الرسالة العاشرة
لك الحمد ربنا على ما أنعمت علينا بأن جعلتنا من أمة الرسول الأعظم ﷺ، ومنك التوفيق وإليك الإنابة، ولك الحول وعليك الاتكال.
هذه عشر رسائل، علم الله كم قاسينا من أجلها من متاعب وعانينا من مصاعب، فهل لنا من مغبَّتها في الإصلاح عُقْب مما نالنا، ومن عاقبتها في الخير بديل مما لحق بنا؟
نعم، إنني لست على رأي من يعمل ثم ينظر رأي الناس فيه ورضاهم عنه، فيتابع ويواصل إن وجد حسنًا ويصدّ ويحيد إن وجد سيئًا. ولست أرجو صلاح أمة قد عَرَقَ فيها الفساد (١) وتمكن منها الداء بخَطّة قلم ونقطة مداد، ولا يكون ذلك ومحمد رسول الله ﷺ لبث في قومه سنين يدعوهم فلا يستجيبون له، ويناديهم فلا يلتفون إليه، وهو الأمين المأمون وسيد العالمين، وقومه على الفطرة النقية، فما قولك بأمة كلها فساد، وداع هو أحوج إلى الإصلاح والنصح ممّن يدعوهم؟ هل يثمر عمله في يوم أو شهر
_________________
(١) أعرَقَ الشجرُ في الأرض وعَرَق فيها: امتدت فيها عروقه (مجاهد).
[ ١١٩ ]
أو عام؟ لا. فهل يفرّ وينهزم إذا لم يثمر عمله في شهر؟ لا، إن شاء الله.
وإنّا متابعون السير في هذه الرسائل، علّ الله تعالى يوفق أثرياءنا وأغنياءنا إلى بذل قليل من مالهم ننشئ به مجلة إسلامية، يكون فيها متّسَع لما لا تتسع له هذه الرسائل، فيكتب فيها رجال مختلفون يعالج كلٌّ منهم ناحيةً من النواحي التي نحتاج إلى معالجتها في قضيتنا الإسلامية. إن هذه المجلة من أحسن ما يقوم به مسلم لخدمة القضية الإسلامية، لأن الجرائد والمجلات هي المعلّم السيَّار الذي يكلم كل إنسان ويدخل كل دار، ويبث الشرور والمفاسد إذا كان فاسدًا شريرًا، والصلاحَ والخير إذا كان صالحًا خيّرًا.
فمن أي النوعين جرائدنا ومجلاتنا؟ ليُجِبْ القارئ كما يريد، وإنما ليسمح لي أن أقول له:
(١) إن قضية البربر -على عظمها وجلالها- لم تنل من صفحات جرائدنا «الإسلامية!» إلا بضعة أسطر من الصفحة الثالثة نُشرت كخبر بسيط بجانب خبر قدوم جوقة موسيقية وخبر الدعوة إلى راقصة أو مغنية!
(٢) وإن بلاغ الحكومة الرسمي بترخيصها لناد من النوادي بتعاطي القمار قد مَرَّ دون أن تعلّق الجرائد عليه شيئًا، ومعنى هذا أنهم أحلّوا القمار وقد حرّمَه الله، ومن استحلَّ حرمات الله فقد كفر!
* * *
[ ١٢٠ ]
يجب أن تخرج قضية المجلة من دَوْر التفكير إلى دَوْر العمل، ويجب أن يجتمع بعض من يهمه هذا الأمر للمداولة والبحث، ثم يقرروا منهاج العمل ويسيروا فيه. ولا يَفهَمَنَّ أحدٌ -إذا دعوت إلى إنشاء المجلة أو سعيت لها- أنني أدعو لأكون صاحبها أو محررها. لا، وإنما أعمل كأقلّ عامل فيها. أقول هذا لأن الناس اعتادوا أن يفسروا كل عمل للمصلحة العامة بأنه للمصلحة الخاصة، فيخاف العامل من هذا فلا يعمل شيئًا، وما ذلك إلا نوع من الحسد الممقوت والخلق السيئ. ولقد قالوا إننا نقوم بهذه الرسائل من أجل التجارة وإننا جمعنا مبلغًا عظيمًا من المال من طريق التبرعات، فأفهمناهم أن التبرعات لا تكفي أبدًا وأن الرسائل كانت تنقطع منذ رسالتين لو لم يتبرع أحد المحامين المسلمين بنفقة رسالة برمّتها ولو لم يتبرع شاب أديب بنفقات أخرى، وأنذرَنا أن لا نذكر اسمه كما أنذرَنا الأولُ. وأنه ليس معنا الآن شيء لإصدار ما يلي هذه، فأين هو هذا المال؟
