عندما تتطلع النفوس العالية إلى القمة وترغب في الوصول إلى مرضاة من تحب تزيل كل عقبة في طريقها؛ لكن حينما تكون العقبة عائقة والوصول متعذر تنقطق النفوس إثرها وتخفق القلوب ويفارق العين الكرى فيبيت المؤمن في ألم وحسرة تدمع من شدتها عيون الرجال، كما يصور القرآن هذا المشهد الرائع في سورة التوبة
(وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (١)
_________________
(١) تفسير ابن كثير ج٢/ص٣٨٣
[ ٣٣ ]
وكما يبكي الصالحون على فوات فضل أو منزلة عند الله، فقد بكى قبلهم من هو خير منهم من الأنبياء والمرسلين كبكاء موسى ﷺ لما فاته من كثرة التابعين الذين رآهم مع محمد ﷺ، روى في الصحيح عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ﵄ أن نبي الله - ﷺ - حدثهم عن ليلة أسري به بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت فقد قال وسمعته يقول فشق ما بين هذه إلى هذه فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به قال من ثغرة نحره إلى شعرته وسمعته يقول من قصه إلى شعرته فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض فقال له الجارود هو البراق يا أبا حمزة قال أنس نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم
[ ٣٤ ]
المجيء جاء ففتح فلما خلصت إلى إدريس قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد - ﷺ - قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل من معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا إبراهيم قال هذا أبوك فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فقلت ما هذان يا جبريل قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال هي الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى فقال بم أمرت قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى
[ ٣٥ ]
فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم قال فلما جاوزت نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) (١)
_________________
(١) أخرجه البخاري باب المعراج ج:٣ ص: ١٤١٠،،ومسلم في الإيمان باب الإسراء برسول الله ﷺ ١/١٥٠،، وأبو نعيم في المستخرج ١/٢٣٣،، وأبو عوانة باب كراهية الألحان في القرآن ١/١٠٨ وابن حبان في باب ذكر وصف الإسراء١/٢٣٨،، والترمذي في تفسير القرآن ٣٢٦٩وأحمد٤/٢٠٩،، والطبراني في الكبير١٩/٢٢٤
[ ٣٦ ]
وكما بكى سعد بن أبي وقاص خوفا من الموت في أرض غير التي هاجر إليها فعن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدثه عن أبيه (أن النبي - ﷺ - دخل على سعد يعوده بمكة فبكى قال ما يبكيك فقال قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة فقال النبي - ﷺ- اللهم اشف سعدا اللهم اشف سعدا ثلاث مرار قال يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وإنما يرثني ابنتي أفأوصي بمالي كله قال لا قال فبالثلثين قال لا قال فالنصف قال لا قال فالثلث قال الثلث والثلث كثير إن صدقتك من مالك صدقة وإن نفقتك على عيالك صدقة وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة وإنك أن تدع أهلك بخير أو قال بعيش خير من أن تدعهم يتكففون الناس وقال بيده) (١)
_________________
(١) أخرجه مسلم في باب الوصية بالثلث ٣/١٢٥٢ بهذا اللفظ،،وأخرجه البخاري باب رثى النبي سعد بن خولة ١/٤٣٥،،وباب قول النبي ﷺ اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ٣/١٤٣١،، باب حجة الوداع ٤/١٦٠٠،، باب الدعاء برفع الوباء والوجع ٥/٢٣٤٣،، وباب قول النبي ﷺ من ترك مالا فلأهله٦/٢٤٧٦،، وابن خزيمة باب ذكرالدلائل الأخرى ٤/٦١
[ ٣٧ ]
