الحلقة الثانية-الرسالة الأولى
المدارس الأميرية
كان شارع «المِسْكيّة» (١) مساء السبت الماضي أشبه بالمحشر، حُشر إليه طلاب المدارس من كل حدب وصوب ليتداركوا حوائجهم المدرسية في مطلع عامهم الجديد؛ فمن غلام يصيح ورجل يساوم وشاب ينادي، إلى فتاة تلحّ وامرأة تهتف وعجوز تهذي! وكلهم يريد أن يسبق رفيقه إلى نيل حاجته وبلوغ طِلْبَته. وإنهم في تزاحمهم لأشبه شيء بتزاحم الناس على الأفران أيام الحرب العامة ليفوزوا برغيف يدفعون به عن أنفسهم غائلة الجوع في تلك الأيام السوداء! (٢)
_________________
(١) المسكية سوق (أو سُوَيق) بين سوق الحميدية والباب الغربي للجامع الأموي كان مخصصًا لبيع الكتب، وقد أُزيل منذ سنين على ما سمعت (مجاهد).
(٢) يريد الحرب العالمية الأولى، وكان اسمها «الحرب العامة»، سُمِّيت كذلك يوم لم تكن الدنيا عرفت حربًا عالمية ثانية، وكذلك بقي يدعوها جدي ﵀ إلى آخر أيامه. وانظر الحديث عن الحرب وما سبَّبَته في الشام من جوع وخوف في الحلقة الرابعة من =
[ ١٢٧ ]
كان معي رفيق لي يرى ما أرى فقال: أما ترى كثرة طلاب العلم وروّاد مناهله؟ أما تسرّ بذلك وتؤمل لسوريا منه النجاح والهناء؟ حقًا إنه مشهد يفرح النفس.
وسكت ينتظر جوابي، فلم أردّ عليه، فعاد إلى إتمام خطبته فقال: ولمَ لا؟ أليس بالعلم تنهض الأمم؟ أليس كل معهد من هذه المعاهد حجرًا جديدًا في صرح عزنا وبناء مجدنا؟ أليس هؤلاء رجال المستقبل وقادة الغد؟ أليس علمهم منارًا يهديهم سواء السبيل ويدلّهم على طريق الرشاد؟
وراح يهذي بهذا وشبهه. وما أكثر ما يعاني المرء من هؤلاء الذين لا يعرفون الأشياء على حقيقتها فينطقون بعلم، ولا يسكتون فيسترون ما هم عليه من جهل، بل ينطقون، ويُكثرون إذ ينطقون، ويُضجرونك إذ يُكثرون؛ فأنت منهم بين جهل وإضجار! وليس أثقل عليّ من رجل يناقش في الفلسفة ويبحث في أعضل مسائلها وهو لم يسمع بها ولم يعرف من الدنيا إلا تجارة وسوقًا، وآخر يبحث في الدين ويتعرض لتفسير الآيات وتخريج النصوص وهو لا يفقه من الدين إلا أن في الدنيا شيئًا اسمه الدين! ولو عقل هؤلاء لأخذوا فيما خُلقوا له وتركوا ما ليس من شأنهم فاستراحوا وأراحوا. وما لهم ولما لم يعرفوه؟ ما للطبيب وللبلاغة، والتاجر والفلسفة، والمهندس والأصول؟ ولكن الخوض في كل شيء
_________________
(١) = «الذكريات»، قال: "كنت أمشي إلى المدرسة من داري في العُقَيبة فأرى الفرن مسدودةً واجهتُه بالخشب ما فيها إلا طاقة صغيرة، والناس يسدّون نصف عرض الطريق، يطلبون أرغفة من الخبز الأسود فلا يكادون يصلون إليها" (مجاهد).
