حين يستشعر المؤمن عظم مقام النبي ﷺ ومكانته بين الرسل وبين خلق الله كلهم، ويستشعر جهاده وحرصه على أمته وما بذله في سبيل انقاذ الأمة مما هي فيه من الضلال يجد الإجلال والتعظيم والمهابة لاسيما من عايشه وخالطه، لذا فإن صحابته يبكون حينما يشعرون بالتقصير في حقه مع ما يعرفون من علو منزلته، كما ورد عن سعيد بن جبير سمع بن عباس ﵄ يقول يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى قلت يا أبا عباس ما يوم الخميس قال اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا ما له أهجر استفهموه فقال ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه فأمرهم بثلاث قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم والثالثة خير إما أن سكت عنها وإما أن قالها فنسيتها قال سفيان هذا من قول سليمان) (١)
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب وقال عمر عن النبي ﷺ أقركم ما أقركم الله به ج٣/ص١١٥٥،، ومسلم باب الوصية لمن ليس له شيء يوصي به ٣/١٢٥٧،، وأبو عوانة في باب الخبر الدال على أن الموصي إذا لم ينصب وصيا ٣/ ٤٧٧، وباب منع المريض من ماله أن يتصدق منه٣/٤٧٨،، والبيهقي في باب لا يسكن أرض الحجاز مشرك ٩/٢٠٧
[ ٥٥ ]
ومع مقام رسول الله ﷺ العظيم إلا أنه كان يتحاشى ما يعلم أنه يسوء أصحابه فلا يضع نفسه موضع الريبة ولا يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه ولذا فقد قدر غيرة عمر بن الخطاب ﵁ مع أنه كان في المنام كما يشهد بذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: (بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ قال بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر قلت لمن هذا القصر قالوا لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته فوليت مدبرا قال أبو هريرة فبكى عمر بن الخطاب ثم قال أعليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله أغار) (١)
ويزداد المرء إجلالا لمقام النبي ﷺ حين يقف موقفا وقفه ﷺ ويتذكر موعظة وعظ بها كما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ (أنه كان واقفا بعرفات فنظر إلى الشمس حين تدلت مثل الترس للغروب فبكى واشتد بكاؤه وتلا قول الله ﷿ «اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ» إلى «الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ» فقال له عبده يا أبا عبد الرحمن قد وقفت معك مرارا لم تصنع هذا فقال ذكرت رسول الله ﷺ وهو واقف بمكاني هذا فقال أيها الناس لم يبق من دنياكم هذه فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه) (٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب التعبير باب القصر في المنام ج٦/ص٢٥٧٦،،كتاب بدء الخلق/ باب ماجاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة٣٠٠٣،، المناقب ٣٤٠٤،،كتاب النكاح /باب الغيرة٤٨٢٦،، وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة٤٤٠٩ / فضائل عمر رضي الله تعالى عنه،، وابن ماجة في المقدمة١٠٤،، وأحمد في باقي مسند المكثرين ٨١١٥
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين كتاب التفسير/ في تفسير سورة حم عسق ج٢/ص ٤٨١، قال الحاكم:" حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"،،
[ ٥٦ ]
وحين يقارن المرء نفسه وعمله وما بذل بالأنبياء وما عملوا وما بذلوا يستعظم مقامهم ويستصغر نفسه، وحينما يأتي الثناء عليهم ممن يجلون ويعظمون يزدرون أنفسهم فلا يملكون دموعهم إجلالا وإعظاما، وهذا الذي حدث لأبي بكر الصديق حين ذكر رسول الله ﷺ صدقته وبذله، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول الله - ﷺ- ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر قال فبكى أبو بكر وقال يا رسول الله هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله) (١)
