التوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى بالتزام فعل ما يجب، وترك ما يكره، أي هي: الرجوع لما يكرهه الله ظاهرًا وباطنا، إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنا.
والاستغفار: هو محو الذنب، وإزالة أثره ووقاية شره، وستره. والاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمنه، وكل منهما يدخل في مسمَّى الآخر، عند الإطلاق والإفراد، وأما عند الاقتران أي اقتران أحدهما بالآخر كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ١، فيكون الاستغفار هنا طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله٢.
قلت: ومن المهم هنا أن يُعلم أن التوبة والاستغفار عبادة تَعَبَّدَنا الله تعالى بها باستمرار وعلى الدوام، سواء أوقعت ذنوب أو معاصي أم لم تقع، لكن إن حصلت - وما أكثرها! - إذ الإنسان خطاء، فيجب الإسراع إلى التوبة والندم وكثرة الاستغفار. وهذه العبادة لها أهمية بالغة يصعب استقصاء فضلها وفوائدها هنا لكن مما لا شك فيه، فيها رضى الرب ﷿ وقربٌ منه، وبعدٌ عن الشيطان، واستجلابٌ الخيرات وحصول البركات، ودفعٌ للشرور والمكروهات، ونصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ناطقة حافلة بهذا، ومن ذلك قول هود - ﵇ - لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ٣.
ذكر القرطبي: أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار، وأن عادًا كانوا
_________________
(١) ١ سورة هود: من الآية رقم (٣) . ٢ انظر: مدارج السالكين (١/٣٣٢-٣٣٥) بتصرف. ٣ سورة هود: الآية رقم (٥٢) .
[ ٢٩٩ ]
أهل بساتين وزروع وعمارة فحبس عنهم المطر فقال لهم هود إن آمنتم وأكثرتم الاستغفار يحيي الله بلادكم ويرزقكم، الأموال والأولاد، ويزيدكم قوة إلى قوتكم١.
وقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ ٢.
واضح - في هذه الآيات - أن التوبة والطاعة وكثرة الاستغفار سبب في بسط الرزق وحصول المال والبركة فيه، وهكذا أرشد نوح - ﵇ - قومه إلى الطاعة وكثرة الاستغفار، أي إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه، وأطعتموه، كثر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع وأدرَّ لكم الضرع وأمدكم بأموال وبنين، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار وخللها بالأنهار الجارية بينها٣.
قال ابن كثير: "يستحب قراءة هذه السورة في صلاة الاستسقاء لأجل هذه الآية: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ "٤. وقال الشعبي: خرج عمر﵁ - يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فأمطروا. فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟. فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر. ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ أخرجه كل من عبد الرزاق٥،
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن (٩/٥٣-٥٤) بتصرف. ٢ سورة نوح: الآيات رقم (١٠-١٢) . ٣ الجامع لأحكام القرآن الكريم (١٨/٢٨٩)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٤/٥٤٧) . ٤ تفسير القرآن العظيم (٤/٥٤٦) . ٥ المصنف لعبد الرزاق (٣/٨٧) رقم (٤٩٠٢)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (١٨/٢٩٠) .
[ ٣٠٠ ]
وابن أبي شيبة١، وابن أبي حاتم٢، والبيهقي٣. والشعبي وإن أدرك جماعة من الصحابة وروى عنهم إلا أنه لم يسمع من عمر - ﵁ - كما ذكر غير واحد منهم ابن أبي حاتم٤، وقد قال العجلي: لا يكاد الشعبي يرسل إلا صحيحًا، وقال الآجري عن أبي داود: مرسل الشعبي أحب إليَّ من مرسل النخعي٥.
وقد روى الأثر عن عمر غير واحد - أيضًا - منهم عطاء عند عبد الرزاق٦، وابن المسيب عند البيهقي٧، وأبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي عن أبيه عند البيقهي٨ أيضًا، وفيه قال عبيد السعدي ألا يتكلَّم لما خرج له، ولا أعلم أن الاستسقاء هو الاستغفار فمطرنا.
وقد جاء الأثر أيضًا مسندًا مختصرًا عند ابن أبي شيبة قال: ثنا وكيع عن عيسى بن حفص بن عاصم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه قال خرجنا مع عمر بن الخطاب - ﵁ - نستسقي فما زاد على الاستسقاء٩.
_________________
(١) ١ المصنف (٢/٤٧٤) . ٢ تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (٦/٢٠٤٥) . ٣ السنن الكبرى (٣/٣٥١-٣٥٢)، ومعرفة السنن والآثار (٥/١٧٤) . ٤ المراسيل (ص ١٦٠) . ٥ تهذيب التهذيب (٥/٦٧-٦٨)، ولم أقف عليه في (سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود)، فالله أعلم. ٦ المصنف (٣/٨٦-٨٧) . ٧ معرفة السنن والآثار (٥/١٧٣-١٧٤) . ٨ السنن الكبرى (٣/٣٥١) . ٩ المصنف (٢/٤٧٤) .
