الرسالة الخامسة
وجوب الدعوة إلى الله
ألا تشعر معي -أيها القارئ الكريم- بأن الإسلام في حاجة إلى دعوة واسعة النطاق متنائية الأطراف، يكون فيها مبشِّرون مخلصون ينشرون في الناس فضائله ويبيّنون لهم محاسنه، ومجاهدون مُجِدّون يدرؤون عنه كيد الخصوم وافتراء الأعداء؟ ألا تضحّي في سبيل هذه الدعوة وفي سبيل إنمائها وتقويتها بالشيء القليل من وقتك ومالك؟
لقد بلغ الأمر حدّه ولم يبق إلى تجاهله من سبيل، واسمع أقصص عليك نبأ حادث وقع معي منذ أمد قريب، وأمثاله كثير غير أنّا لا نَنْبَه (١) له ولا ندري به. حادث كان في «بَسِّيمة» (٢)،
_________________
(١) نَبِهَ يَنْبَه، وتَنَبَّه يتنَبَّه، وانْتَبَه ينتبه، كلها بمعنى واحد، وكثيرًا ما استعمل علي الطنطاوي هذا الفعل بصورته الأولى (نَبِهَ يَنْبَه) في كتاباته المبكّرة (مجاهد).
(٢) يمر بردى في طريقه إلى دمشق بمواقع صارت من مُتنَزَّهات الشام التقليدية: عين الفيجة والهامة وبَسّيمة ودُمَّر والرَّبْوة، وبَسّيمة من أجمل البقاع التي يتدفق فيها بردى قبل دخوله إلى دمشق (مجاهد).
[ ١٠٢ ]
وبسّيمة مُتَنَزَّه فَتّان حوى من جمال الطبيعة وبهائها ما لا يحيط به وصف، وأهل بسّيمة قوم ما أحسب أن في الناس أطهر منهم قلوبًا وأصفى نفوسًا وأقوى إيمانًا.
ذهبت إلى «بَسّيمة» في يوم عطلة، فلم أكد أصلها حتى يمّمت وجهي -وكان ذلك مساء- شطر العين الخضراء، وعهدي بالعين ومرجتها بقعة إسلامية، تقام فيها الصلوات وتُتلى فيها آي الله ويرفرف عليها الخشوع بجناحيه الطاهرين، فرأيت فيها ما لا عهد لي به ولا يخطر لي ببال: نساء متبرّجات يعرضن للناس زينتهن وعوراتهن، ورجال مُبَرْنَطون يترصّدون لهن فيكلمونهن ويغازلونهن، وآخرون يشربون ويطربون ثم يسكرون ويعربدون، والصلاة تقام، فلا هم يصلّون ولا هم يكفّون عن ضجيجهم وغنائهم حتى يصلي المصلون! وما لم أحدثك به أدهى وأمر:
فَظُنَّ شَرًّا ولا تسألْ عن الخَبَرِ!
هذا في مَصِيف كنا نعده إسلاميًا، فما ظنك بالزَّبَداني وبلودان؟ بل ما ظنك بلبنان؟ وأعاذك الله من لبنان!
لقد كنا وكان الناس يراؤون بالصلاح، فأصبحنا والناس يراؤون بالإلحاد. وكنا وكان العاصي يتنحّى ناحية ليعصي ويفسق، فأصبحنا والصالح يتنحّى ليطيع ويعبد! صدق رسول الله ﷺ: لقد عاد الدين غريبًا، وآضَ المتمسّك بدينه كالقابض على الجمر!
الإسلام غريب، وأين؟ في دمشق! ظئر الإسلام ودار التقى والصلاح، فيكف نرضى بالسكوت، ومن يخلّصنا من الله غدًا إذا سألَنا: لِمَ لمْ تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر؟ بماذا
[ ١٠٣ ]
نجيب؟ أنقول له: "ربنا شغلتنا أموالنا وأهلونا، فأهملنا دينك وتركنا كتابك"؟ أنبقى على هذه الحال حتى تأتينا آجالنا فنموت موت البهيمة؟ أندع هذه الشرذمة القليلة تجهر بإلحادها وكفرها، وتحسب أن الجوّ قد خلا لها وأن دين الله لم يبقَ له من نصير؟
أتخيفكم هذه الفئة الضالة بكلمة واحدة قد اتخذتها سلاحًا لها وجِنّة، وهي كلمة «التعصب»؟ إن التعصب في عُرف هؤلاء كل أمر فيه تأييد الدين ونصرته، فأنت لا تزال عندهم متعصبًا حتى تدع دينك وتنبذ إيمانك وتسير -كما ساروا- في أذناب الغربيين، ولن يرضى عنك هؤلاء المجدِّدون حتى تتبع سخافتهم وجنونهم وخير لك لو ألقيت كيدهم في نحورهم وقلت لهم بجَنان ثبت ولسان طلق: أنا متعصب!
