ماذا يكون يومئذ إذا لم نبادر إلى الإصلاح اليوم؟
أخرج هذا «الطنطاوي» أولى رسائله فأغضبت وأرضت، ثم قفّى على إثرها بالثانية فلم تدع راضيًا عنه أحدًا، ولم يدع الناسُ لفظةً في دواوين اللغة تدل على الانتقاص والشتيمة إلا رموه بها غيبة وحضورًا، حتى ضاق بخصومتهم ذرعًا، فحدّث عن نفسه فقال: لفظتني النوادي وجانبني الرفاق، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، حتى لا أرى فيها إلا وجوهًا تعلوها سيما الغضب وأصواتًا تملؤها كلمات الشتم.
_________________
(١) هذه هي الرسالة الثالثة من رسائل «في سبيل الإصلاح»، صدرت في دمشق في رجب سنة ١٣٤٨ (كانون الأول (ديسمبر) ١٩٢٩)، وقد سبقتها اثنتان: الأولى عنوانها «في الإصلاح الديني» والثانية «كلمة إلى طلاب دمشق». فأما الثانية فقد مضى موضوعها مع الأيام، وأما الأولى فتجدون خلاصتها وأجزاء منها في الحلقة الثامنة والثلاثين من «الذكريات»، فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إلى تلك الحلقة، وفيها تحدث عن هذه الرسائل فقال: "كانت «رسائل الإصلاح» أول كتبي صدورًا، من يقرؤها الآن لا يستطيع أن يدرك الأثر الذي كان =
[ ٤٠ ]
ذهبت إلى منزلي فرارًا من الناس، فلم يستقرّ بي المقام فيه حتى خرجت منه مَوْهنًا، وكانت ليلة ظلماء لا نور فيها إلا هذه النجوم المتلألئة في سمائها الصافية، ولا صوت إلا صوت قدمي على بلاط شارع بغداد الذي أسير فيه مغرّبًا، لا أعرف لي قصدًا ولا غاية، وقد تاه بصري في دجى الليل وفكري فيما وراء المادة.
كدت أسير إلى الصباح ما دمت لا أفكر في شيء وأفكر في كل شيء، لولا أن استوقفني شعور برهبة اعتراني، فعادت إليّ نفسي، فبصرت ما حولي فإذا أنا بين الأموات! وإذا أنا قد قطعت هذه الأسلاك الشائكة التي تفصل شارع بغداد عن مقبرة الدَّحْداح ودخلت المقبرة، فتمثلت لي شواهدها الماثلة أشباحًا مخيفة، فمُلئتُ رعبًا وفزعًا، وخانتني رجلاي فسقطت مكاني، وأحسست بشيء سقط عليه رأسي فكان له كالوسادة، وإذا هو قبر!
وأُحسّ حركة، فألتفتُ فأرى القبر ينشقّ فيخرج منه ميت قد تقطع كفنه، ويقترب مني فأجمد في مكاني ولا يبقى حيًا مني إلا
_________________
(١) = لها يوم صدورها. إنها كانت حَجَرًا، أو قُل «حصاة» أُلقِيَت في بركة ساكنة. ألا ترون الحصاة -على صِغَرها- ترسم على وجه البركة دائرة بعدها دائرة أوسع منها، ثم تتعاقب الدوائر حتى تبلغ حَفافي البركة كلها؟ " (الذكريات ١/ ٤٠٣). ورسائل الإصلاح هذه أربع، غلبت الشدة في اللفظ والأسلوب على أكثر مادتها، حتى لقد وصَفَها في ذكرياته فقال: "الناس يبدؤون باللين وأنا بدأت الكتابة بالعنف، وهم يكتبون للفنّ والأدب وأنا بدأت للنقد والإصلاح؛ بدأت برسائل الإصلاح فهِجْت على نفسي حربًا لا طاقة لي بها، حربًا ما لي فيها نفع ولا لي في غنائمها أمل" (الذكريات ٢/ ٥) (مجاهد).
