الرسالة الثامنة
البلاء الأعظم في المغرب الأقصى
يا أيها الناس من ذكر وأنثى وكبير وصغير:
من كان في قلبه ذرة واحدة من الإيمان فليحرص اليوم على دينه وليصلح أهله وداره، فوالله إن ثابرتم على غفلتكم ولم تَنْبَهوا من إغفاءتكم، أوشك أن يعمّكم الله ببلاء من عنده يصيبكم به، فلا تقوم لكم قائمة إلى يوم القيامة! إنكم في يوم عصيب أصبح فيه إيمان أحدكم كالشعلة الضعيفة تتنازعها الرياح الأربعة، إذا لم يحفظها ويدرأ عنها أُطفئت في لحظة واحدة وعمَّ ظلام لا نور بعده، فاعتبروا مما سأقصه عليكم وأحدّثكم به.
مَن منكم يستطيع أن يملك قلبه، لا ينفجر لهول ما سأقص عليه؟ من منكم يطيق أن يمسك فؤاده، لا يتقطع لعظم ما سأحدثه به؟ من منكم يقدر أن يسمع خبر الإسلام تُنتهَك حرماته، والقرآن تُعطَّل آياته، والمسلمين يكفَّرون بقوة السيف ومكر السياسية، دون أن يغضب لدينه وينهض لنصرته، حتى لا يصيبه ما أصاب المغاربة المساكين؟
[ ١١٤ ]
هل بلغكم نبأهم؟ إنه نبأ جليل وخطب عظيم:
ألا ترون إلى ما في رِباط سَلا؟ (١) ألا ترون إليها كيف تُحتَضَرُ؟
الكفرُ من خلفهمْ والموتُ دونَهُمُ فهم سيُبْلَون إن فَرّوا أو اصْطبَروا
يا للبلادِ استباح القومُ حرمتَها يا للديانةِ! هل للدين مُنتصرُ؟
يا أيها الناس: اذهبوا إلى بيوت ربكم فتطهروا، ثم توبوا إلى الله توبة نصوحًا واسألوا الله اللطف بإخوانكم المغاربة. إنهم إخوانكم، يعبدون الله ربكم، ويصلّون إلى الكعبة قبلتكم، ويؤمنون بمحمد نبيكم، فقولوا: اللهمّ الطُفْ بهم وبنا يا لطيف! يا أيها الناس: ماذا تكون حالكم لو أرسل الله عليكم بلاء من عنده، فأحرق عليكم مدينتكم ودمّر دوركم وذهب بأموالكم، ثم ترككم في العراء لا ظل ولا ماء؟ إن ذلك كله أهون -ورب الكعبة- من أن يضيع عليكم دينكم وينزع منكم إيمانكم!
وأين المجدِّدون اليوم؟ أين هؤلاء الذين يتهموننا بالتعصب والجمود إذا صلينا أو صمنا، وينكرون علينا كلمة نكتبها في الدفاع عن ديننا، ويسمّون الأوربيين متمدنين أحرارًا ولو كَفَّروا الناس جهارًا وأخرجوهم من دينهم قوة واقتدارًا؟ ما لهؤلاء المجددين لا يسمعون، وإذا سمعوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا ينطقون، وإذا
_________________
(١) الرِّباط وسَلا من مدن المغرب الأقصى.
[ ١١٥ ]
نطقوا لا يَصْدقون، وإذا صدقوا لا يثبتون، وإذا ثبتوا لا يخلصون؟ صدق الله، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمي القلوب.
* * *
يا أيها الناس: أتدرون ماذا حل بالمغاربة؟ أصيخوا إليّ بأسماعكم، وأمسكوا بقلوبكم، واحبسوا أنفاسكم، وأعدّوا مآقيكم، فستبكون كثيرًا وستحزنون طويلًا: أمة مسلمة من البربر تبلغ السبعة الملايين (تصوروا ضخامة هذا العدد: سبعة ملايين. ضعف سكان سوريا!) أصدر سلطان المغرب (المسلم) أمرًا منه تنازل فيه عن حقه في الإشراف على أمورها الدينية إلى الفرنجة المستعمرين!
