ومما لا يقدر الإنسان على منع نفسه منه دمعة تنزل لتألمه ألما نفسيا أو جسميا، فالدموع مظهر طبيعي للتعبير عن تألم الإنسان يشترك فيها الكبير والصغير، وإن كان بعض الناس أجلد من بعض، ومن أمثلة ذلك في السنة ما حدث به ابن عباس: (أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي ﷺ لعباس يا عباس إلا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا فقال النبي ﷺ لو راجعته قالت يا رسول الله تأمرني قال إنما أنا أشفع قالت لا حاجة لي فيه) (٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب ما كان النبي ﷺ يتجوز من اللباس والبسط ج٥/ص٢١٩٧،، ومسلم في الطلاق / باب في الإبلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى وإن تظاهرا عليه ج٢/ص١١٠٥ والترمذي في تفسيرا لقرآن/ باب ومن سورة التحريم ٥/٤٢٠ (رقم ٣٣١٨)،، وأبو عوانة في باب الخبر المبين أن الرجل إذا قال لامرأته اختاري ٣/١٦٨،، وأحمد ٢١٧
(٢) أخرجه البخاري في باب تضييع الصلاة عن وقتها ج١/ص١٩٨،، وأحمد في باقي مسند المكثرين ١١٥٣٩، ١٢٦٩١
(٣) أخرجه البخاري في باب خيار الأمة تحت العبد ج٥/ص٢٠٢٣،، وأبو داود في باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد ٢/٢٧٠،، والنسائي باب إشارة الحاكم بالرفق ٨/٢٤٥،، وابن ماجة في باب خيار الأمة إذا عتقت ١/٦٧١،، وابن حبان باب ذكر الخبر المصرح بأن زوج بريرة كان عبدا١٠/٩٦،، والدارمي في باب سنن الدارمي باب في تخيير الأمة تكون تحت العبد فتعتق ج٢/ص٢٢٣،، والبيهقي في باب الأمة تعتق وزوجها عبد٧/٢٢٢
[ ٨٢ ]
فهو يبكي عليها لما كان بينهما من العلاقة المشروعة، ثم تألم لما عتقت وتأبت عليه فكان يتبعها ويبكي، ولم ينكر عليه النبي ﷺ البكاء بل رق له وتشفع فيه.
ومن بكاء الألم بكاء الصبي فإنه يبكي جوعا ويبكي خوفا، وقد كان ﷺ يقدر بكاءه ويشفق على أمه التي تسمع بكاءه وهو في الصلاة فيخفف صلاته رأفة بها وبه كما صح عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: (إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه) (١)
_________________
(١) أخرجه البخاري باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي ج١/ص٢٥٠،، وباب صلاة النساء خلف الرجال ١/٢٩٦،، ومسلم في باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام ١/٣٤٢،،وباب اعتدال أركان الصلاة وتخفيها في تمام ١/٣٤٣،،وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم المسند المستخرج على صحيح مسلم باب كيف ينبغي للناس أن يصلوا مع الإمام ج٢/ص٨٤،،وابن حبان في ذكر خبر ثان قد يوهم من لم يحكم صناعة العلم ٥/٢٠٥،،وباب ذكر ما يستحب للإمام أن تكون صلاته بالقوم خفيفة ٥/٥١٠،، وابن خزيمة باب تقدير الإمام الصلاة بضعفاء المأمومين ٣/٥٠،،وأبو داود باب تخفيف الصلاة للأمر يحدث ٢/٣١٦،،والنسائي في باب الرخصة للأمام في التطويل ٢/٩٥،،وفي الكبرى باب ما على الإمام من التخفيف١/٢٩٠ والترمذي في باب ما جاء أن النبي ﷺ قال ٢/٢١٤،، وابن ماجة باب الإمام يخفف الصلاة إذا حدث أمر ١/٣١٧،، والدارقطني في باب تخفيف القراءة لحاجة ٢/٨٦،، والبيهقي في باب الإمام يخفف القراءة للأمر يحدث ٢/٣٩٣،،وأبو عوانة في المسند ٢/٨٨، ٢/٤٢١
[ ٨٣ ]
وحينما يكون البكاء منهم على أمر يخالف مصلحتهم فإنه يحتمل ولا يؤبه به كع أنهم لا يلامون عليه ولا يوبخون، كما روي عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة وأول من يدخل عليها إذا قدم فاطمة فقدم من غزاة له وقد علقت مسحا أو سترا على بابها وحلت الحسن والحسين قلبين من فضة فقدم فلم يدخل فظنت أن ما منعه أن يدخل ما رأى فهتكت الستر وفككت القلبين عن الصبيين وقطعته بينهما فانطلقا إلى رسول الله ﷺ وهما يبكيان فأخذه منهما وقال يا ثوبان اذهب بهذا إلى آل فلان أهل بيت بالمدينة إن هؤلاء أهل بيتي أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج) (١)
_________________
(١) رواه أبو داود في باب ما جاء في الانتفاع بالعاج ج٤/ص ٨٧ من طريق مسدد قال ثنا عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن جحادة عن حميد الشامي عن سليمان المنبهي عن ثوبان،، والبيهقي في باب المنع من الادهان في عظام الفيلة ١/٢٦من الطريق نفسه، وهذا إسناد ضعيف، الشامي والمنبهي مجهولان، قال ابن حجر في التقريب.
[ ٨٤ ]