قال أبو جعفر الطحاوي "فذهب قوم إلى كراهة البكاء على الميت واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وبما قد روى عن رسول الله ﷺ إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" (٢)
قال الشيرازي: (ويجوز البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة لما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال يا إبراهيم إنا لا نغني عنك من الله شيئا ثم ذرفت عيناه فقال له عبد الرحمن بن عوف يا رسول الله أتبكي أو لم تنه عن البكاء قال لا ولكن نهيت عن النوح ولا يجوز لطم الخدود وشق الجيوب لما روى عبد الله ابن مسعود أن النبي ﷺ قال ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) (٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب من أتاه سهم غرب فقتله ج٣/ص١٠٣٤،، وابن حبان في باب ذكر إيجاب الجنة لمن قتل في الحرب نظارا وإن لم يرد به القتال ولا قاتل ج١٠/ص٥٢٠،، والترمذي في التفسير باب ومن سورة المؤمنون ٥/٣٢٧،، وأحمد في باقي مسند المكثرين ١١٨٠٤، ١٢٧٢٣، ١٢٧٧٣، ١٣٢٤٤، ١٣٢٨٧، ١٣٣٦٨، ١٣٥٠٠، ١٣٥٠٤،، والنسائي في الكبرى ٥/٦٥،، والبيهقي باب من أتاه سهم غرب فقتله ج٩/ص١٦٧
(٢) شرح معاني الآثار ج٤: ص٢٩١
(٣) المهذب ج١:ص١٣٩
[ ٧٤ ]
قال النووي: " قال الشافعي والأصحاب البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده ولكن قبله أولى لحديث جابر بن عتيك ﵁: (أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله ﷺ دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموت) (١)
_________________
(١) أخرجه أبو داود باب فضل من مات في الطاعون ج٣/ص١٨٨،، والنسائي باب النهي عن البكاء على الميت ٤/١٣،،،،وفي الكبرى باب في النهي عن البكاء على الميت ١/٦٠٦،، والشافعي في المسند ١/٣٦٢،والأم ١/٣١٨،،والحاكم في الجنائز ١/٥٠٣،، وابن حبان في ذكر البيان بأن المصطفى لم يرد بقوله الشهداء خمسة ٧/٤٦١، وباب ذكر الخصال التي تقوم مقام الشهادة٧/٤٦٣،، والبيهقي في باب من رخص في البكاء إلى أن يموت الذي يبكى ٤/٦٩، وباب سياق أخبار تدل على جواز البكاء٤/٧٠،، من طريق عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحرث بن عتيك وهو جد عبد الله بن عبد الله أبو أمه أنه أخبره أن عمه جابر بن عتيك أخبره قال النووي: " حديث صحيح رواه مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة" وتقدم في المتن. قلت: إسناد أبي داوود حسن فإن عتيك بن الحارث بن عتيك مقبول كما في التقريب. وأخرجه النسائي في باب من خان غازيا في أهله ٦/٥١ من طريق جعفر بن عون عن أبي عميس عن عبد الله بن عبد الله بن جبر عن أبيه أن رسول الله ﷺ عاد جبرا.. وفي هذه الرواية اختلاف.
[ ٧٥ ]
حديث صحيح رواه مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة ولفظ الشافعي في الأم:"وأرخص في البكاء قبل الموت فإذا مات أمسكن" (١) قال النووي: "وقال صاحب الشامل وطائفة يكره البكاء بعد الموت لظاهر الحديث في النهي ولم يقل الجمهور ويكره وإنما قالوا الأولى تركه قالوا وهو مراد الحديث ولفظ الشافعي محتمل هذا كله في البكاء بلا ندب ولا نياحة أما الندب والنياحة ولطم الخد وشق الجيب وخمش الوجه ونشر الشعر والدعاء بالويل والثبور فكلها محرمة باتفاق الأصحاب وصرح الجمهور بالتحريم ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة وكذا وقع لفظ الكراهة في نص الشافعي في الأم وحملها الأصحاب على كراهة التحريم وقد نقل جماعة الإجماع في ذلك قال إمام الحرمين ﵀ ورفع الصوت بإفراط في معنى شق الجيب قال غيره هذا إذا كان مختارا فإن كان مغلوبا لم يؤاخذ به لأنه غير مكلف" (٢)
واختلف العلماء في أحاديث تعذيب الميت بالبكاء فتأولوها على وجوه:
- فتأولها المزني والشافعية وجمهور العلماء على من وصى أن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم لأنه بسببه ومنسوب إليه قالوا فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب ببكائهم ونوحهم لقوله تعالى: «وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» (٣)
- وقالت طائفة هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما فمن أوصى بهما أو أهمل الوصية بتركهما يعذب بهما لتفريطه بإهماله الوصية بتركهما فأما من أوصى بتركهما فلا يعذب بهما إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما فمن أهملها عذب بهما
_________________
(١) الأم ١/٣١٨
(٢) المجموع ٥/٢٧٢
(٣) سورة الإسراء آية ١٥
[ ٧٦ ]
- وقالت طائفة معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم وتلك الشمائل قبائح في الشرع فيعذب بها كما كانوا يقولون يا مرمل النسوان ومؤتم الولدان مخرب العمران ومفرق الأخدان ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرا وهو حرام شرعا
- وقالت طائفة معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم وإلى هذا ذهب محمد بن جرير وغيره قال القاضي عياض: وهو أولى الأقوال. واحتجوا بحديث فيه "أن النبي ﷺ زجر امرأة عن البكاء على أبيها وقال إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم."
