الرسالة السابعة
الصلاة وأسرارها
قال الله ﵎: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمنينَ كِتابًا مَوْقوتًا﴾، ﴿إنَّ الصّلاةَ تَنْهَى عَن الفَحْشَاء والمُنْكَر﴾، ﴿فَوَيْلٌ للمُصَلّينَ الذينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهون﴾، ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْري﴾، ﴿وأقيمُوا الصَّلاةَ وَلا تكونوا منَ المُشْركين﴾، ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضَاعوا الصّلاةَ واتَّبَعوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، إلاّ مَنْ تَابَ﴾، ﴿مَا سَلَكَكُمْ في سَقَر؟ قالوا: لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّين﴾.
وقال رسول الله ﷺ (وما ينطق عن الهوى): «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، «لا دين لمن لا صلاة له، إنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد»، «من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله»، «من ترك الصلاة فإنما وُتر أهلَه ومالَه»، «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبَيّ بن
[ ١٠٧ ]
خلف»، «أول ما يُحاسَب به العبد صلاته، فإن كان أتمّها كُتبت له تامة، وإن لم يكن أتمّها قال الله ﷿ لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملوا بها فريضته؟»، «أسوأ الناس سَرِقة الذي يسرق من صلاته. قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يُتِمّ ركوعها ولا سجودها».
* * *
هذه بعض الآثار الواردة في الصلاة بيانًا لمكانها من الدين، جمعتها وعرضتها ردًّا على من أهملها وهَوَّنَ خطرها وزعم أن له في غيرها غِنىً عنها. وكثير من الناس يرون هذا الرأي ويدينون بهذا المذهب، ولقد أتاني منذ أيام واحدٌ منهم يمتّ بنَسَبه إلى أسرة معروفة في دمشق بأنها أسرة علم وتقوى وورع وصلاح، فحدثني وحدثته، فكان من حديثه إليّ أن قال: لو أن امرأً نفع الناس وسعى في مصلحتهم، وأهمل صلاته ومنع زكاته، ما كان هذا ليضرّه شيئًا في جانب ما صنع! فحركت شفتي لأقول شيئًا، ولكنه لم ينتظرني وعاد يقول: وإني لأعلم أن هؤلاء الجامدين لا يقرُّونني على هذا الرأي ولا
وهنا لم أجد بدًا من قطع حديثه بقولي: ولكن قل لي أولًا، أمسلم أنت؟
- يا الله! ألا تعرفني؟
- وتفهم ما هو الإسلام؟
- عجيب؟ ما هذه الأسئلة؟
[ ١٠٨ ]
- هي جواب كلامك يا صاحبي! إذ كيف تقول «هؤلاء الجامدين» وأنت تعلم أنه رأي الإسلام وأنه الذي جاء به محمد ابن عبد الله ﷺ؟ إنك لا تعرف الدين، وهذه بليّتنا مع أمثالكم؛ لا هم يعرفون فينطقون بعلم، ولا هم يسكتون فيريحون الناسَ وأنفسَهم. نعم يا سيدي، إن من يترك صلاته وصومه وحجّه لا يُعَدّ مسلمًا ولو خدم البشرية ألف عام، لأن هذه أركان الإسلام، وكيف يقوم الصرح على غير ما أركان؟
* * *
لقد آن لهؤلاء الذين يجهلون الدين أن يفهموا حقيقته ويعرفوا أصله، أو يعترفوا بجهلهم ويجهروا بقصورهم!
إن الإسلام دين كامل، ومعنى «دين كامل» أنه ينير لمتَّبِعه كل خطوة يخطوها في الحياة، فهو أرأف به من أبيه وأحنى عليه من أمه، وأعرف بمنفعته ومصلحته من نفسه التي بين جنبيه، يدلّه على كل ما فيه خير له وصلاح وينهاه عن ما فيه ضير عليه ووبال.
