التّوكُّل على الله - ﷾ - مع الأخذ بالأسباب
حقيقة التوكّل هو اعتماد القلب على الله تعالى في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد - مع هذا الاعتماد واليقين - من مباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وتعطيل هذه الأسباب يعد قادحًا في نفس التوكل معطلًا للحكمة والشرع١.
ويأتي التوكل بعد حصول التقوى كأثر من آثارها ولازم من لوازمها، ولذا قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٣.
فهكذا جعل الله تعالى - في هاتين الآيتين - التوكل بعد التقوى الذي هو قيام الأسباب المأمور بها، فحينئذ إن توكل على الله فهو حسبه وكافيه.
قال القرطبي: "التوكل هو: الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض واتباع سنة نبيه ﷺ في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من مطعم ومشرب، وتحرز من عدو وإعداد "٤ أ؟. وقال الإمام القشيري: "اعلم أن التوكل محله القلب، وأما الحركة بالظاهر فلا تنافي التوكل بالقلب، بعدما يحقق العبد أن الرزق من قبل الله تعالى، فإن تعسر شيء فبتقديره، وإن تيسًّر شيء فبتيسيره"٥.
وقد ذكر الله تعالى موقف الرسول ﷺ وأصحابه عندما خوفهم بعض الناس -
_________________
(١) ١ زاد المعاد (٤/١٥) بتصرف. ٢ سورة المائدة: الآية رقم (١١) . ٣ سورة الطلاق: الآيتان رقم (٢-٣) . ٤ الجامع لأحكام القرآن (٤/٢٠٠) . ٥ الجامع لأحكام القرآن (٧/٩) .
[ ٢٨٠ ]
كيدًا بهم - عدوَّهم قريشًا ومن معهم بأنهم قد جمعوا لهم إذ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ١. فهكذا خوفهم بعض الناس من عدوهم مشركي مكة ومن معهم فما كان من المؤمنين إلا أن قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، توكلوا على الله بعد الأخذ بالأسباب فكفاهم الله ما أهمهم ورد عنهم بأس من أراد كيدهم من المشركين عقب أحُد فانقلبوا بنعمة السلامة، وزيادة من فضل الله مما شروا وتجروا من السوق فربحوا٢.
وقد كان رسول الله ﷺ سيد المتوكلين على ربه، يأمر بالتوكل على الله والانقطاع إليه بعد الأخذ بالأسباب في كل الأحوال، وتصديق ذلك من سنته ﷺ ما جاء في حديث عمران بن الحصين - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: "من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها". أخرجه الطبراني في الأوسط٣ والصغير٤ ومن طريقه أبو بكر الخطيب٥، وأخرجه أيضًا البيهقي٦، وابن أبي حاتم٧، بهذا اللفظ وقال الطبراني عقبه في الصغير: لم يروه عن هشام بن حسان إلا الفضيل بن عياض، تفرد به إبراهيم بن الأشعث الخراساني. وقال الهيثمي٨
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: الآيتان رقم (١٧٣-١٧٤) . ٢ انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/٥٧٢) باختصار شديد. ٣ المعجم الأوسط (٤/٢١٥-٢١٦) . ٤ المعجم الصغير (١/١١٦) . ٥ تاريخ بغداد (٧/١٩٦) . ٦ شعب الإيمان (٢/٢٨، ١٢٠) . ٧ تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (١٠/٣٦٦٠) . ٨ مجمع الزوائد (١٠/٣٠٣-٣٠٤) .
[ ٢٨١ ]
بعد أن عزاه للطبراني في الأوسط: فيه إبراهيم بن الأشعث صاحب الفضيل، وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يُغرب ويخطئ ويخالف، وبقية رجاله ثقات.
قلت: ويشهد لهذا الحديث ما ذكر بعده من أحاديث كما يشهد له ظاهر القرآن، والله أعلم.
وحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - مرفوعًا عند كل من: أبي داود١، والترمذي٢، وأحمد٣، والطبراني٤، والحاكم٥ بلفظ: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل"، وفي لفظ آخر: "من نزل به حاجة فأنزلها بالناس كان قمنًا من أن لا تسهل حاجته، ومن أنزلها بالله آتاه الله برزق عاجل أو بموت آجل". اللفظ الأول للترمذي، واللفظ الآخر لأحمد، والباقون بنحوه عندهما. وقال الترمذي بعده: "حديث حسن صحيح غريب". وقال الحاكم عقبه: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
فبين في هذا الحديث أن من حصل له حاجة شديدة من فقر أو ضيق معيشة فعرضها على الناس وأظهرها بطريق الشكاية لهم، وطلب إزالة فاقته منهم لم تسدَّ فاقته ولم تقض حاجته، وهكذا كلما سد حاجة أصابته أخرى أشد منها. لكن إذا أنزلها بالله واعتمد على مولاه فإن الله يعجل له ويسرع برزق عاجل أي يسار وغنى، أو بموت قريب له غني فيرثه٦.