هذه واحدة، وأما الأخرى فهي قضية المدارس. وإذا أطلقت كلمة «المدارس» فإنما أقصد منها المدارس التجهيزية التي تقدم طلابها لفحص البكالوريا، وهذه في دمشق على أقسام: أجنبية وأهلية وحكومية. أما الأجنبية فلا أحاول أن أقول كلمة عن منهجها والغرض من تأسيسها وعن صنيعها بأبناء المسلمين، لأن هذا شيء يعرفه القارئ فلا يحتاج إلى تعريف به، أو لا يعرفه إلى الآن فلا يمكن أن يعرفه الآن! بقي علينا المدارس الأهلية والحكومية، وليس للحكومة في دمشق إلا مدرسة واحدة هي المدرسة التجهيزية (مكتب عنبر)، وهذه -على ما فيها من نقائص- أحسن
[ ١٢١ ]
مدرسة تجهيزية، لا في سوريا فقط بل وفي العراق ومصر أيضًا، لأنها جمعت في سلك معلّميها من العلماء المبرزين ما يندر أن يجتمع في غيرها، ولأن فيها إلى جنب هذا روحًا وطنية عالية ونبوغًا عجيبًا في الطلاب. ولكن هذا الذي أقوله خبر تاريخي لم يبقَ منه الآن شيء، لأنهم ضربوها ضربة أليمة فرّقت أجزاءها وبعثرت أوصالها؛ أسقطوا من طلابها ظلمًا وعدوانًا ثمانين (أو أكثر من ذلك) في المئة، وصمُّوا آذانهم عن سماع شَكاة هؤلاء الطلاب المظلومين. (١)
وإلى هنا انتهى الدور الأول من هذه المأساة. وأما الدور الثاني فقد بدأ بإبدال مستشار المعارف الذي أساء إلى الإسلام والعروبة في دمشق إساءة لا تمحى أبدًا، فسُرَّ الناس وحمدوا الله على أن خلّصهم منه ومن صنيعته عدو الله ترجمانه (٢)، ولكن
_________________
(١) انظر رسالة «قضية التجهيز: أسبابها ونتائجها»، وهي تأتي في هذا الكتاب. وفي وقت قريب من نشرها نشر علي الطنطاوي مقالة في «فتى العرب»، بتاريخ ١/ ٧/١٩٣٠ (٤ صفر ١٣٤٩)، عنوانها «أنقذوا رجال الغد: السقوط المريع في فحوص التجهيز»، وقد أعرضت عن نشرها لذهاب مناسبتها ولتكرار معانيها (مجاهد).
(٢) المستشار هو الفرنسي راجه، وترجمانه ميشيل السبع. لهما أخبار متفرقة في «الذكريات»، قال: "كان المستشار الفرنسي هو الوزير الحقيقي وهو الآمر الناهي، وترجمانه ميشيل السبع، وكان معاونوه كلهم من النصارى (وما كان ذلك اتفاقًا بل كان شيئًا مقصودًا، وكان مستمرًا مع كل حاكم أجنبي أو ماشٍ على مذهب الأجنبي) " (الذكريات ١/ ٢١٤). وانظر الرسالة الآتية، وانظر أيضًا مقالتَي «إلى مجلس المعارف الكبير» و«قطعةٌ من حديث (٣)» في هذا الكتاب (مجاهد).
[ ١٢٢ ]
سرورهم لم يطل، ولم يلبثوا أن رأوا بليّة جديدة: بلاغ رسمي يخوّل المدارس الأجنبية حق إعطاء شهادة مقبولة كالبكالوريا ويَحْرم المدارس الوطنية من هذا الحق، فكانت النتيجة أن تسجل ثلث طلاب التجهيز في تلك المدارس، وربما لحقهم الثلث الآخر عما قريب.
حقًا إنكم لم تعلموا هذا، لأنكم نائمون لا تعرفون شيئًا! إذن فقد خسرنا «التجهيز». وأما المدارس الأهلية فهي على قسمين: ناجحة ومقصِّرة؛ فالناجحة لا تفترق إلا قليلًا عن المدارس التبشيرية، ولا يغرّنَّ الناسَ أن فيها الشيخ عَمْرًا أو العلاّمة زيدًا، فهؤلاء فيها إنما يُقدَّمون ليُصرَعوا وليكونوا جُنَّةً تَرُدّ عن المدرسة سِهامَ النقد! ومن كان في شك مما أقول فلينظر من يعلّم، بل من يربي أطفالَ المسلمين فيها، الأطفال الذين هم أنقى من الصفحة البيضاء يرتسم في نفوسهم كل ما يلقى عليهم، إنما تربّيهم امرأة، نصرانية أو يهودية لا أدري! وما لنا ولهذا؟ أخبروني: أليس لسان المدرسة الرسمي هو اللسان الإفرنجي، أليست دروس الفقه والقرآن فيها سُخرية ولعبًا؟
أنا لا أحمل على هذه المدارس لغرض في نفسي، وإنما أتهمها بأشياء هذا بعضها، فلتبرّئ نفسها إذا استطاعت، وأنا أُسَرّ أن أكون كاذبًا وأن تكون صادقة إذا كان في كذبي وصدقها صلاح مدرسة يعود صلاحها على الأمة بالنفع العميم. على أنها معذورة فيما تفعل، لأنها تقبض من أجله من السلطة ألوف الفرنكات في العام، فهل يعطيها ربعَها المسلمون إذا هي أرضتهم وأحسنت إلى دينهم؟!