- وقالت عائشة ﵂ معنى الحديث أن الكافر وغيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم
والصحيح من هذه الأقوال ما قدمناه عن الجمهور وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين والله أعلم (١)
وقال النووي: "والندب حرام وهو أن يعد شمائل الميت فيقال واكهفاه واجبلاه ونحو ذلك، والنياحة حرام والجزع بضرب الخد وشق الثوب ونشر الشعر حرام وإذا فعل أهل الميت شيئا من ذلك لا يعذب الميت والحديث فيه متأول على من أوصى بالنياحة عليه" (٢)
قال ابن قدامة: " أما البكاء بمجرده فلا يكره في حال" (٣)
_________________
(١) ذكرهذه الأقوال جميعا النووي في المجموع ج٥/ص٢٧٢- ٢٧٥
(٢) روضة الطالبين ج٢:ص١٤٥
(٣) المغني ٣/٤٨٧
[ ٧٧ ]
ومن خلال دراستي للأحاديث تبين لي أن البكاء على الميت حزنا دون تسخط ولا جزع ولا ندب جائز بدليل فعل النبي ﷺ وأصحابه كما سبق أن ذكرته ولا فرق في ذلك بين ما كان قبل الموت أو بعده، أما حديث جابر بن عتيك أن رسول الله ﷺ: (جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به رسول الله ﷺ فلم يجبه فاسترجع رسول الله ﷺ وقال غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل بن عتيك يسكتهن فقال رسول الله ﷺ دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموت قالت ابنته والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا فإنك كنت قد قضيت جهازك قال رسول الله ﷺ إن الله ﷿ قد أوقع أجره على قدر نيته وما تعدون الشهادة قالوا القتل في سبيل الله تعالى قال رسول الله ﷺ الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة) (١)
_________________
(١) أخرجه أبو داود باب فضل من مات في الطاعون ج٣/ص١٨٨،، والنسائي باب النهي عن البكاء على الميت ٤/١٣،،،،وفي الكبرى باب في النهي عن البكاء على الميت ١/٦٠٦،، والشافعي في المسند ١/٣٦٢،،والحاكم في الجنائز ١/٥٠٣،، وابن حبان في ذكر البيان بأن المصطفى لم يرد بقوله الشهداء خمسة ٧/٤٦١، وباب ذكر الخصال التي تقوم مقام الشهادة٧/٤٦٣،، والبيهقي في باب من رخص في البكاء إلى أن يموت الذي يبكى ٤/٦٩، وباب سياق أخبار تدل على جواز البكاء٤/٧٠،، من طريق عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن عتيك بن الحرث بن عتيك وهو جد عبد الله بن عبد الله أبو أمه أنه أخبره أن عمه جابر بن عتيك أخبرهقال النووي: " حديث صحيح رواه مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة" وتقدم في المتن. قلت: إسناد أبي داوود حسن فإن عتيك بن الحارث بن عتيك مقبول كما في التقريب. وأخرجه النسائي في باب من خان غازيا في أهله ٦/٥١ من طريق جعفر بن عون عن أبي عميس عن عبد الله بن عبد الله بن جبر عن أبيه أن رسول الله ﷺ عاد جبرا.. وفي هذه الرواية اختلاف.
[ ٧٨ ]
والمقصود بالبكاء الذي نهين عنه هنا البكاء بصوت لقوله "فصاح" والصياح هو الصوت مع البكاء (١)، وبهذا يمكن الجمع بين الأحاديث الدالة على بكاء النبي ﷺ وإقراره بكاء أصحابه.