[ ٣٠١ ]
قلت: وإسناده متصل ورجاله كلهم ثقات بلا استثناء. وبهذا يصح الأثر عن عمر - ﵁ - والله أعلم.
وقد بين الرسول ﷺ سيِّد الاستغفار كما جاء عند البخاري١ فقال: "سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنتن خلقتني وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ".
وقد جاء عند البخاري٢ أنه ﷺ قال: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة". وعند مسلم٣ قال: قال ﷺ: "إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" وفي رواية "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة". كل هذا مع أنه ﷺ قد غفر له ما تقدم وما تأخر من ذنبه كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًالِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ ٤، وقد تقدم في الشكر أنه كان ﷺ يقوم حتى تتفطَّر قدماه. فلما سئل قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا.
وواضح مما سبق أن التوبة والاستغفار سبب لكل خير دنيوي وأخروي.
ومن جملة ذلك حصول الخير والبركة في المال، ودفع كل سوء ومكروه. وقد
_________________
(١) ١ الصحيح، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار (١١/٩٧-٩٨) . ٢ الصحيح، كتاب الدعوات، باب استغفار النبي - ﷺ - في اليوم والليلة (١١/١٠١) . ٣ الصحيح، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه (٤/٢٠٧٥-٢٠٧٦) . ٤ سورة الفتح: الآيتان رقم (١-٢) .
[ ٣٠٢ ]
وجد كذلك نصوص صريحة في هذا.
منها: ما رواه أبوداود١، وابن ماجه٢، والنسائي٣، وأحمد٤، والطبراني٥، والحاكم٦، والبيهقي٧ من حديث ابن عباس - رضي الله - عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "من لزم الاستغفار - وفي لفظ (أكثر) - جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب". وصححه الحاكم، لكن تعقبه الذهبي قائلا: "أحد رواته فيه جهالة"، وقال المنذري: "في إسناده الحَكَم بن مصعب، ولا يحتج به"٨، كما ضعفه الألباني بسبب الحكم بن مصعب أيضًا٩.
قلت: وقد رمز السيوطي له بالصحة١٠، وقال صاحب التاج: "سنده صحيح"١١، كما قال أحمد شاكر-أيضًا - إسناده صحيح، وقد ذكر الاختلاف في الحكم بن مصعب ورجح تعديله، كما رد على المنذري فقال: "وهذا غلو
_________________
(١) ١ السنن، كتاب الصلاة، باب في الاستغفار (٢/٨٥) . ٢ السنن، كتاب الأدب، باب الاستغفار (٢/١٢٥٤) . ٣ عمل اليوم والليلة، حديث رقم (٤٥٦) . ٤ المسند (١/٢٨٤) . ٥ المعجم الكبير (١٠/٣٤٢) حديث رقم (١٠٦٦٥) . ٦ المستدرك (٤/٢٦٢) . ٧ السنن الكبرى (٣/٣٥١) . ٨ مختصر سنن أبي داود (٢/١٥٢) . ٩ سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم (٧٠٥) . ١٠ الجامع الصغير (٢/١٦٦) . ١١ التاج الجامع للأصول (٥/١٥٠) .
[ ٣٠٣ ]
منه شديد"١.
وقد روى الربيع بن صبيح أن رجلًا أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة، فقال له الحسن: "استغفر الله"، فأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال له: "استغفر الله"، وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه، فقال له: "استغفر الله"، وأتاه آخر فقال له: "ادع الله أن يرزقني ابنا"، فقال له: "استغفر الله". فقلنا له: "أتاك رجال يشكون إليك أبوابًا، ويسألونك أنواعًا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار"، فقال: "ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيئًا، إنما اعتبرت فيه قول الله تعالى إخبارًا من نبيه نوح - ﵇ - أنه قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ "٢.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر٣ هذا الأثر عن الحسن البصري مع شيء من الاختلاف في الألفاظ، ثم قال: "وكأنَّ المُصَنِّف - يريد البخاري - ألمح بذكر هذه الآية إلى أثر الحسن البصري"أ؟.
قلت: والربيع بن صبيح هذا سمع الحسن البصري، وثقه جماعة وضعفه آخرون، لكنه لم يتعمد الكذب، ولا يدلس وقد لخص الحافظ ابن حجر حاله قائلًا: "صدوق سيء الحفظ، وكان عابدًا مجاهدًا، وقد روى له الترمذي وابن ماجه والبخاري تعليقًا"٤.
_________________
(١) ١ المسند، حديث رقم (٢٢٣٤) . ٢ تفسير الحسن البصري (٥/١٩٩-٢٠٠) . ٣ فتح الباري (١١/٩٨) . ٤ تهذيب التهذيب (٣/٢٤٧-٢٤٨)، التقريب (ص ٢٠٦) .
[ ٣٠٤ ]