وكما يبكي المرء من الحزن فهو يبكي من الفرح أيضا، ولا يكون ذلك غالبا إلا حينما يبلغ الفرح منه مبلغا عظيما كما بكى أبو هريرة لإسلام أمه، بعد أن بكى قبل حزنا لضلالها،
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة/باب من لعنه النبي ﷺ أو سبه ٤/٢٠٠٩،، وابن حبان في باب ماجعل الله جل وعلا دعوة المصطفى.. ١٤/٤٤٤
[ ٩٦ ]
قال أبو هريرة: (كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ اللهم اهد أم أبي هريرة فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله ﷺ فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسمعت أمي خشف قدمي فقالت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت يا أبا هريرة اشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا قال قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا قال فقال رسول الله ﷺ اللهم حبب عبيدك هذا يعني أبا هريرة وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني) (١) ومن ذاق حلاوة الإيمان تمناها لأحب حبيب، وليس أحب من الأم لذا بلغت فرحة أبي هريرة قمتها لاسيما وقد تأبت عليه وأظهرت ما آيسه من إسلامها.
_________________
(١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة / باب من فضائل أبي هريرة الدوسي ﵁ ج٤/ص١٩٣٨،، وابن حبان في باب ذكر الخبر الدال على أن محبة أبي هريرة من الأيمان ١٦/١٠٧
[ ٩٧ ]
وفرح أبي بن كعب بأمر الله لنبيه ﷺ أن يقرأ عليه سورة البينة وتسميته له حتى بكى من الفرح، كما حدث بذلك أنس بن مالك ﵁ قال: (قال النبي ﷺ لأبي إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب قال وسماني قال نعم فبكى) (١)
وهل من شيء خير للمؤمن من أن يذكره الله تعالى ويخصه بخصوصية ينفرد بها عن غيره.