أما حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) (٢) فقد أجاب عنه العلماء بأن عائشة ﵂ أجابت عنه بقولها: (يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها فقال إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها) وذلك في حديث ابن عمر السابق نفسه كما جاء مطولا عند البخاري ومسلم وغيرهما (٣)، وروى الطحاوي الحديث من رواية لعائشة ﵂ قالت: (أما والله ما تحدثون هذا الحديث عن الكاذبين ولكن السمع يخطئ وإن لكم في القرآن لما يشفيكم ألا تزر وازرة وزر أخرى ولكن رسول الله ﷺ قال إن الله ﷿ ليزيد الكافر عذابا ببعض بكاء أهله عليه) (٤)
_________________
(١) ينظر هامش ٤
(٢) أخرجه البخاري في باب قول النبي ﷺ يعذب الميت ١/٤٣٢،، ومسلم في باب الميت يعذب٢/٦٣٩، ٦٤٠، ٦٤١، ٦٤٣،،وأبو داود في النوح على الميت١/٦٠٩،،والنسائي في النياحة على الميت ٤/١٧،،وفي الكبرى باب النياحة على الميت ١/٦٠٩،، والترمذي في باب ماجاء في الرخصة في البكاء على الميت ٣/٣٨٢،،والشافعي في المسند ١/١٨٢،، وابن حبان في ذكر الأخبار بتعذيب الله موتى الكفرة بما نيح عليهم ٧/٣٩٣،،والحاكم في كتاب العتق ٢/٢٣٤، وفي تفسير سورة النجم ٢/٥١١،، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم باب كراهية النياحة على الميت٣/١٢، ١٣، ١٤، ١٥،، والبيهقي في باب سيلق أخبار تدل على أن الميت يعذب بالنياحة٤/٧٢، ٧٣،، والربيع في المسند باب في القبور ١/١٩٥
(٣) تقدم تخريجه في الهامش السابق
(٤) شرح معاني الآثار ج٤:ص٢٩٢
[ ٧٩ ]
فلا بأس بالبكاء على الميت إذا كان بكاء لا معصية معه من قول فاحش ولا نياحة دليل ذلك ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: (اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشيته فقال قد قضى فقالوا لا والله يا رسول الله فبكي رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا فقال ألا تسمعون أن الله تعالى لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم) (١)
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب البكاء عند المريض ١/٤٣٩،، باب الإشارة في الطلاق ٥/٢٠٢٨،، ومسلم في باب البكاء على الميت ٢/٦٣٦،،وابن حبان في ذكر الإخبار بأن المرء مؤاخذ عندما امتحن ٧/٤٣١،، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم٣/١٠،، والبيهقي في باب سياق أخبار تدل على جواز البكاء على الميت ٣/١١١،، وفي السنن الصغرى في باب البكاء على الميت ٣/١٥٥
[ ٨٠ ]
وتحزن المرأة حين يفارقها زوجها أو تشعر بأنها أسخطته، وكلما كانت له أكثر حبا كان حزنها لفراقه أكثر وندمها على إسخاطه أشد وأوجع كما بلغ الحزن من زوجات رسول الله ﷺ مبلغا عظيما حين أسخطنه وهجرهن، بل اشتد ذلك على أهلهن وذويهن وعامة المسلمين كما أخبر ابن عباس (لبثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ فجعلت أهابه فنزل يوما منزلا فدخل الأراك فلما خرج سألته فقال عائشة وحفصة ثم قال كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئا فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقا من غير أن يدخلهن في شيء من أمورنا وكان بيني وبين امرأتي كلام فأغلظت لي فقلت لها وإنك لهناك قالت تقول هذا لي وابنتك تؤذي النبي ﷺ فأتيت حفصة فقلت لها إني أحذرك أن تعصي الله ورسوله وتقدمت إليها في أذاه فأتيت أم سلمة فقلت لها فقالت أعجب منك يا عمر قد دخلت في أمورنا فلم يبق إلا أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه فرددت وكان رجل من الأنصار إذا غاب عن رسول الله ﷺ وشهدته أتيته بما يكون وإذا غبت عن رسول الله ﷺ وشهد أتاني بما يكون من رسول الله ﷺ وكان من حول رسول الله ﷺ قد استقام له فلم يبق إلا ملك غسان بالشام كنا نخاف أن يأتينا فما شعرت إلا بالأنصاري وهو يقول إنه قد حدث أمر قلت له وما هو أجاء الغساني قال أعظم من ذاك طلق رسول الله ﷺ نساءه فجئت فإذا البكاء من حجرهن كلها وإذا النبي ﷺ قد صعد في مشربة له وعلى باب المشربة وصيف فأتيته فقلت استأذن لي فأذن لي فدخلت فإذا النبي ﷺ على حصير قد أثر في جنبه وتحت رأسه مرفقة من آدم حشوها ليف وإذا أهب معلقة وقرظ فذكرت الذي قلت لحفصة وأم سلمة والذي ردت علي أم سلمة فضحك رسول الله صلى
[ ٨١ ]
الله عليه وسلم فلبث تسعا وعشرين ليلة ثم نزل) (١)
وقد يكون من دواعي الحزن رؤية تفريط الناس في دينهم وذهاب هيبته من نفوسهم، أو رؤية المنكرات، لاسيما عند عدم القدرة على تغييرها كما حكى الزهري ﵀ قال: (دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت ما يبكيك فقال لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت) (٢)