نشرت في مطلع عام ١٩٣٠
(غرة شعبان ١٣٤٨)
نحن والماضي
إن التاريخ -ولا سيما التاريخ المحزن- سبب أكيد من أسباب تكوين الأمة، ونحن لنا رؤية واحدة ونظرة عامة تتجلى بأجلى مظاهرها عندما تتجه نحو الماضي وتتغلغل في أعماق التاريخ، حتى إنه ليصحّ قولنا: إنّ نظرنا إلى الماضي واحدٌ مهما اختلفت بيئاتنا وثقافاتنا. كيف لا؟ ومَن منا لا يفخر بوقعة القادسية وفتح الشام؟ ومن لا يحزن لمعركة بلاط الشهداء وسقوط الأندلس؟
إن الآلام تجمع، والذكريات المحزنة وسيلة عظمى من وسائل الاتحاد.
ولكن اتجاهنا إلى الماضي قد شغَلَنا عن كل ما عداه حتى ما نكاد نلتفت إلى المستقبل، وحتى صَحَّتْ فينا كلمة صاحب كتاب «حضارات تونس» الفرنسي: العرب ينظرون دومًا إلى الوراء
[ ٤٧ ]
فيقولون «كنا» و«كانت دولتنا» و«هذا تاريخنا» ولا يصنعون شيئًا، وأما اليهود فلا ينظرون إلا إلى الأمام فيقولون «يجب أن نكون» ويسعون ليكونوا كما يريدون. وما حالتنا إلا كما قال من قال:
ألهَى بَني تَغْلبٍ عن كل مَكْرُمَة قصيدةٌ قالها عمرو بنُ كلثومِ
إن تاريخنا -مهما كان زاهرًا باهرًا- لا يغني عنا من الآتي شيئًا، وإن الفخر بالرِّمَم البالية والأيام الخالية لا يردّ عزًا ولا يرجع مجدًا، فحسبنا نظرًا إلى الماضي، ولننظر إلى المستقبل، إلى الأمام.
يا قوم: ماذا يردّ عليكم عزَّ أوّلكم إنْ ضاع آخِرُه، أو ذَلَّ واتّضَعا؟
نحن والمستقبل
ما هو المثل الأعلى العام لمستقبل سوريا في نفوس أبنائها؟ إنك لا تجد جوابًا على هذا السؤال إلا قولك: ليس لسوريا مثل أعلى عام تلتقي فيه آمال أبنائها. وأعني بالمثل الأعلى الأدبي والاجتماعي، لا السياسي الذي نكاد نكون متفقين فيه.
إن منا من يرى المثل الأعلى التحاقنا بأوربا واصطناعنا عاداتها وأخذنا بعوائدها، حتى نكون منها ونتبرأ من شرقيتنا وديننا ولغتنا، وهؤلاء هم المجددون المتطرفون. ومنا من يرى المثل الأعلى العودة إلى ما كنا عليه قبل عشرات السنين، ومحاربة كل غربي ولو كان علمًا صحيحًا أو رُقيًّا نافعًا، وينتظر «المهدي»
[ ٤٨ ]
ليساعده على ذلك! وهؤلاء هم المحافظون المتطرفون.
وإذن فإذا أردنا أن يكون لنا مثل أعلى عام فلنقضِ على هذين الرأيين على السواء، ولنجنح لرأي المعتدلين الذين لا يزهدون بكل غربي لأنه غربي ولا يتمسكون بكل شرقي لأنه شرقي، بل يأخذون النافع شرقيًا كان أو غربيًا، وهذا هو الحزب الضعيف اليوم. إنه لا غُنْية لنا عن أوربا نأخذ الحسن من عاداتها والصحيح من علومها، ولا بقاء لنا بالانصراف عن ديننا الصحيح ولغتنا الشريفة، لأن هذه حياتنا، فإن ذهبت ذهبت حياتنا.
