الحمد لله خالق الخلق، وباسط الرزق، فتنة وابتلاءً منه لعباده ليميز الطائعين الشاكرين من العاصين الجاحدين. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
وبعد؛ فقد جعل الله ﷾ رزقه يسع كل حيٍّ من مخلوقاته فضلًا منه ورحمة، فقدَّر رزق الإنسان، وكتبه والإنسان في بطن أمه، كما جاء عند مسلم١: "إنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله وعمله، وشقي أو سعيد ".
وصح عنه ﷺ من حديث أبي الدرداء أنه قال: "إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله". عند كل من ابن أبي عاصم٢ والدراج٣ والبزار٤ وابن حبان٥، والطبراني في الكبير٦، والبيهقي٧، بهذا اللفظ إلا أنه فيه عند الطبراني "أكثر مما يطلبه أجله" صححه البزار، وابن حبان، وقال الهيثمي رجاله ثقات٨، وقال المنذري عقبه: رواه الطبراني بإسناد جيد.
وقال ﷺ: "إن الله قَسَمَ بينكم أخلاقكم كما قَسَمَ بينكم أرزاقكم "
_________________
(١) ١ الصحيح، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه (٤/٢٠٣٧-٢٠٣٨) . ٢ السنة (١/١١٧) . ٣ جزء الدراج (مخطوط) حديث رقم (٨) . ٤ كشف الأستار (٢/٨٢) . ٥ الإحسان إلى تقريب صحيح ابن حبان (٥/٨) . ٦ كما في الترغيب والترهيب (٤/١٢)، ومجمع الزوائد (٤/٧٢) ولعله في الجزء المفقود من المعجم، لأنني طلبته فيه فلم أجده. ٧ شعب الإيمان (٢/٧١) . ٨ مجمع الزوائد (٤/٧٢) .
[ ٢٤٩ ]
من حديث ابن مسعود رواه أحمد١ والحاكم٢، وهو مطول عندهما وهذا جزء منه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) في ثلاثة مواطن من حديث ابن مسعود فقال في مرة: رواه أحمد ورجال إسناده بعضهم مستور وأكثرهم ثقات٣، وقال في موطن: رواه الطبراني موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح٤، وقال في الموطن الأخير٥: رواه أحمد ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف.
ولحكمة أرادها الله - ﷾ - جعل هذا التقدير، والتقسيم للأرزاق خافيًا على العباد مغيبًا عنهم، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ٦.
كما شاءت إرادته جل وعلا أن جعل المال محببًا إلى النفوس مرغوبًا فيه سجية وطبعًا فقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٧، وقال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ ٨.
وما من شك في أن المال فيه خير للإنسان إن أحسن استعماله في محاله وقد سماه تعالى خيرًا إذ قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ المسند (١/٣٨٧) . ٢ المستدرك (٢/٤٤٧) . ٣ المجمع (١/٥٣) . ٤ المجمع (١٠/٩٠) . ٥ المجمع (١٠/٢٢٨) . ٦ سورة لقمان: آية ٣٤. ٧ سورة الكهف: آية ٤٦. ٨ سورة الفجر: آية ٢٠. ٩ سورة البقرة: آية ١٨٠.
[ ٢٥٠ ]
وقال ﷺ: "نعم المال الصالح للرجل الصالح" طرف من حديث طويل لعمرو بن العاص - ﵁ - عند أحمد١، والطبراني٢، وأبي يعلى٣، هذا لفظ أحمد والطبراني، وعند أبي يعلى: "يا عمرو نعمَّا بالمال الصالح للرجل الصالح"، وقال الهيثمي٤: رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح، وقال العراقي: سنده جيد٥.
فالمال خير، وهو محبوب وصالح لازم لقضاء مصالح الإنسان في معاشه ومعاده إذ هو وسيلة لأداء كثير من العبادات من حج وعمرة، وزكاة، وصدقات، وكفارات ونذور، وصلة أرحام، وطلب علم وغيرها من المصالح.
والرزق وإن كان مكتوبًا بقضاء الله ﷿ كما سلف إلا أنه - سبحانه - يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية لها؛ ولهذا جاء الحض والأمر بالسَّعي في طلب الرزق أخذًا بالأسباب للازدياد من الخير وحصول البركة في المال، لكي تستمر الحياة عى وجه الأرض، فيكف الإنسان وجهه عن سؤال الآخرين ويتجنب ذلَّ الحاجة والعوز في معيشته.