[ ١٢٨ ]
صفة تمكنت من كثير من الأنفس فكانت لها طبعًا وسجيّة، وإن منها لنفس صاحبي الذي حَسِبَ سكوتي عنه رضا بما يقول، فأطال القول واشتد فيه، وأثبت ودلّل وأفصح وأجزل، حتى إذا حسب أنه وفّى كل شيء حقه ولم يدع في البحث مجالًا لقائل سكت وتنفس الصعداء، والتفت إليّ يرقب مني كلمة التشجيع والثناء على حسن بيانه وبلاغة لسانه وحدّة جنانه، فقلت له: أتحسب هؤلاء يُخلصون للعروبة والإسلام ويدافعون عنهما إذا هم صاروا رجال المستقبل وأُلقيت إليهم مقاليد الأمور؟ أتظن هذه المدارس تعمل على خدمة الوطن وتهيئة رجاله العالمين؟ أترى هذا العلم الذي يتلقفه هؤلاء خيرًا من الجهل المطبق؟
قلت هذا ولحظته، فوجدته يكاد ينفجر بصيحة إنكار مرعبة تجمع علينا الناس وتقوّض الشارع على من فيه، يقول فيها: أتهين العلم؟ أتحتقر المدارس؟ يا جاهل، يا متعصب، يا رجعي!
فسرت في حديثي ولم أدع له وقتًا يقذف فيه هذه الصيحة المنكرة التي اتخذها أشباهه من الشبان «الناهضين» و«المتنورين» سلاحًا يغمدونه في صدور أمثالنا من الشبان «الجامدين»! تابعت حديثي، ولكني التفتُّ فلم أجد صاحبي لأنه فرّ وانهزم، أو هو - على التعبير الجديد- أعلن استياءه مني بالانسحاب! وقد أراح الله قرّاء هذه الرسائل من حديثه وأخباره، فليسمعوا ما هو أهم منها، وليصغوا إلى ما أحدثهم به، فإني بادئ بصلب الموضوع.
* * *
أشرت في الرسالة الماضية (الرسالة العاشرة من الحلقة
[ ١٢٩ ]
الأولى من هذه الرسائل) إلى المدارس الثانوية وأثبَتُّ أنه ليس في دمشق مدرسة ثانوية واحدة تخلص للعروبة والإسلام وتنجب رجالًا يحترمونهما ويضحون في سبيلهما، وأريد الآن أن أتكلم عن المدارس الابتدائية.
المدارس الابتدائية في دمشق أميرية (حكومية) وأهلية وأجنبية، أما الأجنبية فهي -بالاختصار- قلاع نصبها العدو في بلادنا وسلّط مدافعها على قلوب أبنائنا، فهي تستعمرها إلى الأبد وتمتلكها إلى يوم القيامة، ومن يبعث بابنه إلى واحدة منها خائنٌ للوطن عدوٌّ له، يجب أن يُنبَذ ويُطرَح ولا يُحفَل به، كائنًا مَن كان.
وأما الأهلية فصالحة نوعًا، وإذا كانت بها علّة فهي علّة الفقر والعجز المالي، وعلّة الفوضى والاضطراب الإداري، ولكنها -مع هذا كله- الوفية للدين والوطن المخلصة للّغة والماضي.
وأما الأميرية (ونستطيع أن نقول إنها كل شيء عندنا) فسنتكلم عنها بنوع من الإسهاب والتفصيل.
يعلم القارئ من كان يقوم بأمر وزارة المعارف ويتولى شؤونها، دقيقها وجليلها، حتى ما يفوته منها صغير ولا كبير أو هو لا يعلم، فأُخبرُه أنه «المستشار». وأشهد أن هذا المستشار، المسيو راجه، على جانب من الذكاء والفطنة عظيم جدًا، وبهذا الذكاء وهذه الفطنة استطاع أن يخدم قومَه خدمة لم يقوَ عليها كلُّ ما عندهم من قوة وجُنْد وعتاد، فقد عرف كيف يأكل الكتفَ، بل ويُتبعها بالرقبة! وقَدِر أن يضمن لقومه أمة تُنشَّأ في سوريا تكون
[ ١٣٠ ]
وفية مخلصة، لا للعروبة والإسلام، هيهات، بل لفرنسا!