أتدرون ماذا صنعوا بعد ذلك؟ قام النصارى في الرباط عاصمة المغرب بصلاة الشكر في أعظم كنائسهم، ثم أخرجوا من هذه القبائل قُرّاءَها وحَمَلةَ القرآن فيها فأجلوهم عن البلاد، وحظروا على المسلمين قراءة القرآن والصلاة وكل أعمال الإسلام، وأغلقوا المساجد، وهددوا كل من يتكلم بالعربية أمام العموم بصارم العقاب، وأجبروا الوِلْدان الصغار على الذهاب إلى كنائسهم وأداء طقوسهم، وصاروا يشيدون الكنائس في كل جهة من مال الأوقاف الإسلامية الأوقاف الإسلامية، هل فهمتم؟! (١)
_________________
(١) هذه هي حادثة «الظهير البربري» المشهورة. و«الظَّهير» هو القرار أو المرسوم بلغة المغاربة. وقد صدر «الظهير البربري» في السادس عشر من أيار (مايو) ١٩٣٠ بتوقيع السلطان محمد الخامس، ونَصَّ على وضع مناطق البربر تحت سلطة الإدارة الاستعمارية الفرنسية، وعلى =
[ ١١٦ ]
هذا ما يقوم به رجال التمدّن فيعده مجدِّدونا تقدمًا ومدنيّة، وندعوهم إلى ما جاء به الدين فيعدّونه رجعية وجمودًا، ويقولون بعد هذا إنهم عقلاء؟
* * *
_________________
(١) = إنشاء محاكم خاصة بالبربر تعتمد في أحكامها على أعرافهم المحلية بدلًا من الشريعة الإسلامية (على اعتبار أن عادات البربر وأعرافهم كانت سابقة على الإسلام)! وبهذا المرسوم فَقَدَ السلطانُ المغربي حقَّ الإشراف الرسمي على البربر، وفقد البربرُ الغطاءَ الإسلامي العربي الذي كانوا يعيشون في ظله طوال القرون السابقة. لقد أرادت فرنسا بإصدار هذا القانون «فَرْنَسَة» وتنصير البربر والتفريق بينهم وبين العرب وعزلهم عن العربية وعن الإسلام، وسرعان ما مُنعت اللغة العربية في تلك المناطق وفُتحت مدارس أمازيغية دُرِّس فيها التاريخ واصفًا العرب الفاتحين بالغُزاة ومؤكدًا على الهوية البربرية لأصحاب البلاد الأصليين! واعتبر الفرنسيون أن تنصير البربر هدف غير قابل للتراجع، حتى لقد قال واحد من قادتهم في كتاب أصدره سنة ١٩٢٣: "يجب محو إسلام البربر وفَرْنَستهم". لكن الذي حصل غير ما كان يرجوه الفرنسيون، فقد أجَّجَ صدورُ «الظهير البربري» الروحَ الإسلامية والوطنية وأشعل في طول البلاد وعرضها ثورةَ غضبٍ عارمة، فانطلقت المظاهرات في أكثر المدن الكبرى -مثل فاس وسلا وطنجة وتطوان- وشاركت طبقاتُ الأمة كلها في النضال بلجوئها إلى مقاطعة البضائع الفرنسية مقاطعة صارمة. وامتدّت هذه الروح إلى أنحاء العالم الإسلامي كافة، فكانت حملة مدوّية قادها محب الدين الخطيب والأمير شكيب أرسلان في مجلة «الفتح» ومحمد رشيد رضا في «المنار»، وشارك فيها «الأزهر» والجمعيات الكبرى كجمعية «الشبان المسلمين» وجمعية «الهداية =
[ ١١٧ ]
هذا ما وقع في المغرب الأقصى، وهذا ما سيقع لكم إذا أنتم أسلمتم أبناءكم إلى هذه المدارس العاملة على التبشير بالنصرانية والتشكيك بالإسلام، وهذا ما سيقع لكم إذا أنتم ثابرتم على غفلتكم وتفرّقكم واشتغالكم بمصالح أنفسكم، لا تفكرون أبدًا في مصالح أمتكم وطرق تقوية دينكم.
فيا أيها الناس ممّن آمن بالله واليوم الآخر: عودوا إلى دينكم، طهِّروا من الفساد بيوتَكم ومن صحبة أهل الضلال نفوسَكم، امنعوا من التبرّج نساءكم ومن مدارس التبشير والإلحاد بناتكم وأولادكم، اعكفوا على كتاب ربكم وسنّة نبيكم، فذلك أولى بكم، ورَحِمَ الله من سمع فوعى وعمل فأخلص.
* * *
_________________
(١) = الإسلامية»، وتتابعت المقالات الغاضبة والمندِّدة بحكومة فرنسا و«سياستها الصليبية» في كل جرائد الشرق الإسلامي، في مصر والعراق والشام وفلسطين والحجاز وليبيا وتونس، بل لقد وصل الغضب إلى أندونيسيا التي شاركت جمعياتها الإسلامية الكبرى في تلك الحملة. ورغم أن هذه الردود العنيفة كلها لم تفلح في إلغاء «الظهير» -الذي بقي معمولًا به بشكل رسمي حتى ألغاه السلطان محمد الخامس في أواسط الخمسينيات- إلا أن الأثر الذي رجاه له الفرنسيون لم يتحقق ولم يترك البربرُ الإسلامَ الذي ارتضوه من قبل لهم دينًا (مجاهد).
[ ١١٨ ]