والدين ثلاث شعب: إيمان وإسلام وإحسان. فالإيمان حق الله، والإسلام حق النفس، والإحسان حق الناس. وليست هذه الشُّعَب متباينة مفترقة، بل هي متلازمة متقارنة لا تفترق أبدًا، فالصلاة ركن من أركان الإسلام، ولكنها إذا تجردت عن الإيمان، عن التفكير بجلال الله وكماله وعن حضور القلب وخشوعه، أصبحت ضربًا من القيام والقعود لا مغزى له ولا فائدة. والصيام ركن من أركان الإسلام، ولكنه إذا خلا من الإيمان، من الإخلاص لله وابتغاء وجهه، من مراقبته والابتعاد عن عصيانه، آضَ نوعًا من
[ ١٠٩ ]
الشقاء، شقاء نفس ليس لله حاجة بتركها طعامَها وشرابَها إذا هي لم تدع قول الزور والعمل به. والزكاة ركن من أركان الإسلام، ولكنها إذا ابتعدت عن الإيمان وداخلَها الرياء والفخر تحولت معصيةً لا ثواب عليها.
ومثل هذا يقال في كل طاعة من الطاعات، ما دام الأصل فيها توحيد الله وأن تكون خالصة لله. ولا يجوز لامرئ أن يقوم بحق الناس ويدع حق الله وحق النفس، بل إن من يهمل هذا لا يقوم بذاك، ومن لا يفي لربه بخمس صلوات في اليوم لا يفي لأمته وبلاده، ومن لا ينفع نفسه لا ينفع وطنه.
وإذا كسل عن القيام للصلاة -وهو يعلم أنها خير له من كل خير- فكيف ينشط للتضحية بنفسه وماله في سبيل وطنه؟ ومَن الذي يعمل للوطن لا يريد من وراء علمه شهرة ولا ذكرًا في الناس حسنًا؟ إن هذا من طبائع النفس البشرية التي لا انفكاك لها عنها، وإني لأحاول -عَلِمَ الله- حين أكتب أن لا أفكر إلا في ابتغاء الأجر من الله، فتغافلني نفسي وتفكر في استقبال الناس لما أكتب وسرورهم به هذا فيمَن يؤمن بأنه يعمل في سبيل دينٍ له ربُّه القادر على كل شيء، فكيف بأولئك الذين لا يكادون يعرفون لهم ربًا؟
وما أدري كيف نعامل تارك الصلاة ونثق به؟ إنها لحماقة منا أن لا نكون منه على حذر وأن لا نسيء به الظن ونرقب منه الغدر، وقد أساء إلى نفسه وغدر بها، فمنع عنها خيرًا كثيرًا وسَدَّ في وجهها باب السعادة الأبدية بتركه الصلاة!
* * *
[ ١١٠ ]
ولنترك هذا الآن ونسأل: هل نحن نصلي؟ قبل أن أجيب على هذا أقصّ على القارئ قصة الشاعر والأمير: وذلك أن شاعرًا أراد الدخول على أمير كريم يعطي المال الجزيل من يمدحه على شرط أن يخلص في مدحه ولا يذكر في حضرته غيره، فسأل حاجبه عن الوقت الذي يؤذَن له فيه والهيئة التي يلقاه عليها، فقال له: إذا كان صباح غد فتطيّبتَ ولبست كذا وكذا من الثياب ثم جئت إليّ أوصلتك إليه، وعليك بعد ذلك مدحه والثناء عليه. فراح فصنع ما قال له، لم يخرم منه حرفًا، فلما دخل على الأمير نسي كل شيء إلا أُمْدوحة قالها في أعدائه، فطرده!