[ ٤١ ]
سمعي، فأسمعه يقول: أيها الولد الخبيث! ما أنت ونقد الشيوخ وإصلاحهم، وهلا أصلحت إخوانك وأترابك من الشبّان؟ أيها الشرير، ألا تبصر أخلاقهم؟ ألا ترى تقليدهم الغربيين؟ أعَميتَ عن كل هذا ولم يبقَ محتاجًا إلى الإصلاح إلا الشيوخ؟ ويلك! ألست تزعم أنك من صالحي الشبان، وأنت لا تزيد على فرضك، وربما تهاونت به أحيانًا؟ فهلا عمدت إلى نفسك فبدأت بإصلاحها؟ الويل لك الليلة من انتقامي وبطشي!
ويُعقَد لساني فلا أرد عليه حرفًا، ويقترب مني، حتى إذا لم يبقَ بيني وبينه إلا ذراع أحسّ بحركة، وأرى سحابة كبيرة تمر من فوقنا، فيلامسه ريحها فيسقط ميتًا وأغوص في الأرض عشرة أذرع.
* * *
مرَّت مدة الله أعلم بمداها، ثم صحوت، فرأيت البلاد تغيَّرَت ومَن عليها، فلم يعد هناك مقبرة ولا بساتين، بل شارع ضخم على جانبيه القصور الفخمة ذات العشرين طبقة، وأهله كلهم يلبسون القبعات واللباس الأوربي، فعرفت في الحال أنني في باريس!
اقتربت من أحد الناس فقلت له بالفرنسية التي أعرف منها شيئًا: بونجور. فصعّدَ فيّ نظره وصوّب، وتأملني باسمًا متهكمًا، ثم سار ولم يردّ علي شيئًا. فرجعت إلى نفسي فوجدتني غريبًا في زيي، وكيف لا يكون غريبًا من يلبس الطربوش ومن لم يقص شاربيه؟ فأسرعت إلى حلاق فحلقت، واشتريت قبعة، وخرجت
[ ٤٢ ]
أنظر متعجبًا، لا أجرؤ على السؤال عن اسم المدينة وعن تاريخ اليوم لما لاقيت من الرجل الأول.
وأرى شيخًا هِمًّا فأتخيل أني أعرفه، وأتقرب منه فأجده صديقي فلان، وقد كانت سنه حينما فارقته عشر سنوات، فأتعجب من شيخوخته وشيبه وأنا أكبر منه ولا أزال شابًا! ولا أعرف بأي لغة أخاطبه فأقول له: السلام عليكم بونجور غودمورنينغ!
فيرد عليّ قائلًا: وعليكم السلام ورحمة الله. ويعجب من سلامي، فأنتسب له فيعرفني ويهشّ لي ويقول: كيف عدت إلينا وقد حسبناك متّ منذ تسعين سنة؟
- إن لي لخبرًا طويلًا، ولكن أخبرني قبلُ: في أي سنة نحن الآن؟
- في السنة ٢٠١٩ ميلادية.
- وما هذه المدينة؟
- عجيب منك، ألا تعرفها؟ هذه دمشق.
- دمشق؟ ماذا تقول؟ أرجوك أن لا تهزأ بي.
- جِدًّا أقول إنها دمشق.
- ومتى كان لدمشق مثل هذا الغنى وهذه العظمة والرقي؟
- لا تغترّ، فما لدمشق منه شيء، ولكنه شارع الأجانب، والأجانب -تجارًا وصنّاعًا- هم سادة المدينة وعظماء أهلها ومالكو زمام أمورها.
[ ٤٣ ]
- وماذا فعل أهلها؟ فلقد تركتهم على أبواب نهضة اقتصادية كبرى، ولقد أسسوا معامل للدباغة والنسيج و
- آه، لقد أذكرتني عهدًا كنت له ناسيًا، ولا يعرفه ممن ترى غيري. إن ما تقوله صحيح، ولكن آه! عمَّ أحدثك؟ هلمَّ، هلمَّ إلى أحد المقاهي فإنني لا أطيق الوقوف.
