نشرت سنة ١٩٣٤ (١)
[قال ابن هُبَيرة: ما رأيت أكرم من الفَرَزدق، هجاني أميرًا، ومدحني معزولًا!]
وبعد، فقد كان على أصدقاء الأستاذ (أو أولئك الذين يتظاهرون بهذه الصداقة، والذين طالما فخروا بها وطالما أفادوا منها) أن يكتبوا عنه ويصفوا للناس أدبه، لا علينا نحن الذين لم يكن بيننا وبين الأستاذ إلا الصلة الرسمية؛ من حيث كان رئيسًا لديوان المعارف وكنّا من معلمي المدارس القروية الابتدائية، وصلة الأدب؛ من حيث هو قائد من قُوّاده الأكابر ونحن من جنوده الأصاغر.
_________________
(١) نُشرت هذه المقالة في جريدة «ألف باء» يوم الأحد ٨ نيسان ١٩٣٤ (٢٣ ذي الحجة ١٣٥٢)، وعلى أصلها المحفوظ تعليق بخط جدي ﵀ قال فيه: "كنت آتيًا من زاكية على الدراجة، فلمحت الأستاذ يسير وحده في شارع بغداد في حر الظهيرة، فعكفت على التفكير في أمره، ثم ذهبت فكتبت هذه الكلمة التي أغضبتُ بها عليّ رجال المعارف". وزاكية هي القرية التي درّس علي الطنطاوي في مدرستها في تلك السنة، وأخباره فيها في أول الجزء الثالث من «الذكريات» (مجاهد).
[ ٢٩٦ ]
وإذا كان قبل اليوم ما يمنعني من الثناء على الأستاذ والتحدث عن أدبه، وإذا كان قبل اليوم ما يحفزني إلى نقد آثاره والإيغال في هذا النقد حتى أجاوز به حدَّ النقد، وإذا كانت عزة النفس وخشية أن يُظَنّ بي المَلَق والتزلف (وأنا من أكره الناس لهما) إذا كان هذا ما منعي قبل اليوم من الثناء وساقني إلى النقد، فإن الوفاء والحق يوجبان عليّ اليوم أن أتكلم عن أدب الأستاذ فأطيل الكلام ولا أتحرج من الثناء.
وإذا كان لجبري «الموظف الكبير» خصوم وأصدقاء وناقمون عليه وراضون عنه، فما لجبري «الأديب الكبير» خصم ولا عليه ناقم، إلا أن تكون خصومة أدبية في الظاهر ومردّها إلى الوظيفة وما يتصل بالوظيفة. وقد ذهبت تلك الوظيفة وذهبت معها تلك الخصومات، وأصبح من الواجب على كل من يمتُّ إلى الأدب بصلة أن يهنّئ الأستاذ بانقطاعه إلى الأدب، ويهنئ الأدب بانقطاع الأستاذ إليه ونجاته من هذه الوظيفة التي كانت - مذ كانت- بَلِيّة على الأدباء، مُقَيِّدةً أفكارَهم وعواطفهم، معترِضةً سبيلَهم إلى الخلود، صارِفةً نفوسَهم السامية إلى غير ما خُلقت له وفُطرت عليه.
وذهاب الوظيفة قد يكون رُزْءًا ومصيبة على الموظفين الذين لا يرتفعون عن سواد الناس إلا على قوائم الكرسي، أما الموظفون الذين ترفعهم نفوسهم ومواهبهم وآثارهم فلا يزيدهم فَقْدُ الوظيفة إلا رِفعة وسُمُوًّا. وقد خسر المتنبي الوظيفة التي كان يحلم بها، ولكنه ربح الخلود على الدهر والجلوس على عرش الشعر ألف سنة. وقد انتهت أيام حافظ إبراهيم في الوظيفة، ولكنه
[ ٢٩٧ ]
بدأ في الشعر أيامَ الشباب من جديد.
