نشرت سنة ١٩٣٠ (١)
لم أشعر منذ أيام إلا والباب يُقرَع قَرْعَ الشرطة، وصديقي الشاعر العبقري أنور العطار يطلب بلهفة واستعجال أن: هات لسان العرب، هات تاج العروس، هات الأساس
قلت: تفضل ادخل المكتبة وقل لي قبلُ: ماذا تريد؟
ولكنه لم يجبني، وأكبَّ على الكتب يطالع فيها ويقلب صفحاتها حتى وجد ضالّته، فألقاها مبتسمًا ابتسامةَ الظفر متنفسًا الصعداء وقال: ها هي كما قلت! لقد قلت للأستاذ معروف إن لفظة «الحادر» تُستعمَل في الغلام الجميل لا في الروضة الجميلة.
- ولكن الحق يا صديقي مع الأستاذ، ولا يغني عنك شيئًا أن يخصّصها القاموس بالغلام دون الروضة. وعَمَّن روى القاموس؟ إنهم أولئك البدو الرُّحَّل الذين لم يروا روضة ولا شاهدوا جنة! وعلامَ لا تُنقَل اللفظة من معنى خاص إلى عام ما دامت الحاجة تضطرنا إلى ذلك؟ وهل
_________________
(١) في «فتى العرب» بتاريخ ١٨/ ٥/١٩٣٠ (٢٠ ذي الحجة ١٣٤٨).
[ ٥٩ ]
فقطع عليّ كلامي غاضبًا بقوله: أنت إذن متحرر في اللغة تريد أن تتصرف فيها كما تريد وتضرب بدواوينها وعلمائها عرض الحائط؟
قلت: لا يا صديقي، أنا لا أريد أن نقطع صلتنا بها ولا أن نستبدل بها لهجاتنا العامية، بل أريد أن توضَع لتوسيعها وتنميتها قواعد تسير في ذلك عليها. وليس من المعقول أن تخرج هذه اللغة على قانون التجدّد والتغيّر الذي تخضع له الكائنات بأسرها وتبقى واقفةً عند حد واحد لا تغيره. وماذا يكون إذا استُعمل «الحادر» في الرَّوض بدل الغلام؟ نعم، لا أنكر أن عملًا كهذا العمل لا يقوم به إلا مَجْمَع لغوي، ولكن ما حيلتنا في هذا المجمع الذي يُحسَب علينا وليس لنا منه جدوى ولا فائدة؟ وما هو إلا كالطبل العظيم يملأ صوتُه الفضاءَ وهو فارغ!
ولكن صديقي أبى عليّ الموافقة، فاتفقنا على استفتاء اللغويين. وهذه هي صيغة الاستفتاء:
ما قولكم -دام فضلكم- في الخروج على السماع، واتّباع قواعد معينة في استعمال كلمة وُضعت لمعنى خاص في معنى عام، إذا خالف ذلك دواوين اللغة وكان فيه تنميتها وتوسيعها؟ مع العلم بأن الجمود على شيء واحد ممقوتٌ مخالف للطبيعة، وأنه لا بد من التجدد والتطور. أفتونا مأجورين.
* * *
[ ٦٠ ]