وها أنَذا أقولها، فليسمعني الثقلان، وليمت من الغيظ الملحدون: أنا -الطنطاوي- متعصب، متعصب، متعصب أكرّرها ألفًا! والتعصب ضروري على رغم أنوفكم، بل إن أمة لا عصبية لها لا بقاء لها، فهل سمعتم يا مجددون؟
إن كان رفضًا حُبُّ آل محمّدٍ فليشهدِ الثَّقَلان أنّي رافضي!
* * *
إن المسلمين اليوم في معركة حامية نتيجتُها الحياة أو الموت، وإن العدو قد أحاط بهم من كل ناحية وأخذ عليهم كل طريق، ولا سبيل لهم إلى الظفر إلا بالاتحاد والجهاد.
ألا يجب أن نتحد، ويجب أن تتغاضى عمّا بيننا من خلاف في الرأي وبُعد في المذاهب، ما دمنا جميعًا نشهد أن لا إله
[ ١٠٤ ]
إلا الله، وما داموا يهاجموننا جميعًا. يجب أن نحارب الإلحاد والفسق والسفور والتهتك والخمور، وكل ما حرّمَ الله، ونقاطع كل من يدعو إليها أو يحبّذها، فإذا لم نفعل لم نكن مسلمين حقًا.
وكيف يحضر المسلم مجالس الخمر دون أن يكسر كأسَها على رأس شاربها -كائنًا من كان- إذا كان قديرًا على ذلك، أو ينسحب إذا كان ضعيفًا عاجزًا؟ وكيف يصادق المسلم من إذا أقيمت الصلاة جلس ناحيةً ينتظر فراغها كأنه من النصارى؟ وكيف يبقى المسلم في مجلس يُهان فيه الإسلام دون أن يصدع فيه بالحق، فيقوّضه على أهله أو يدعه للشيطان؟
إننا نعيد ما قلناه ونسأل الله أن يثبّتنا عليه، وما قلناه حق صَراح لا مرية فيه: هذا هو الإسلام، وهذه حدوده وشعائره، وهذه أصوله ومصادره: كتاب الله، وسُنّة نبيه، وإجماع المسلمين، وقياس العقل السليم، وهو دين الحق، دين المنطق، دين العلم، دين الحضارة، ولا سبيل إلا إلى قبوله جملةً أو نبذه جملة.
فهل في هؤلاء الذين يحسبون أنهم مجددون واحد، واحد فقط، يستطيع أن يدلل على هذا التجديد بدليل عقلي ويثبته بإثبات منطقي؟ إنْ «نعم» فأرونا، وإنْ «لا» فاخنسوا واخجلوا من الناس إذا كنتم لا تخجلون من الله.
* * *
أيها الناس، لا تحسبوا هؤلاء المجددين شيئًا مذكورًا، فما هم إلا بضعة أشخاص متهوّسين يقذفون من أفواههم خبثَ أنفسهم، فلا تحسبوا لهم حسابًا ولا تقيموا لهم وزنًا، فهم أهون
[ ١٠٥ ]
على الله وعلى الحقّ من جناح بعوضة!
دعوهم وانصرفوا إلى العمل. ليعمل كل فرد منكم جهده وليجاهد ما استطاع. نعم، إن ما يقدر عليه الفرد لا يقوم به عمل ولا يأتي منه كبير فائدة، ولكن الأفراد كثيرون، ويستطيعون -إذا وحّدوا جهودهم وعملوا جميعًا- أن يوجِدوا من قليلٍ كَلٍّ كثيرًا له أثره وعمله في هذه الدعوة المنشودة.
فلِمَ لا نتفاهم إذن، ولِمَ لا نسعى إلى العمل جميعًا؟
إننا نحتاج إلى شيئين اثنين قبل كل شيء، وهذان الشيئان قوام حياتنا وأصل نجاحنا: مدرسة إسلامية تنجب للمستقبل رجالًا هم مسلمون قبل أن يكونوا وطنيين وقبل أن يكونوا متعلمين، وتقي أبناءنا وإخواننا شر هذه المدارس التبشيرية وأشباه التبشيرية، التي تفجعنا بهم وتعيدهم إلينا مارقين من دينهم، متجردين من قوميتهم جاهلين بلغتهم وتاريخهم وجريدة إسلامية تخلّصنا من هذه الجرائد التي طلّقت الدين ثلاثًا، وأصبحت -إلا القليل منها- ترى الدعوة إليه والبيان لمحاسنه عارًا عليها ومَثلبة، وترى الدعوة إلى أوربا والترغيب في خبائثها فخرًا لها ومكرمة!
فإذا وجدنا هذه الجريدة الإسلامية استطعنا أن نبيّن حكم الله في هذه الأمور التي تمرّ بنا، وأن نحارب هؤلاء المارقين أعداء الله بمثل السلاح الذي يحاربوننا به. وإذا وجدنا تلك المدرسة الإسلامية قَدِرْنا أن ننظر إلى المستقبل ونحن مطمئنون إلى نجاحنا فيه وظفرنا عليه.
* * *
[ ١٠٦ ]