* * *
وندخل المقهى فتأتينا فتاة كأنها فلقة البدر تسألنا طلبنا، ويجيبها رفيقي بلغة لا أدري ألاتينية هي أم هي لغة الصين، فتنحني قليلًا وتنصرف. فأقول له: ما هذه الفتاة؟ وبأي اللغات تكلمها؟
- إنك قد قطعت عليّ حديثي الأول، ولكني مخبرك عن سؤالك. ليس من كلمت بفتاة ولكنه شاب.
- شاب؟ شاب؟! وما هذا الشعر الطويل؟ وما هذه الثياب القصيرة؟ وما هذه الأصبغة؟ وما هذا الكحل في العينين؟
- نعم يا سيدي، إنه شاب، وهكذا كل الشبان اليوم، لا يعرفون إلا التجمل والرقة، أما الأعمال الكبرى والمشروعات العظيمة فكلها بيد المرأة!
- ماذا تقول؟ أبُدِّلَت الأرضُ غيرَ الأرض؟ أم قامت الساعة؟ أم طلعت الشمس من مغربها؟ أم ماذا؟
- إن شيئًا من ذلك لم يكن، ولكن هذه «الموضة» التي بدأت في زمانكم بحلق شاربَي الرجل وشعر المرأة، وحضورها
[ ٤٤ ]
في الكليات وعقدها المجامع، واشتغاله بالزينة وعكوفه عليها، قد جرّنا إلى ما ترى، وما خفي عنك أعظم. وأما هذه اللغة فما هي إلا خليط من اللغة العامية واللغات الأجنبية، وأما الفصحى فلم يعد يعرفها إلا المنقطعون لدراستها، وقليل ما هم! ودعني أتمّ لك حديثي الأول: إن هذه النهضة الاقتصادية التي بدأت في زمنك، والتي سارت سيرًا حسنًا حينما أقبل الطلاب على مساعدتها، لم تلبث أن ركد ريحها وتقاربت خطاها لانقطاع الناس عن مساعدتها ومثابرتهم على شراء البضائع الأجنبية، فضعفت، ثم اضمحلّت فلم يبقَ لها أثر. وخلا الجو لقُبَّرة أوربا، ولكن لا صائد لها!
وهنا جاءت (أو جاء) الكارسون بقدحين من الخمر، فقلت: خمر؟ أأنا أشرب الخمر؟!
- مهلًا يا أخي، فما في المدينة شراب سواه، وإن هذه الحانات التي كانت في زقاق رامي (الذي يُرى اليوم في مخططات دمشق الأثرية) وإهمال الحكومة أمر إغلاقها وتحريم تعاطي ما فيها قد سبّبَ لنا هذا البلاء العام والشر المستطير.
- ولكني لا أشربه.
- ولماذا؟
- عجيب! أليس بحرام؟
- حرام؟ هاهاها! ما بقي من يقول حرام وحلال.
- ماذا؟ وهل ذهب الدين؟
[ ٤٥ ]
- أليس لك بذهابه علم؟ هاك المسجد الأموي، لا يدخل إليه إلا المتفرجون، لا المصلون. ولا تعجب من هذا، فإنك تعرف أن شبان زمانك كانوا يتهاونون بأمور الدين ويتغافلون عنها، وسار أولادهم في طريقهم، فنشأ هذا النشء الذي لا يعرف من الدين إلا الاسم.
* * *
وطلب إليّ صديقي أن أقوم معه لندور في المدينة، فامتطينا سيارة، فرأيت ميدانًا عظيمًا فيه تمثال، فقلت له: تمثال من هذا؟
- ليس تمثالًا لبشر، ولكنه تمثال الحرية.
- وما تمثال الحرية؟
- هو
وهنا صدمتنا سيارة أخرى، فصحت: وارأساه!
ففُتح عليّ الباب، وأفقت فإذا أنا في الفراش. وإذا هي دمشق لا باريس، وسنة ١٩٢٩ لا سنة ٢٠١٩، لا بنايات ولا تماثيل، ولا تهتك ولا إلحاد، وإذا كل ما رأيت رؤيا منام وأضغاث أحلام!
* * *
[ ٤٦ ]
رسائل في سبيل الإصلاح (٤)