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى كتاب المناقب / باب في فضل أبي بكر ﵁ ٧/٢٩٣،، والترمذي كتاب المناقب/ باب في مناقب أبي بكر ٥/٦٠٩وابن ماجة في المقدمة ج١/ص٣٦ واللفظ له،، وابن حبان في باب ذكر البيان بأن المصطفى ﷺ ما انتفع بمال أحد ما انتفع بمال أبي بكر رضوان الله عليه،ج١٥/ص٢٧٣،، وأحمد ٢/٢٥٣، ٢٦٦،،وابن أبي شيبة كتاب الفضائل / باب ما ذكر في أبي بكر الصديق ٦/٣٥١،، وعبد الرزاق في باب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم١١/٢٢٨ وأبو يعلى في مسند عائشة ٧/٣٩١، ٨/٣٠٨،، وإسحاق في المسند ٢/٢٥٨،، والحميدي في باب أحاديث عائشة رضي الله عنها٨/٣٠٨،، قال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" قال البصيري في مصباح الزجاجة " هذا إسناد رجاله ثقات"١/١٦،، قلت: رواته ثقات، لكن فيه عنعنة الأعمش وهو من الطبقة الثانية ممن احتمل الأئمة تدليسهم لإمامتهم..ويشهد له حديث أبي سعيد الخدري قال: " خطب النبي ﷺ فقال إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فبكى أبو بكر ﵁ فقلت في نفسي ما يبكي هذا الشيخ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فكان رسول الله ﷺ هو العبد وكان أبو بكر أعلمنا قال يا أبا بكر لا تبك إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر" أخرجه البخاري في الصلاة باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم ج١/ص١٧٧،، ومسلم في فضائل الصحابة ٤٤٣٩٠ مختصرا
[ ٥٧ ]
ومن إجلال النبي ﷺ وتعظيم مقامه تذكره وتذكر العهد الذي كان بينهم وبينه من الزهد والورع، وحين استشعار عدم البقاء على العهد فإن الدموع تترى، يصور ذلك ما صح عن عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فبكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول يا أبتاه أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا قال فأقبل بوجهه فقال: (إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إني قد كنت على أطباق ثلاث لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله - ﷺ- مني ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه قال فقبضت يدي قال مالك يا عمرو قال قلت أردت أن أشترط قال تشترط بماذا قلت أن يغفر لي قال أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله وما كان أحد أحب إلي من رسول الله - ﷺ - ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي) (١)
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان / باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج ٢/١٣٦،،وابن خزيمة في كتاب المناسك/ باب ذكر البيان أن الحج يهدم ما كان قبله من الذنوب والخطايا ٤/١٣١،، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح مسلم باب من أحسن في الإسلام ولم يؤاخذ ١/١٩٠،، وأبو عوانة في المسند١/٧٠،، والبيهقي في كتاب الجنائز/ باب ما يقال بعد الدفن ٤/٥٦،، وأحمد ٢١٦٢٠، ٢١٧٠٥،٢١٦٥٣
[ ٥٨ ]
ومن تعظيم رسول الله ﷺ كراهية سماع من يسبه أو يقول فيه ما يؤذيه والاضطراب لذلك لدرجة البكاء مهما كانت منزلة القائل ومهما كان قربه من السامع، قد يثير البكاء سببان معا تعظيم مقام - النبي صلى الله علية وسلم- والرحمة والشفقة بالقريب الذي لا يقدر الرسول ﷺ قدره فيكون متعرضا لسخط الله تعالى كما دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: (كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله -ﷺ - ما أكره فأتيت رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ اللهم اهد أم أبي هريرة فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله ﷺ فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسمعت أمي خشف قدمي فقالت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت يا أبا هريرة اشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا قال قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا قال فقال رسول الله ﷺ اللهم حبب عبيدك هذا يعني أبا هريرة وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني) (١)
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة ﵃ / باب من فضائل أبي هريرة الدوسي ﵁ ١٦/ ٥٢،، والحاكم في كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين / باب ذكر أخبار سيد المرسلين ٢/٦٠٠، وأحمد ٧٩١١
[ ٥٩ ]