حينما تصيب المؤمن مصيبة من فقد مال أو ولد أو والد أو قريب أو حبيب يأتي الشيطان محزنا فيضيق على العبد دنياه وكأنه يفنى إلى الأبد ولا لقاء في دار أخرى فتنقطع نياط القلب ويجد المصاب في قلبه حسرة ولجوفه زفرة ويحسن له الشيطان إظهار حزنه بالصراخ والعويل وشق الجيب ولطم الخد ويظن أن ذلك يخفف من ألمه أو ينفس عنه، والشيطان لا يزيده بذلك إلا ألما، لذا جاء النهي عن النياحة كما في حديث أبي مالك الأشعري: أن النبي ﷺ قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) (١)
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز/ باب تحريم النياحة ٦/٢٣٦
[ ٦٠ ]
وفي ذلك روت أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (لما جاء رسول الله ﷺ قتل بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله ﷺ يعرف فيه الحزن قالت وأنا أنظر من صائر الباب شق الباب فأتاه رجل فقال يا رسول الله إن نساء جعفر وذكر بكاءهن فأمره أن يذهب فينهاهن فذهب فأتاه فذكر أنهن لم يطعنه فأمره الثانية أن يذهب فينهاهن فذهب ثم أتاه فقال والله لقد غلبننا يا رسول الله قالت فزعمت أن رسول الله ﷺ قال اذهب فاحث في أفواههن من التراب قالت عائشة فقلت أرغم الله أنفك والله ما تفعل ما أمرك رسول الله ﷺ وما تركت رسول الله ﷺ من العناء) (١)
وبوب البخاري قال: (باب ما يكره من النياحة على الميت وقال عمر ﵁ دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة والنقع التراب على الرأس واللقلقة الصوت) وذكر فيه حديث المغيرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (إن كذبا علي ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار سمعت النبي ﷺ يقول من نيح عليه يعذب بما نيح عليه) (٢)
وأخرج فيه حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (جيء بأبي يوم أحد قد مثل به حتى وضع بين يدي رسول الله ﷺ وقد سجي ثوبا فذهبت أريد أن أكشف عنه فنهاني قومي ثم ذهبت أكشف عنه فنهاني قومي فأمر رسول الله ﷺ فرفع فسمع صوت صائحة فقال من هذه فقالوا ابنة عمرو أو أخت عمرو قال فلم تبكي أو لا تبكي فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع) (٣)
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز/ باب تحريم النياحة ٦/٢٣٦
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز/باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه /٦/٢٣٤
(٣) ج١/ص٤٣٤
[ ٦١ ]
والمقصود يالنياحة هنا التصويت بالجزع وتكلف البكاء لأجل التحزين، وكان العرب يسمون المشاركة في النياحة إسعادا ويرون واجبا عليهم أن ينوحوا مع من ناح عليهم،كما في حديث أم عطية ﵂ قالت: (بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا أن لا يشركن بالله شيئا ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة يدها فقالت أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها فما قال لها النبي ﷺ شيئا فانطلقت ورجعت فبايعها) (١)
وفي هذه العادة الجاهلية مناقضة لما جاء به الإسلام من الحث على الصبر والاحتساب لذا جاء النهي عنها والتغليظ والتشديد في النهي كما سبق، ولا يفهم من ترك النبي ﷺ للمرأة لتذهب للمشاركة في النياحة أن ذلك إقرار لها، بل هو من عدم قبول بيعتها، وإنما تركها لتعمل عمل الجاهلية لبقائها عليها فلما أنهت علاقتها بالجاهلية وعملها بايعها.
ومما يدل على إنكار النبي ﷺ للنياحة والإسعاد فيها حديث
أم سلمة قالت: (لما مات أبو سلمة قلت غريب وفي أرض غربة لأبكينه بكاء يتحدث عنه فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني فاستقبلها رسول الله ﷺ وقال أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتا أخرجه الله منه مرتين فكففت عن البكاء فلم أبك) (٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب إذا جاءكم المؤمنات ٤/١٨٥٦
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز/ باب البكاء على الميت ج٢/ص٦٣٥،،وأحمد في باقي مسند الأنصار ٢٥٢٦٧،، وابن أبي شيبة في باب في التعذيب في البكاء على الميت ٣/٦٢
[ ٦٢ ]
وكل ما صاحب البكاء عند المصيبة من شق جيب ولطم خد وتصويت وتلفظ بما يدل على الجزع والسخط يعد من النياحة سواء كان ذلك من المبتلى أو من المساعد له من قرابته، وبعضهم يستأجر من ينوح له ويبكي ميته، وهذا داخل في النهي فعن عبد الله ﵁ قال: (قال النبي ﷺ ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) (١)
لذا وعظ النبي ﷺ المرأة التي تبكي بجزع وأراد عزاءها فلم تستجب حتى لامها من بحضرتها لسوء ردها على رسول الله ﷺ كما جاء بذلك الخبر عن أنس بن مالك ﵁ قال: (مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري قالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها إنه النبي ﷺ فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت لم أعرفك فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى) (٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز/ باب ليس منا من شق الجيوب ج١/ص٤٣٥
(٢) أخرجه البخاري في الأحكام باب ما ذكر أن النبي ﷺ لم يكن له بواب ج٦/ص٢٦١٥،، وفي الجنائز باب زيارة القبورج١/ص٤٣٠،وباب قول الرجل للمرأة عند القبر واصبري١/٤٢٢،، ومسلم في الجنائز باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى ٢/٦٣٧،، والترمذي في الجنائز ٩٠٩،، والنسائي في الجنائز١٨٤٦،،وفي الكبرى باب ما يقول إذا أصابته مصيبة ٦/٢٦٣،، وأبو داود في الجنائز باب الجلوس عند المصيبة٣/١٩٢ (٢٧١٧)،، وابن ماجة في ما جاء في الجنائز١٥٨٥،وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم ٣/١٢،، وأحمد في باقي مسند المكثرين ١١٨٦٨، ١٢٠٠٣، ١٢٧٩٦،، والبيهقي باب الرغبة في أن يتعزى بما أمر الله تعالى ٤/٦٥،،وفي الصغرى باب زيارة القبور٣/١٢٤،،وأبو يعلى ٦/١٧٦، ٢٢٢،، وابن الجعد ١/٢٠٨
[ ٦٣ ]
ولا يعني ذلك النهي عن البكاء عند الحزن مطلقا؛ بل البكاء الذي لا يملك له المرء دفعا يدخل في المباح الذي فعله النبي ﷺ وأقره وسيأتي تفصيل ذلك في الباب التالي إن شاء الله.