هذا هو مثلنا إذ نصلي، ولله المَثَل الأعلى: بيّنَ لنا الفقهاء ما من شأنه تطهير ظاهرنا وصلاحه وتركوا لنا الخشوع وحضور القلب، فتركناه وحسبنا ما ذكره الفقهاء كل شيء في الصلاة، فاستحالت صلاتنا قيامًا وقعودًا، وأصبحنا نتلو قوله تعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعينُ﴾ والله يعلم أين قلوبنا وماذا نعبد: مالًا؟ أم تجارة؟ أم أهلًا؟ أم ولدًا؟ ولو أقمنا الصلاة على وجهها وفهمناها على حقيقتها لنَهَتْنا عن الفحشاء والمنكر وأصلحَتْ لنا أمرنا كله. وأيّ منكَر يُقْدم عليه مَن لا يغيب عن الله طرفة عين، ومن يقف خاشعًا خمس مرات كل يوم بين يدي رب العالمين الذي يعلم السرّ والخفي؟ يفكر في عظمته وجلاله، فيتضاءل العالم في عينيه حتى يصبح -بجانب ما يفكر فيه- كالحلم من الحقيقة والفناء من البقاء، فلا يرى إلا الله الحي الباقي، فيسأله أن يا ربّ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ﴾ ووفِّقْنا إلى الطريق السويّ، ﴿صِراطَ الذينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهم﴾ فوفقتهم وهديتهم، فيجيب الله دعاءه ويمنحه
[ ١١١ ]
ما طلب، لأنه قال: ادعوني، ووعدنا بالاستجابة.
أي مسلم يذوق حلاوة الصلاة ثم يتأخر لحظة واحدة عن إجابة داعي الله إذ ينادي: "حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح"، ولا يدع عمله وشغله مهما عظم وكبر؟ وماذا يضرّه تركه وهو ذاهب ليجيب داعي الله، والله قادر على أن يمنحه بدلًا عنه عشرة أمثاله؟ ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.
* * *
لو كنا نصلي الصلاة التي أمر بها ربُّنا إذن ما بقي فينا -والله- ضعيف ولا فقير ولا بائس. لو كنت أنا الذي أعظ الناس قادرًا على نفسي إنني لأعظهم وهم أحسن مني، وإنّي لأتصور هذا فأَهُمّ بكسر القلم وتمزيق القرطاس حياءً من الله، ثم يبدو لي فأقول: لعلّ الله يرحمني فيهديني ويهدي بي (ولأن يهدي بي الله رجلًا واحدًا أحب إليّ من حمر النَّعَم (١».
اللهم يا ربّ لقد غلبَتنا أنفسنا، فقوِّنا عليها وأعِذْنا منها ومن الشيطان الرجيم، يا الله.
والله لو كنا نبتدر باب المسجد حين نسمع الأذان ما بقي فينا من يُخلف الوعد أو يكذب إذا قال، لأننا نكون أقوياء الإرادة حافظين للمواعيد. ولو كنا نسبغ الوضوء لكل صلاة ونأتي بسننها ونوافلها ما بقي فينا مريض ولا واهن القوى، لأنها تقوّي أجسامنا
_________________
(١) النعم (بفتح النون) مفرد الأنعام، وهي الإبل أو الشاء والغنم، وكانوا يرون خيرَها ما كان أحمر اللون فضربوا به المثل (مجاهد).
[ ١١٢ ]
وتشحذ أدمغتنا، وتثبتنا وتشد من أزرنا. ولو كنا ندرك الحكمة من صلاة الجماعة ونتذاكر في شؤون المسلمين وأحوالهم وما وقع لهم وعليهم، ما نزلت بنا هذه النكبات التي نضجّ اليومَ بالشكوى منها ولا نطيق لها دفعًا.
الصلاة مِلاك الإسلام وعموده، فحافظوا عليها وأقيموها لأول أوقاتها، لا تؤخروها، واخشعوا فيها واطمئنوا، واذكروا أنكم واقفون بين يدي خالقكم الذي يعلم سركم ونجواكم، ونَبِّهوا إليها أهلكم ونساءكم، ورَبُّوا عليها أولادكم وبناتكم، وقاطعوا كل تارك لها مقصر فيها، ولكم في الله عنه غنى، هو حسبكم ونعم الوكيل.
* * *
[ ١١٣ ]