وقد يكون المانع من تحصيل ما حصله الآخرون من الأجر لا إراديا كأن تحيض المرأة في أيام فاضلة يصومها الناس كيوم عرفة أو عاشوراء أو تريد التمتع بالحج فلا تتمكن من ذلك لأجل الحيض فحينئذ تستشرف النفس ويحال بينها وبين ما تشتهي فتندفع العين بالدمع سحا، كما كان من شأن عائشة ﵂ قالت: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ- في أشهر الحج وليالي الحج وحرم الحج فنزلنا بسرف قالت فخرج إلى أصحابه فقال من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه الهدي فلا قالت فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه قالت فأما رسول الله - ﷺ - ورجال من أصحابه فكانوا أهل قوة وكان معهم الهدي فلم يقدروا على العمرة قالت فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال ما يبكيك يا هنتاه قلت سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة قال وما شأنك قلت لا أصلي قال فلا يضيرك إنما أنت امرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب عليهن فكوني في حجتك فعسى الله أن يرزقكيها قالت فخرجنا في حجته حتى قدمنا منى فطهرت ثم خرجت من منى فأفضت بالبيت قالت ثم خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصب ونزلنا معه فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر فقال اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا ثم ائتيا ها هنا فإني أنظركما حتى تأتياني قالت فخرجنا حتى إذا فرغت وفرغت من الطواف ثم جئته بسحر فقال هل فرغتم فقلت نعم فآذن بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس فمر متوجها إلى المدينة) (١)
_________________
(١) أخرجه البخاري في الحج باب قول الله تعالى الحج أشهر معلومات فمن فرض ٢/٥٦٥،،وفي الحيض٢٨٥، ٢٩٤، ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٠٨،، وفي الجهاد والسير٢٧٣٣، ٢٧٦٢، ٢٧٦٣، وفي المغازي ٤٠٤٤، ٤٠٥٦، وفي الأضاحي ٥١٢٢، ٥١٣٣، وفي التمني ٦٦٨٨، ومسلم في الحج ٢١٠٨، ٢١٠٩، ٢١١٠، ٢١١١، ٢١١٢، ٢١١٣، ٢١١٤، ٢١١٥، ٢١١٦، ٢١١٧، ٢١١٨، ٢١١٩، ٢١٢٠، ٢١٢١، ٢١٢٢، ٢١٢٣، ٢١٢٤، ٢١٢٥، ٢١٢٦، ٢٣٥٣، ٢٣٥٤، ٢٣٥٥، ٢٣٥٦، ٢٣٥٧،،وابن حبان باب ذكر البيان بأن الأخبار الثلاثة التي ذكرناها٩/١٠٥،باب الموضع الذي أمرهم المصطفى ٢٢٦ وأخرجه الترمذي في الحج ٨٥٦، ٨٦٧،، والنسائي في الظهارة٢٨٨،،وفي الحيض صحيح مسلم ج١/ص٢٦٣ وفي الاستحاضة٣٤٦،،وفي مناسك الحج٢٦٩١، ٢٧١٣، ٢٧٥٣،، وأبو داود في المناسك ١٥١٨، ١٧٠٤،، وابن ماجة في الناسك ٢٩٥٤، ٢٩٩٠،، وأحمد ٢٢٩٧٢، ٢٣٠٣٠، ٢٣٤١٩، ٢٣٧٣٠، ٢٣٧٨٥، ٢٤١٤٣، ٢٤٢٦٩، ٢٤٦٥٤، ٢٤٨٩١، ٢٤٩٥٨، ٢٥٠٩٧، ٢٥١٣٩،، والدارمي في المناسك ١٧٨٨
[ ٣٨ ]
فهذا رسول الله ﷺ يحبس أمته جمعا لئلا يفوت زوجته فضل ذهب الناس به، وحرمت منه وبقي قلبها متعلقا به فيا له من خلق عظيم وتقدير كريم تتقاصر دونه كل هامات العالم الزاعم كفالة حقوق المرأة.
ومثل هذا ما روته عائشة زوج النبي - ﷺ - أن أم حبيبة بنت جحش ختنه (١) رسول الله - ﷺ - وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين فاستفتت رسول الله - ﷺ - في ذلك فقال رسول الله ﷺ إن هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي قالت عائشة فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء قال بن شهاب فحدثت بذلك أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال يرحم الله هندا لو سمعت بهذه الفتيا والله إن كانت لتبكي لأنها كانت لا تصلي) (٢) يعني أنها كانت تبكي لأنها كانت تشعر بالعجز عن تحصيل مرضاة الله بالصلاة لكثرة ما كانت تستحاض فتدع الصلاة ظنا منها أن سائر خروج الدم مهما طال يمنع المرأة من الصلاة.
_________________
(١) الختن أبوالمرأة والختنة أمها، والمخاتنة: المصاهرة. المصباح المنير١٦٤
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحيض حديث رقم (٥٠٣) ١/٢٦٣
[ ٣٩ ]