ما للقارئ يعجب ويستغرب ما أقول؟ إنه في منتهى الجلاء والوضوح. أبناؤكم الآن هم رجال المستقبل، فإذا ربّاهم كما يريد وأنشأهم كما يشاء أصبحت أمة المستقبل كما يشاء. ولا تعجبوا، فقد بلغ من حرصه على طمس معالم الإسلام أنه أغلق مدرسة لأنها تسمى مدرسة «التهذيب الإسلامي»! وأخرج مدرّسًا من خيرة المدرسين وأقدرهم، هو الشاعر سليم الزركلي، لأنه ألقى قصيدة له في محفل فيها ذكر حضارة العرب والمسلمين ومجدهم!
ولندع هذه القصص الفردية، ولنأخذ في الكلام على القضايا الجوهرية التي نأخذها على المدارس الأميرية.
* * *
إنما تقوم حياة الأمم على ثلاث دعائم: الدين واللغة والتاريخ. فلننظر مبلغ عناية الوزارة بهذه الدعائم الثلاث.
(١) الدين: ماذا فعلت «المعارف» بالدين؟ هل تريدون الجواب الواضح الموجز؟ إنها نبذته وأهملته! لقد كتبنا في «الفتح» منذ عامين، يوم ظهر برنامج المعارف الجديد، فصلًا كشفنا فيه الستار عن إهمال الدين في المدارس، ولقد كان له أثره المحمود، وأذكر أن الناس قاموا له وقعدوا وذهب وفد منهم إلى الوزارة يراجع ويتثبت، فوعدوه خيرًا وطبعوا برنامج الدروس الدينية على حدة ليرضوا به كل من ينازع ويشكو. ولكن ماذا كانت النتيجة؟
[ ١٣١ ]
كانت النتيجة أنه بقي حبرًا على ورق (كما يقولون)، ولبثت العلوم الدينية مهمَلة على حالها. نعم، إنها تُدَرَّس، ولكن ما الفائدة من تدريسها إذا لم تكن درسًا رسميًا يُفحَص به الطالب ويسقط إذا قصّر فيه؟ وهذا فحص الشهادة الابتدائية: هل في دروسه الرسمية شيء من علوم الدين؟ ومن يقول إن الطالب يجتهد على الدرس ويُعنى به إذا علم أنه لا شأن له في ترفيعه من صفّه أو بقائه فيه؟ هل يدرس الطلاب إلا لأجل الفحص؟ نحن الطلاب في المدارس العالية لا نطالع إلا لأجل الفحص والشهادة، فما قولك بالأطفال؟ وما تكون دروس الدين إذا عرف الطلاب أنها دروس ثانوية لا قيمة لها؟ طبعًا إنها تكون لعبًا وسخرية. هذا هو الواقع!
(٢) التاريخ: إن المدة المخصصة لدراسة التاريخ العربي كله لا تكفي لدولة واحدة من دوله، فيضطر المدرّس إلى الكلام على الدولة الطولونية أو الحمدانية مثلًا في ساعة واحدة أو ساعتين على الأكثر، بل يضطر إلى إهمال كثير من الدول الكبرى، فلا يذكر للتلاميذ أكثرَ من اسمها. والطالب الصغير يدرس في الصف الثاني تاريخ الفنيقيين قبل أن يدرس الخلفاء الراشدين، بل قبل أن يعرف شيئًا عن سيرة محمد ﵊! ويخرج الطالب من المدرسة الابتدائية وقد عرف عن نابليون أكثر مما عرف عن عمر بن الخطاب أو قُتَيبة بن مسلم، وقد علم من تاريخ فرنسا أكثر مما علم من تاريخ الأمويين! وهاكم التلاميذ: سلوا أشدَّهم نَباهةً عن نابليون وسَلُوه عمّن شئتم من رجال المسلمين، فإذا عرف عنه كما عرف عن ذاك فأنا الكاذب وأنتم الصادقون!