وحتى يكون سعي الإنسان في طلب الرزق حسنًا مباركًا فيه رابحًا مشكورًا عليه، لا خسارة ووبالًا مردودًا عليه فقد أرشده الإسلام إلى دخول بيوت الرزق وحصول البركة والنماء فيه من أبوابها، وسلوك الأسباب الجالبة للخيرات والبركات دون غيرها.
_________________
(١) ١ المسند (٤/١٩٧) . ٢ المعجم الأوسط (٤/١٣٠)، (١٠/٨)، وعزاه الهيثمي (٤/٦٤) أيضًا للطبراني في الكبير، لكنه من الجزء المفقود، والله أعلم. ٣ المسند (١٣/٣٢٠-٣٢٢) رقم (٧٣٣٦) . ٤ مجمع الزوائد (٤/٦٤) . ٥ المغني عن حمل الأسفار في الأسفار (هامش إحياء علوم الدين) (٤/٩٨) .
[ ٢٥١ ]
ولما كان كثير من الناس - منذ زمن ليس بالقليل - قد ملك حب المال قلوبهم، واستولت شهوته تمامًا على نفوسهم، وكأنهم لأجل ذلك وحده خلقوا، فشمَّروا عن ساعد الجد، راكبين الصعب والذلول في الحصول على الأرزاق وتكثير الأموال، غير مكتفين في هذا الطلب والسعي بدخول بيوتات الرزق من أبوابها، بل مقتحمين من كل نافذة وطاقة بكل حرص وشراهة، غير متقيدين بالطرق المشروعة، ولا مبالين بالنتائج المقبوحة، وهم - مع هذا - أو أكثرهم يكثر الشكاية من القلة في الرزق، ومحق البركة من الرواتب والأموال، وعدم التوفيق في شؤون الحياة ومصالحها.
لهذا فقد رأيت أن أسهم بتذكير نفسي أولًا ثم بتذكير إخواني ثانيًا بكتابة هذا البحث "البركة في الرزق، والأسباب الجالبة لها"، الذي أرجو أن يكون نافعًا في بابه، وسببًا من الأسباب التي يشاء الله - ﷿ - إجراءها وسوقها لنفع عباده، وتذكيرهم ببعض مالهم وما عليهم فيما يخصهم في أرزاقهم.
وقد جعلت هذا البحث منتظمًا في مقدمة، ومبحثين، وخاتمة، وفهرسين، وذلك على النحو الآتي:
١ – المقدمة:
وفيها الإشارة إلى أهمية الموضوع، وسببه، وخطته.
٢ - المبحث الأول:
وفيه مطلبان. الأول: فيه شرح بعض الألفاظ الواردة في عنوان البحث، مع الإشارة إلى حدود البحث. الثاني: فيه المنهج الذي سرت عليه في أثناء البحث.
٣ - المبحث الثاني:
ويشتمل على أهم الأسباب الجالبة للبركة، وفيه عشرة مطالب هي:
المطلب الأول: تقوى الله - ﷿ - والتقرب إليه بالطاعات: (الصلاة، الحج والعمرة، الزكاة وما يتبعها من صدقات، وصلة أرحام) .
[ ٢٥٢ ]
المطلب الثاني: التوكل على الله - ﷾ - مع الأخذ بالأسباب.
المطلب الثالث: التسمية في كل الأحوال.
المطلب الرابع: الذكر والدعاء.
المطلب الخامس: شكر الله تعالى وحمده.
المطلب السادس: التوبة والاستغفار.
المطلب السابع: السعي في الكسب وطلب الرزق أخذًا بالأسباب: (الكسب الحلال المباح، الصدق والأمانة في التعامل، البكور في طلب الرزق) .
المطلب الثامن: القناعة والعفاف والإجمال في الطلب.
المطلب التاسع: الاقتصاد في المعيشة: (حسن التدبير والاقتصاد في المعيشة، كيل الطعام) .
المطلب العاشر: اتباع السنة.
٤ - الخاتمة:
وفيها أهم النتائج.
٥ – فهرس المصادر والمراجع.
وختامًا أحمد الله - تعالى - وأشكره على أن وفقني لمثل هذا الموضوع، وأعانني على إتمامه، فإن وافقني في هذا العمل الرشد والصواب فذلك من فضل الله وتوفيقه وتمام إنعامه، وإن حصل فيه شئ من خطأ أو مجانبة للصواب، فذلك من تقصيري ومن الشيطان، وأستغفر الله منه، وعزائي أنني عملت ما بوسعي أن أعمله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين لا شريك له.
[ ٢٥٣ ]