التسمية، والذكر والدعاء، والشكر، والتوبة، والاستغفار، وإن كانت هذه العبادات تبدو متداخلة من حيث الظاهر ويمكن أن تندرج جميعها تحت مسمَّى الذكر، إلا أنها في الحقيقة تجتمع وتفترق، وفي كلٍّ منها معنىً زائد على باقيها فيما يتعلق بموضوع البحث، لذا رأيت أن أفرد كل نوع منها على حدة.
فأما التسمية: فقد ثبت أنه ﷺ كان يذكر اسم الله تعالى ويسمي في كثير من الأحيان، ويأمر أصحابه بذلك وذلك لما يحصل من ذكر اسم الله تعالى من البركة، وطرد الشيطان ومنع مشاركته الإنسان إلا فيما لم يذكر اسم الله تعالى عليه.
قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ ١.
فسَّر بعض العلماء المشاركة هنا بأشياء كثيرة: منها مشاركة الشيطان للمجامع زوجته إذا لم يذكر اسم الله تعالى فقد جاء عند البخاري٢ من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أما إن أحدكم إذا أتى أهله
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: الآية رقم (٦٤) . ٢ الصحيح، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (٦/٣٣٥)، وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/٧٠-٧١) .
[ ٢٨٥ ]
وقال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزقا ولدًا، لم يضره الشيطان".
وأصرح حديث بالأمر بالتسمية وبخاصة عند الطعام، هو ما جاء عند أبي داود١، والترمذي٢، والحاكم٣، وغيرهم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله، فليقل: بسم الله أوله وآخره". هذا لفظ أبي داود، وعند الترمذي والحاكم بنحوه. وقال الحاكم عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا ابن قيم الجوزية٤.
وقد جاء عند البخاري٥، ومسلم٦ وغيرهما أيضًا حديث عمر بن أبي سلمة وفيه أن النبي ﷺ قال له: "يا غلام سمِّ الله وكل بيمينك، وكل مما يليك ".
وتظهر فائدة التسمية بشكل جلي من خلال الأحاديث التالية:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كلُّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" وفي لفظ: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع" وفي رواية: "فهو أجذم" أخرجه كل من ابن ماجه٧، وأبي داود٨،
_________________
(١) ١ السنن، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام (٣/٣٤٧) . ٢ الجامع، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في التسمية على الطعام (٥/٥٩٤-٥٩٥) . ٣ المستدرك (٤/١٠٨) . ٤ زاد المعاد (٢/٣٩٧) . ٥ الصحيح، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام، والأكل باليمين (٩/٥٢١) . ٦ الصحيح، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب، وأحكامهما (٣/١٥٩٩) . ٧ السنن، كتاب النكاح، باب خطبة النكاح (١/٦١٠) . ٨ السنن، كتاب الأدب، باب الهدي في الكلام (٤/٢٦١) .
[ ٢٨٦ ]
وابن حبان١، والدارقطني٢، والنسائي٣، واللفظ الثاني هو الأكثر، والأشهر، وقد ذكر طرقه السبكي وصححه٤، وقال النووي٥: "هذا الحديث حسن روي موصولًا ومرسلًا، ورواية الموصول إسنادها جيد، ومعنى أقطع: قليل البركة، وكذلك أجذم". أ؟.
وقال المحشي على سنن ابن ماجه: قال السندي: "الحديث حسنه ابن الصلاح والنووي"٦.
قال الحافظ ابن حجر عند الكلام على كتاب النبي ﷺ لهرقل: "فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم": قال النووي: "فيه استحباب تصدير الكتب ببسم الله الرحمن الرحيم ويحمل قوله في حديث أبي هريرة: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع" أي بذكر الله كما جاء في رواية أخرى فإنه روي على أوجه بذكر الله، ببسم الله، بحمد الله، قال: وهذا الكتاب كان ذا بال من المهمات العظام ولم يبدأ فيه بلفظ الحمد بل بالبسملة"٧.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ عند كل من مسلم٨، وأبي داود٩،
_________________
(١) ١ الصحيح (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) (١/١٧٣-١٧٥) حديثا (١، ٢) . ٢ السنن (١/٢٢٩) . ٣ عمل اليوم والليلة (ص ٣٤٥-٣٤٦) . ٤ طبقات الشافعية الكبرى (١/٥-٢١) . ٥ شرح مسلم (١/٤٣) . ٦ وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٣/١٨٥) . ٧ فتح الباري (٨/٢٢٠) . ٨ الصحيح، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب (٣/١٥٩٨) . ٩ السنن، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام (٣/٣٤٦-٣٤٧) .