والمثل الأعلى للمستقبل هو التوفيق بين هذين الرأيين المتطرفين وإيجاد الرأي المعتدل من بينهما، ولكن دون هذا خَرْط القَتاد (١)، بل ما هو أشد من ذلك: سخط الجمهور من المتطرفين ومعارضتهم. هذا هو الأساس في الإصلاح المنشود، ولكن هذا ما لا يؤمن به إلا نفر قليل وسائر الناس منكر له.
وإن لهذا الاضطراب أسبابًا نرى أن من أهمها ما يأتي:
(١) نقص أدوات الثقافة
الثقافة شيء غير الحضارة ومستقلة عنها تمامًا، وإن كان الكثير من الناس عندنا لا يفرقون بينهما، فيحسبون كل متحضر
_________________
(١) تعبير يتداوله الناس ويفهمون معناه، لكن قَلَّ مَن يعرف: هذا القتاد ما هو؟ وهو نبات شَوْكي صُلب أشواكه مثل الإبَر، يستخرجون منه نوعًا جيدًا من الصمغ فلا ينالونه إلا بجهد ومشقة، فضربوا به المثل لكل أمر شاق يصعب الوصول إليه (مجاهد).
[ ٤٩ ]
في عاداته ولباسه وطرق معيشته مثقفًا، وكل مثقف مطّلع على نتائج العقول وآخذ من العلم بأوفر نصيب متحضرًا.
الثقافة هي الحجر الأول من بناء الحركة الفكرية والخطوة الأولى في طريق تطورها، ونقص أدواتها ووسائلها في قوم إنما هو ضعفها، فإذا أردنا أن نبحث عن السبب الأول لاضطراب الحركة الفكرية في سوريا فإنا لا نجده إلا في نقص التثقيف. ووسائل التثقيف هي المدارس والصحف، فأما مدارسنا فهي ناقصة، أو هي -بعبارات أخرى- لا تُعنى إلا بالثقافة العملية، وأما الثقافة الأدبية (الفكرية) فهي خلو منها. وأما صحفنا فإنها لا تعنى إلا بالسياسة والأخبار. وإن المثقفين من رجالنا لا يعدو واحدهم أن يكون طبيبًا أو محاميًا أو مدرّسًا أو صحفيًا، على أنّ واحدًا من هؤلاء لا يستطيع أن ينصرف إلى الأدب فينشئ منه أدبًا سوريًا يعين سوريا على نهضتها وتقدمها.
(٢) فساد التربية
التربية السورية لا تنجب رجالًا، لأنها تربية فاسدة مَبنيّة على القهر والقوة وملقاة على عواتق الجهلاء من الآباء والأمهات، وهي -فوق هذا- تربية اتّكالية، المثل الأعلى للابن فيها أن يكون آلة يصرّفها الأب حسب ميوله وأهوائه! وكثيرًا ما رأينا أبناء ضاعت مواهبهم السامية لأن آباءهم صرفوهم عن إتمام التحصيل وعن متابعة الفن الذي يميلون إليه وفيهم الاستعداد الفطري له. هذا في التربية القديمة، وأما التربية الحديثة فهي على العكس، وهي ليست أقل شرًا من هذه لأنها تجعل الابن حاكمًا على أبيه وأرفع منه منزلة.
[ ٥٠ ]
على أن الحقيقة التي يجب أن نقولها أن هذه التربية لا يصحّ أن تسمى تربية إلا مجازًا، لأنها على الحقيقة إهمال من الآباء واستسلام للظروف وخضوع للأقدار، دونَما غاية معينة وطريقة مختارة.
