قال الله تعالى «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ» (٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري باب مناقب أبي بن كعب ج٣/ص١٣٨٥،، وباب تفسير سورة لم يكن البينة ٤/١٨٩٦،، ومسلم في باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل.. ١/٥٥٠،، وفي كتاب فضائل الصحابة/ باب من فضائل أبي بن كعب وجماعة من الأنصار٤/١٩١٥،، وأبو نعيم في المسند المستخرج عل مسلم ٢/٣٩٠،، والترمذي في باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي وأبي عبيدة بن الجراح ج٥/ص٦٦٤،، والنسائي في الكبرى باب سورة البينة ٦/٥٢٠
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان/ باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ج١/ص٨٧،، وابن خزيمة في باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ١/٢٧٦،، وابن حبان في باب سجود التلاوة ٦/٤٦٥،، وأبو نعيم في المسند المستخرج باب إذا قرأ ابن آدم السجدة ١/١٥٩،، وابن ماجة في باب سجود التلاوة ١/٣٣٤،، وأبو عوانة باب التسليم بعد سجدتي السهو٢/٢٠٦،، وسعيد بن منصور في باب قوله تعالى " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم " ٢/٥٥٣
(٣) سورة الدخان ٢٩
[ ٩٨ ]
قال ابن كثير:" أي لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم" (١) وحمل كثير من أهل العلم هذا على الحقيقة قال الطبري: "عن سعيد بن جبير قال أتى بن عباس رجل فقال يا أبا عباس أرأيت قول الله ﵎ (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) فهل تبكي السماء والأرض على أحد قال نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه وفيه يصعد عمله فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه بكى عليه وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير قال فلم تبك عليهم السماء والأرض" وذكر ذلك عن عدد من التابعين منهم مجاهد وسعيد بن جبير (٢) وذهب بعضهم إلى أن ذلك من المجاز قال الشيخ السعدي:" هذا التعبير مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم وفيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال عنه بكت عليه السماء والأرض ومنه ما روي أن المؤمن إذا مات ليبكي عليه مصلاه ومحل عبادته ومصاعد عمله ومهابط رزقه وآثاره في الأرض وعن الحسن يبكي عليه أهل السماء والأرض " (٣)
_________________
(١) تفسير ابن كثير ج٤/ص١٤٣
(٢) جامع البيان ٢٥/١٢٥
(٣) تفسير السعدي ج١/ص٥٥٢
[ ٩٩ ]
وقد دلت السنة على أن الجماد يبكي إذا استدعاه حدث للبكاء إلا أن البشر لا يدركون بكاءه كما لا يدركون تسبيحهم، ومن الأدلة على بكاء الجماد بكاء النخلة التي كان ﷺ يخطب عندها، أخبر جابر بن عبد الله ﵄ (أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأة من الأنصار أو رجل يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا قال إن شئتم فجعلوا له منبرا فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي ثم نزل النبي ﷺ فضمها إليه تئن أنين الصبي الذي يسكن قال كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها) (١)
قال ابن حجر: " قال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها السلف عن الخلف، ورواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف. وفي الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكا كالحيوان بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لقول من يحمل (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (٢) على ظاهره. " (٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب علامات النبوة ج٣/ص١٣١٤،، صحيح ابن خزيمة باب ذكر العلة التي لها حن الجذع عند قيام النبي ﷺ على المنبر وصفة منبر النبي ﷺ ج٣/ص١٤٠،، وابن حبان في ذكر حنين الجذع الذي كان يخطب عليه المصطفى ﷺ لما فارقه ١٤/٤٣٥،، والترمذي في باب ماجاء في الخطبة على المنبر ٢/٣٧٩،، وابن ماجة في باب ما جاء في بدء المنبر ١/٤٥٥،، والبيهقي في باب مقام الإمام في الخطبة ٣/١٩٥،، والدارمي في باب ما أكرم النبي ﷺ بحنين ١/٣٠، وباب مقام الإمام إذا خطب.. ١/٤٤٢
(٢) سورة الإسراء آية ٤٤
(٣) فتح الباري ٦/٦٠٣
[ ١٠٠ ]
قال ابن عبد البر: " ومن حمل ذلك على الحقيقة قال جائز أن ينطقها الله كما تنطق الأيدي والجلود والأرجل يوم القيامة وهو الظاهر من قول الله ﷿: «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ» (١) ومن قوله: «وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» الآية و«قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ» (٢) وقال: قوله ﷿ «تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ» (٣) أي تتقطع عليهم غيظا كما تقول فلان يتقد عليك غيظا وقال ﷿ «إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا» (٤) فأضاف إليها الرؤية والتغيظ إضافة حقيقية وكذلك كل ما في القرآن من مثل ذلك واحتجوا بقول الله ﷿: «يَقُصُّ الحَقَّ» (٥) ومن هذا الباب عندهم قوله: «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ» (٦) " (٧)