كثيرا نرى أحدا يبكي فنبكي لبكائه وربما لا نعرف سبب بكائه، وإنما يكون ذلك بسبب التداعي والتهييج وهو ما يعرف بالموافقة وذلك في بدء الأمر لا شيء فيه من حيث الذم أو المدح، فإذا تبين السبب واستمر البكاء كان للموافِق حكم الموافَق أجرا أو تأثما، وفي السنة دلائل على بكاء الموفقة منها ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: (اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشيته فقال قد قضى فقالوا لا والله يا رسول الله فبكي رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاء رسول الله - ﷺ- بكوا فقال ألا تسمعون أن الله تعالى لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم) (٢)
_________________
(١) هذا لفظ مسلم أخرجه في كتاب / باب في الإيلاء ٢/١١٠٥،، وأخرجه البخاري ف باب باب الغرفة والعلية المشرفة في السطوح ٢/٨٧٢،، وباب ما كان النبي ﷺ يتجوز من اللباس ٥/٢١٩٧،، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم ٤/١٦٠،، وبن حبان في باب ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به.. ٩/٤٩٦،، وباب ذكر البيان بأن المرء جائز له أن يؤدب امرأته ٩/٤٩٣،، وباب ذكر الخبر بأن عائشة لما خيرها المصطفى.. ١٠/٨٦،، والترمذي في باب ومن سورة التحريم ٥/٤٢١،، والدارمي في ابا في الرجعة ٢/٢١٤،، وأبو عوانة في باب الخبر المبين أن الرجل إذا قال لامرأته اختاري٣/١٦٣،، والبيهقي في باب ما وجب عليه من تخيير النساء ٧/٣٧
(٢) تقدم هامش ١١٨
[ ٨٩ ]
ومنها ما جاء في حديث الإفك الطويل وفيه رفعة عائشة ﵂ واستجابة المولى لدعائها وإظهاره لبراءتها رحمة بها لما ظلمت وافتري عليها الإفك حتى بكت وبكت وبكت شهرا لا يجف لها دمع ولا تهنأ بطعام، فعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله منه قال الزهري وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم أوعى من بعض وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا زعموا أن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول اللهﷺ- من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه فأقبل الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم وإنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج فاحتملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منزلهم وليس فيه أحد فأممت منزلي الذي كنت به فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته فوطىء يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة فهلك من هلك وكان الذي تولى الإفك
[ ٩٠ ]
عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا يفيضون من قول أصحاب الإفك ويريبني في وجعي أني لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض إنما يدخل فيسلم ثم يقول كيف تيكم لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع متبرزنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مرطها فقالت تعس مسطح فقلت لها بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا فقالت يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله ﷺ فسلم فقال كيف تيكم فقلت ائذن لي إلى أبوي قالت وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله ﷺ فأتيت أبوي فقلت لأمي ما يتحدث به الناس فقالت يا بنية هوني على نفسك الشأن فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها فقلت سبحان الله ولقد يتحدث الناس بهذا قالت فبت الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم فقال أسامة أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال يا بريرة هل رأيت فيها شيئا يريبك فقالت بريرة لا والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول فقال رسول الله
[ ٩١ ]
ﷺ من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ فقال يا رسول الله أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك فقام أسيد بن الحضير فقال كذبت لعمر الله والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا ورسول الله ﷺ على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت
[ ٩٢ ]
وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح عندي أبواي قد بكيت ليلتين ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي قالت فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء قالت فتشهد ثم قال يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة وقلت لأبي أجب عني رسول الله ﷺ قال والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال قالت والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ قالت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن فقلت إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم وصدقتم به ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم إني لبريئة لا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ثم تحولت على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات فلما سري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي يا عائشة احمدي الله فقد برأك الله فقالت لي أمي
[ ٩٣ ]
قومي إلى رسول الله ﷺ فقلت لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ» (١) الآيات فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة فأنزل الله تعالى «وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ» إلى قوله «أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (٢) فقال أبو بكر بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال يا زينب ما علمت ما رأيت فقالت يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها إلا خيرا قالت وهي التي كانت تساميني فعصمها الله بالورع) (٣)
وفي هذا الحديث بكاء عائشة ﵂ لما علمت بخبر الإفك، ورأت من رسول الله ﷺ ما لم تكن ترى من الجفاء فعتبت وأسفت لما يمكن أن يكون وقر في قلوب أهلها من التصديق بالخبر أو تطرق الشك إلى نفوسهم، وفي الحديث تبين أن الأصحاب يوافقون أصحابهم في مشاعرهم فيبكون لبكائهم بدليل بكاء المرأة مع عائشة ﵂ ولم ينهها رسول الله ﷺ عن ذلك فدل على الإباحة.
_________________
(١) سورة النور آية١١
(٢) سورة النور آية٢٢
(٣) أخرجه البخاري في باب تعديل النساء بعضهن بعضا٢/٩٤٢-٩٤٥،، وباب حديث الإفك ٤/١٥١٩،، وباب قوله: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون.. ٤/١٧٧٦،، ومسلم في باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف ٤/٢١٣٣،، وابن حبان في ذكر ما يجب على المرء من الإقراع بين النسوة ١٠/١٧، وباب ذكر إنزال الله جل وعلا الآي في براءة عائشة.. ١٦/١٦،، والبيهقي في باب قرعة الرجل بين نسائه ٥/٢٩٧، وباب قوله تعالى إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم ٦/٤١٧
[ ٩٤ ]