والتربية عندنا تختلف باختلاف الأسر وطبقتها في الهيئة الاجتماعية، فتكون تارة بيد الأب وأخرى بيد الأم، وهي في كل أحوالها بيد جاهلين! ولقد خبرت التعليم قليلًا فعرفت كم يقاسي المدرّسون من عَناء في إصلاح تربية التلاميذ، ثم لا يصلون إلى نتيجة لأن التربية المنزلية متمكنة منهم. وكيف يُقلع التلميذ عن السباب والملاعنة وهو يرى والديه كل ليلة يتلاعنان ويتشاتمان؟ وكيف يَصْدق وليس في داره صادق؟ وكيف يتعلم الاتحاد وهو يبصر أباه وأمه وعمّته وجدّته يشكلون في الدار أحزابًا سياسية يكيد بعضها لبعض وينصب بعضها لبعض شَرَك الخديعة؟
وإذن فلا بد من إصلاح التربية. وإصلاحها لا يكون إلا باصطناع طرق التربية الحديثة بعد تحويرها بحيث توافق محيطنا وديننا، ودينُنا وحدَه كفيل بذلك، إذ هو دين الحضارة ودين العقل ودين الاجتماع. ويا حبّذا لو استُخلصت آراء الدين في التربية فنُشرت بأسلوب عصري فعمَّتْ فائدتها الناس كلهم، وأنى لنا بهذا؟
(٣) اختلاف العادات
إن أكثر ما يدهش الغريب -إذا حضر اجتماعًا عامًا عندنا- ذلك الاختلاف في الأزياء والألبسة الذي يجعل الشام كأنها حقًا
[ ٥١ ]
في يوم المحشر! فمِن متعمّم بجبة طويلة ذات أكمام عريضة، ومن مُطربَش بلباس أوربي ضيق يكاد يُظهر منه ما أخفى، ومن «زكرتي» يلبس شروالًا ضخمًا، ومن شيوخ «على الموضة» يلبسون البدلة الإفرنجية وربطة العنق والعمامة! ومن ومن
وليس هذا الاختلاف في الألبسة فقط، بل في فرش البيت وطرق المعيشة. زرت أمس جدتي، فلم تدعني حتى خلعتُ نعلي وجلست على طرّاحتها، فتقطعت هذه السراويل الضيقة التي ألبسها، وخرجت إلى الشارع بأقبح هيئة أكيل اللعنات جزافًا لمن لبس هذه البدلة لأول مرة في الشام! في حين أنني أزور ابن عمي فلا يكلفني شيئًا من هذا العناء، بل يسمح لي أن أدوس بحذائي الذي أسير فيه في الشارع على بساط غرفته، ثم يجلسني على كرسي أو أريكة.
وتُدعى إلى وليمة فتجلس إلى نَضَد ويقدَّم لك صحن خاص وشوكة وملعقة وسكين وبشكير، في حين أن وليمة أخرى توضع الأطعمة فيها على خوان ويأكل القوم كلهم من إناء واحد. أي الشكلين أحسن؟ أنا لا أدري، ولكني لا أحب الاختلاف. وليس هذا الاختلاف بين حارة وحارة وحي وحي، هذا لهؤلاء وذاك لأولئك، بل بين غرفة وغرفة من منزل واحد، هذه إفرنجية وهذه شرقية عربية!
أنا لا أقول للناس البسوا كلكم بدلات أو افرشوا دوركم بالكنبات، لا، ولكني أريد أن أقول إن هذا الاختلاف في العادات يجرّ إلى الاختلاف في طرق التفكير والاضطراب في الثقافة
[ ٥٢ ]
العامة، لأن الزكرتي والأفندي يختلفان تمامًا في طريق تفكيرهما ونتائجه، وإن كانت ثقافتاهما واحدة، وإن هذه نقطة تستحق من عناية الكتّاب والمفكرين الكثير.
خاتمة
إن للدين الأثر الأعظم في سير الحركة الفكرية، وإنني إذا أنحيت باللائمة على العلماء مرة لجمودهم، فإنني ألوم الشبّان ألفًا لإهمالهم أمر الدين واستحيائهم من تنفيذ شعائره والقيام بواجباته! وأقول لهم بصوت عال وجرأة عظيمة، وإن غضبوا وسخطوا: إن من لا يفي لربه بخمس صلوات في اليوم لا يفي لأمته بالتضحية في سبيلها.
فإلى ربط الماضي المجيد بالآتي السعيد، وإلى العمل متّحدين، وإلى التمسك بأهداب الدين أدعو رجالَ الأمة العالمين العاملين والمجاهدين المخلصين، والسلام عليهم أجمعين.
* * *
[ ٥٣ ]