خَطَبْتَ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدُ مِنْ عَشِيرَتِي رَغِبْتُ فِيكَ.
فَحَجَجْتُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى شَيْخِ الْقَوْمِ فَخَطَبْتُهَا، فَبَعَثَ، فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ: أَنْتُمْ أَوْلَى بِأَمْرِي.
فَعَقَدْتُ عَلَيْهَا وَحَمَلْتُهَا، ثُمَّ جَدَّدْتُ الْعَقْدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَحَمَلَتْ بِهَذَا الْغُلَامِ، وَفِي الْعَامِ الثَّانِي بِهَذَا، وَلَمْ يَزَلْ بَعْدُ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى عَدَّ عَشْرَةَ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ لَهُ خَمْسَةٌ وَسَبْعَةٌ مِنَ الْأَوْلَادِ، وَأَقَلُّهُمْ ثَلَاثَةُ
[ ١٨٩ ]
- ٣٠٣ وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: " أَغَارَتْ بَنُو شَيْبَانَ عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ تَمِيمٍ، فَنَظَرُوا إِلَى رَجُلٍ عَلَى جَوَادٍ فَأَسَرُوهُ، فَلَمَّا جَنَّهُ اللَّيْلُ، فَكَّ قَيْدَهُ فَنَجَا، وَلَجَأَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ طَيِّئٍ، فَسَأَلَهُ الضِّيَافَةَ، فَفَعَلَ، وَقَامَ إِلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءَ، فَنَحَرَهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَامَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ التَّمِيمِيُّ: إِنَّ عِنْدَكَ لَحْمًا، قَالَ: إِنِّي لَا أُطْعِمُ ضَيْفِي إِلَّا غَبِيطًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
إِنَّ أَبِي لَمَّا دَعَاهُ دَاعِيَهْ أَوْصَى بِمَا لَابُدَّ أَنْ سَأُمْضِيَهْ
بِالضَّيْفِ أَنْ أُكْرِمَ حِينَ أُثْوِيَهْ وَأَغْبِطَ الْكَوْمَاءَ حِينَ أُقْرِيَهْ
وَالْجَارُ أَحْمِي سَرِيَّهْ وَأَكْفِيَهْ وَالصَّبْرُ إِنْ شَبَّ الْوَغَا تَلْظِيَهْ
وَالْكَرُّ فِي أَثَرِ الْمُضَافِ أَحْمِيَهْ
فَأَقَامَ الضَّيْفُ عِنْدَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ حَدَّثَ نَفْسَهُ، فَقَالَ: لَوِ اسْتَقْتُ إِبِلَ هَذَا مَا كَانَ عِنْدَهُ نَكِيرٌ، فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ، قَامَ فَاخْتَرَطَ سَيْفَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْإِبِلُ السَّيْفَ تَفَرَّقَتْ، فَرَكِبَ فَرَسَ الرَّجُلِ، وَأَخَذَ رُمْحَهُ، وَأَقْبَلَ يَطْرُدُهَا، فَاسْتَيْقَظَ الطَّائِيُّ، فَتَنَكَّبَ قَوْسَهُ، وَكِنَانَتَهُ، وَسَارَ فَأَدْرَكَهُ، فَقَالَ: يَا هَذَا إِنَّكَ ضَيْفٌ، وَإِنْ رَمَيْتَكَ قَتَلْتَكَ، وَأَنَا أُنْشِدُكَ اللَّهَ أَنْ تَحْمِلَنِي عَلَى قَتْلِ ضَيْفِي، فَأَسُبُّ بِذَلِكَ فِي الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ التَّمِيمِيُّ: انْجُ بِنَفْسِكَ، قَالَ: إِنِّي قَاتِلُكَ.
قَالَ: فَأَرَانِي أَمَارَةَ ذَلِكَ.
قَالَ: عَلِّمْ عَلَى مَا شِئْتَ حَتَّى أُصِيبَهُ.
قَالَ: الْحَجَرُ النَّاتِئُ مِنَ الْخِبَاءِ، فَرَمَاهُ، فَأَثَّرَ فِيهِ السَّهْمُ.
فَقَالَ: الضَّبُّ الَّذِي قَدْ عَلَا الْمَدَرَةَ، قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ فِي مَغْرِزِ ذَنَبِهِ، فَرَمَاهُ فَفَصَلَ ذَنَبَهُ عَنْ ظَهْرِهِ.
فَقَالَ: خُذْ إِبِلَكَ، فَلَمَّا سَاقَهَا، قَالَ: أَظُنُّ الْحَاجَةَ دَعَتْكَ إِلَى أَخْذِهَا.
قَالَ: هُوَ ذَاكَ.
قَالَ: فَتَخَيَّرْ مِنْهَا خَمْسِينَ.
فَلَمَّا أَخَذَهَا، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْكَ ضِيَافَةً، وَلَا أَشَدَّ عِنَايَةً، وَلَا أَظْهَرَ شَجَاعَةً! فَغَطَّى وَجْهَهُ، وَقَالَ: أَطْرُدْهَا كُلَّهَا، فَوَاللَّهِ مَا بَقِيَ بِمَا قُلْتَ.
فَطَرَدَهَا وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ "
[ ١٩٠ ]