ومهما يكن من أمر الوظيفة، فإنها لا تجعل الناس يقولون عن صاحبها: هذا مؤلف «خطط الشام» وهذا مؤلف «الجاحظ» و«المتنبي» ولو كان صاحبها وزيرًا أو رئيس ديوان (١). وقد نسي التاريخ أو كاد ينسى ملوك اليونان وكبار موظفيها، ولكنه لن ينسى أبدًا الشحّاد هوميروس، وقد نسي التاريخ -كما يقول تيوفيل كويته- اللآلئ التي في تاج الملك الأكبر لويس الرابع عشر، ولكنه لم ينسَ الرُّقَع التي في حذاء كورنيل!
فليهنأ سيدي الأستاذ وليهدأ بالًا، وليعكف على الأدب فالأدب سبيل الخالدين. وما دام يرى الأدب أُلْهِيَّة فَلْيَلْهُ به ما شاء أن يلهو. ولكنا -على رأينا- لا نراه لَهْوًا أبدًا، ولا نرى لَهْوَ الأستاذ إلا الجِدّ كل الجد. وإذا كان شعر جبري وأدب جبري هو ما يسميه الأستاذ جبري لهوًا، فما خلافنا مع الأستاذ إلا خلافًا في اللفظ! (٢)
* * *
_________________
(١) الكتابان الأخيران لشفيق جبري، أما الأول (خطط الشام) فهو لمحمد كرد علي. وكلاهما كانت له صلة بالمعارف في وقت من الأوقات، فقد ولي كرد علي وزارة المعارف مرتين وعمل شفيق جبري رئيسًا لديوانها (مجاهد).
(٢) أردت -وأنا أُعِدّ هذا الكتاب للنشر وأختار مادّته- أن أستبعد من المقالات القديمة ما كان مرتبطًا بحادثة عابرة ذهبت أهميتها أو بمناسبة محدودة أفقدتها الأيامُ قيمتَها. ولعل هذه المقالة القصيرة من هذا النوع، لكن أمرين شجّعاني على ضمها إلى الكتاب؛ أولهما =
[ ٢٩٨ ]
هذا وما نريد أن نصف أدب جبري في هذه الكلمة الوجيزة، ولكنا نريد أن نقول على رؤوس الأشهاد، لا عن رغبة ولا عن رهبة: بأن الأستاذ جبري الشاعر الكبير، والباحث المدقِّق، والمنفرد بالمَراثي الوصفية التحليلية، والعربي الوفيّ للعربية، لا يمكن أن يزيده فَقْدُ الوظيفة إلا سُمُوًّا في الأدب ودُنُوًّا من الخلود بل إن الأستاذ جبري مُذ أُغلق دونَ اسمه سجلُّ الوظيفة قد فُتِحَ لاسمه سجلُّ الخلود.
* * *
_________________
(١) = أن فيها تعبيرًا صريحًا واضحًا عن واحدة من أظهر صفات علي الطنطاوي ﵀، وهي الوفاء، ومعها يظهر خُلُق الاستقامة والصدق وكراهية التزلف والنفاق، وكلها من صفاته البيّنة كذلك. أما الأمر الآخر فهو من باب الإنصاف لجبري، وقد قرأتم فيما مضى من هذا الكتاب رسالة «الأدب القومي» التي نشرها جدي سنة ١٩٣٠، وعلمتم أنه إنما نشرها ردًا على محاضرات ألقاها شفيق جبري في مدرسة الآداب العليا في تلك السنة ووصف فيها الأدب بأنه «ألهيَّة» شريفة. هذا كله مفصَّل في «الذكريات» (الحلقة ٥٥ في الجزء الثاني)، وفي تلك الحلقة شهد للرجل بأنه ما جاوز بمذهبه هذا أن يلقيه على الطلاب بلسانه، ثم حمل على من جعل ذلك مذهبًا يعيش له فقال: "لقد أنكرنا على أستاذنا شفيق جبري لأنه قال (قولًا) إن الأدب أُلهيّة شريفة، فكيف لا ننكر على من جعله (فعلًا) أُلهية ولكنها ليست شريفة ولا عفيفة ولا نظيفة؟ " (الذكريات: ٢/ ٢٢٩). ذلك ما قاله في حلقة الذكريات تلك (وبعده كلام ثمين يستحق أن يُكتَب بماء الذهب فاقرؤوه)، وهنا شهادة أخرى تزيد الرجل إنصافًا، ولعل فيها خاتمة القول في هذه المسألة (مجاهد).
[ ٢٩٩ ]