[ ٢٨٧ ]
وابن ماجه١، وأحمد٢، أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء"، هذا لفظ مسلم، والباقون بنحوه وعندهم في أوله زيادة.
وعن عائشة ﵂ عند كل من الترمذي٣، وابن ماجه٤ قالت: "كان رسول الله ﷺ يأكل طعامًا في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله ﷺ "أما إنه لو سمَّى لكفاكم". هذا لفظ الترمذي، ولفظ ابن ماجه بنحوه، وفيه عنده زيادة، وقال الترمذي عقبه: هذا حديث حسن صحيح، وصححه - أيضًا - الألباني٥.
وقد ثبت عند البخاري٦ ومن حديث غير واحد من الصحابة ﵃ مرفوعًا: "أن المؤمن يأكل في معىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
مما سبق، ومن خلال النظر في كتب شروح الحديث يتبين ما يلي:
١ - أهمية التسمية على كل أمر ذي بال، وأنها جالبة للخير والبركة، طاردة للشيطان الملعون المطرود الذي يمحق البركة ويسر للمعصية. ومما يدل على أهمية التسمية أيضًا أن كثيرًا ممن خرج الأحاديث السابقة عقدوا تراجم أبوابهم بذكر التسمية كما هو ملاحظ.
_________________
(١) ١ السنن، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به إذا دخل بيته (٢/١٢٧٩) . ٢ المسند (٣/٣٤٦، ٣٨٣) . ٣ الجامع، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في التسمية على الطعام (٥/٥٩٥) . ٤ السنن، كتاب الأطعمة، باب التسمية عند الطعام (٢/١٠٨٦-١٠٨٧) . ٥ صحح سنن ابن ماجه (٢/٢٢٤) . ٦ الصحيح، كتاب الأطعمة، باب المؤمن يأكل في معىً واحد (٩/٥٣٦) .
[ ٢٨٨ ]
٢ - يستحب التسمية في أوَّل كل أمر ذي بال كالدخول، والخروج، والأكل، والشراب، والوزن، والكيل، وعدَّ النقود، واللباس، والجماع، ويلحق بها ما في معناها، وحمد الله تعالى في آخره. وقد نقل النووي الإجماع على استحباب التسمية وقال: فإن الشيطان يتمكن من أكل الطعام إذا شرع فيه إنسان بغير ذكر الله تعالى، وأكل الشيطان محمول على ظاهره وأنه يأكل حقيقة إذ العقل لا يحيله، والشرع لم ينكره، بل أثبته، فوجب قبوله واعتقاده١.
٣ - وقد قيل: إن معنى ذلك هو استحسان الشيطان رفع البركة من ذلك الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه٢.
٤ - أن الشيطان لم يسلَّط بإذن الله تعالى على من يسمي من أجل بركة التسمية، لأن في ذكر الله تعالى ودعائه اعتصامًا من الشيطان وأعوانه، فلا يشركهم الشيطان ولا يقربهم، وبذلك تحصل البركة٣.
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم (١٣/٨٨-٩٠) بتصرف، وانظر الأذكار للنووي (ص٣٠٥-٣٠٧) . ٢ انظر: فتح الباري (٩/٥٢٢) . ٣ فتح الباري (٩/٢٢٩) ببعض التصرف. ٤ سورة العنكبوت: من الآية رقم (٤٥) . ٥ الصحيح، كتاب الحيض باب تقضي الحائض المناسك كلها (١/٤٠٧) . وكتاب الأذان، باب هل يتبع المؤذن فاه ها هنا (٢/١١٤) وهو في الموضعين معلق. ٦ الصحيح، كتاب الحيض، باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها (١/٢٨٢) .
[ ٢٨٩ ]