[ ١٢٣ ]
هذه مدارسنا كما رأيتم، وهؤلاء أبناؤكم ذهبوا إلى مدارس الكفر والتبشير، وسيرجعون إليكم غرباء عنكم، على دينٍ غير دينكم، وملّةٍ غير ملتكم، ولغةٍ غير لغتكم. وأنتم؟ غافلون!
* * *
ولنترك المدارس قليلًا، لننظر إلى الطبقة الوسطى والدنيا من الناس: كيف حالها وما هو مبلغ تمسّكها بالدين؟
صليت الجمعة الماضية في جامع السادات (مسجد الأقصاب)، وهو -كما يعلم الناس- من المساجد الكبيرة في دمشق، فلما انقضت الصلاة وخرجنا وجدنا في صحن الجامع خمسة رجال مسلمين أقوياء أشدّاء لو أراد أحدهم حمل بغل لفعل، وهم جالسون يأكلون في بيت الله وصلاةُ الجمعة تقام، وهم يسمعون قراءة الإمام وأصوات الركوع والسجود ولا يصلّون، والناس يمرّون بهم كأنْ لم يكن في الأمر شيء! لا تَهيج فيهم حَميّة الإسلام، ولا يغارون على حرمات الله التي تُنتهَك في بيت الله أمام عباد الله!
أنا لا أعجب من صنع هؤلاء الأجلاف، وإنما أعجب من الناس: كيف لا يغضبون لله، ولا يزيلون المنكر من بيته وهم على إزالته قديرون! فأين هو الإسلام أيها الناس؟
أهو في المساجد؟ انظروا إلى «الأموي» بعد صلاة الجمعة وشاهدوا الناس كيف يتحدثون فيه عن أمور الدنيا، ويغتابون فيه الخلق، ويكذبون ويقسمون ويحنثون! في الأسواق؟ انظروا الباعة في سوق الحرير كيف يصفّفون شعورهم ويصقلون خدودهم
[ ١٢٤ ]
ويتزيّنون كأنهم الفتيات ليلة زفافهن، وانظروا ما يكون بعد ذلك من منكرات ومفاسد! في المدارس؟ وماذا في المدارس؟ إن فيها الداهية الدَّهْياء مما يجري في طي الخفاء من الأمور المخلّة بالشرف والعفاف، فضلًا عما فيها (أو في أكثرها) من فشوّ المنكر وزوال المعروف. في البيوت؟ وبيوت أكثر الرجال تتغلب فيها النساء فيصنعن ما يشأن، وانظر بعد ذلك ما في البيوت من تبرّج وعورات باديات وصلوات معطَّلات، وما وراء ذلك أدهى وأمَرّ. في القرى والمتَنَزّهات؟ هذه شر ما في الأمر!
كل هذا في دمشق، ودمشق جنة إذا قيست بمصر!
ألا لا بد من أن يجتمع الغُيُر على الإسلام، فيتحدثوا فيما لحق به ويختاروا أقرب الطرق لإصلاح أهله، ولا بد من أن نتناصح وينكر كلٌّ على أخيه ما يراه مخالفًا للدين، ولا بد من أن ننصر الدين في كل موطن نقدر على نصرته فيه، فإذا فعلنا صلح أمرنا، وما صلاحه إلا بيد الله، اللهمّ أصلح الحال.
* * *
انتهت الحلقة الأولى من «سيف الإسلام» ووقعت في عشر رسائل، وإنّا نسأل الله التوفيق لجعل الثانية أكثر فائدة وأكبر حجمًا وأجود طباعة. (١)
* * *
_________________
(١) عثرت على الرسائل العشر جميعًا إلا واحدة، وهي التاسعة. وقد رأيتم فيما مضى من هذا الكتاب سبعًا منها، فالذي نقص رسالتان،=
[ ١٢٥ ]
_________________
(١) = الرابعة وعنوانها «في ذكرى المولد»، والسادسة وهي قصة اجتماعية إصلاحية اسمها «صدقي بك»، وكلاهما ستجدان طريقهما بإذن الله إلى مواضع مناسبة في الكتب الجديدة التي أرجو أن يوفقني الله إلى إصدارها عمّا قريب. والظاهر أن جدي ﵀ كان يعتزم المضيّ في إصدار رسائل «سيف الإسلام» في مجموعات متتابعات سمّاها «حلقات»، فلما أتم هذه العشر الأولى وَعَدَ القرّاء بحلقة ثانية من عشر أُخَر. وليس عندي علمُ يقين بما آل الأمر إليه من بعد، لكن الرسالة الأولى والوحيدة التي وجدتها من الحلقة الثانية جعلتني أخمّن أنها رسالة مُفرَدة من تلك الحلقة لا ثاني لها، وإذن فيكون كل الذي أصدره من رسائل «سيف الإسلام» إحدى عشرة رسالة فحسب. وها هي ذي الرسالة تأتي في الصفحة الآتية، عنوانها «المدارس الأميرية»، وقد نُشرت في تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه الذي نُشرت فيه سائر الرسائل، ١٩٣٠ (مجاهد).
[ ١٢٦ ]