_________________
(١) ١ السنن، كتاب الزكاة، باب في الاستعفاف (٢/١٢٢) . ٢ الجامع. كتاب الفتن،، باب ما جاء في هم الدنيا (٦/٦١٧-٦١٨) . ٣ المسند (١/٣٨٩، ٤٤٢) . ٤ المعجم الكبير (١٠/١٥) . ٥ المستدرك (١/٤٠٨) . ٦ انظر: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (٦/٦١٨-٦١٩) بتصرف.
[ ٢٨٢ ]
وقد قال ابن عباس - ﵄ -: "كنت خلف النبي ﷺ يومًا، فقال: "يا غلام إني أعلِّمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفَّت الصحف" أخرجه الترمذي١ وأحمد٢ وهذا اللفظ للترمذي، ولفظ أحمد قريب منه، وقال الترمذي بعده: حديث حسن صحيح.
كما ذكر الترمذي بعده بنفس الباب حديث أنس - ﵁ -: أن رجلًا قال للنبي ﷺ: يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "اعقلها وتوكل" يريد ناقته. وقال الترمذي عقبه: "حديث غريب من حديث، أنس لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
وعن حبة وسواء ابني خالد - ﵄ - قالا: دخلنا على النبي ﷺ وهو يعالج شيئا، فأعناه عليه، فقال: "لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر، ليس عليه قشر، ثم يرزقه الله ﷿" عند كل من: إبن ماجه٣، وابن حبان٤، وأحمد٥، والطبراني٦، واللفظ عندهم
_________________
(١) ١ الجامع، كتاب القيامة، باب منه (٧/٢١٩-٢٢٠) . ٢ المسند (١/٢٩٣، ٣٠٧) . ٣ السنن، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين (٢/١٣٩٤) . ٤ الصحيح (الإحسان) (٨/٣٤) رقم (٣٢٤٢) ولفظ ابن حبان: (لا تنافسا في الرزق ما هزت رؤوسكما ) . ٥ المسند (٣/٤٦٩) . ٦ المعجم الكبير (٤/٧-٨) .
[ ٢٨٣ ]
إلا ابن حبان فهو عنده بنحوه. وقال البوصيري١: "إسناد حديثهما صحيح رجاله ثقات"، لكن قال ابن حجر٢: "روى الحديث ابن ماجه بإسناد حسن".
قلت: والقلب إلى تحسينه أميل، وذلك لأن سلاَّم٣ بن شرحبيل أحد رواته مقبول عند الحافظ ابن حجر، ولم يوثقه سوى ابن حبان، لكنه من التابعين الذين لم يعرفوا بكبير رواية ولم يشتهروا فتقادم العهد بهم، وصعب الاطلاع على حالهم فأجاز العلماء روايتهم واحتملوها.
وروى الترمذي٤، وابن ماجه٥، وأحمد٦، والحاكم٧ حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله يقول: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو٨ خماصا٩، وتروح١٠ بطانا١١". هذا لفظ ابن ماجه وأحمد في الموضع الثاني، وكذا الحاكم، وعند الترمذي وأحمد في الموضع الأول "لو أنكم كنتم توكلون"
_________________
(١) ١ مصباح الزجاجة (٣/٢٨٤) . ٢ الإصابة (١/٣٠٤) ترجمة حبة بن خالد. ٣ انظر ترجمة سلام هذا في التهذيب (٤/٢٨٥)، تقريب التهذيب (ص ٢٦١) . ٤ الجامع، كتاب الزهد، باب ما جاء في الزهادة في الدنيا (٧/٨) . ٥ السنن، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين (٢/١٣٩٤) . ٦ المسند (١/٣٠، ٥٢) . ٧ المستدرك (٤/٣١٨) . ٨ الغدو: هو: السير أول النهار نقيض الرواح. النهاية في غريب الحديث (٣/٣٤٦) . ٩ خماصًا: أي ضامرة البطون جياعًا. النهاية في غريب الحديث (٢/٨٠) . ١٠ تروح: من الرواح آخر النهار. النهاية في غريب الحديث (٢/٢٧٢) بتصرف. ١١ بطانًا: أي ممتلئة البطون. النهاية في غريب الحديث (١/١٣٦) .
[ ٢٨٤ ]
والباقي بنحوه. وقال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ولم يتعقبه الذهبي.
وهكذا يتضح مما سبق أن التوكل والانقطاع إلى الله سبب في حصول الرزق والبركة فيه وقضاء الحاجات، ورفع الحرج والضيق بإذن الله تعالى.
[ ٢٨٥ ]