[ ١٣٢ ]
(٣) اللغة: كلمة واحدة لا أقول أكثر منها: أطلب تسوية اللغة العربية باللغة الفرنسية، وأن يعنوا بها عنايتهم بتلك! فإذا كان هذا (وهيهات أن يكون ونحن نائمون!) فقد صلح الأمر. إذن فهو فاسد الآن، وإذن فعنايتهم بها أقل من عنايتهم بالفرنسية؟ نعم، ومن شاء تفصيلًا فليطلبه في أعداد «فتى العرب» ففيها كل ما يطلب، ولقد أوسعنا هذا الأمر كتابة يومئذ، ولكن لم تُجْدِ عملًا (١).
ولو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقتُ، ولكنّ (٢)
* * *
هذه هي حالة المدارس الأميرية أيها القارئ، وهذا كله ولم أخبرك بشيء من السقوط الأخلاقي المريع الذي وقع فيها، ولم أنبئك بشيء من أخلاق المعلمين وصفاتهم!
أيها الناس: لا تحسبوا أن في القضايا كلها ما هو أهم من قضية المدارس. إنها قضية حياة أو موت للأمة كلها، وإن لكل منكم الحق في أن يطالب بإصلاحها ما دام ابنه أو بنته فيها؛ فلا
_________________
(١) انظر من سلسلة «مشاهدات وأحاديث»: «إلى مجلس المعارف الكبير» و«عقوق» و«ضاع الأمل» و«مَن للعربية؟»، وقد مضت كلها في هذا الكتاب (مجاهد).
(٢) «ولكنّ الرِّماحَ أَجَرَّتِ»، والبيت لعمرو بن معديكرب. قال في «اللسان»: "أي لو قاتلوا وأبلَوا لفخرت بهم، ولكن رماحهم أجَرَّتْني، أي قطعت لساني عن الكلام بفرارهم وعدم قتالهم. وهو من قولهم: أجررت الفَصيلَ إذا شققت لسانه لئلا يرضع". والفَصيل ولد الناقة إذا فُطم (مجاهد).
[ ١٣٣ ]
تقرؤوا هذه الرسالة لتقبعوا في بيوتكم وتثابروا على أعمالكم كأن شيئًا لم يكن، بل اهتموا بهذا الأمر واسعوا جهدكم لإصلاحه.
أيها الناس: إن الجهل خير من هذه المدارس! ويجب أن تنشئوا مدرسة إسلامية وطنية، ولو بثمن الخبز الذي تأكلونه والرداء الذي تلبسونه، ولو بقيتم اليومين والأيام بلا طعام ولا لباس!
أيها التجار المسلمون، أيها الأغنياء، أيها الموسرون: أناشدكم الله أن تبذلوا من أموالكم ما تقدرون عليه لإنشاء هذه المدرسة. والله إنني لا أملك في الدنيا إلا بعضًا من خزانة كتب هي أعز عليّ من نفسي، ولكنني أبذلها راضيًا في هذا السبيل. أنفقوا ولو قليلًا من مالكم، فإن القليل إلى القليل كثير. إن الله سيسألكم عن أبنائكم أين قذفتم بهم، فاتقوا الله فيهم.
أناشد الله كلَّ من تقع في يده هذه الرسالة من المسلمين أن يبذل أكبر مقدار من المال يقدر عليه لإنشاء هذه المدرسة، وأن يسعى لتكوين جمعية تتولى أمرَ تأسيسها. أناشد الله كل من يقرأ هذه الرسالة أن يحدّث بها أصدقاءه وذويه ويحثهم على نصرة هذه المدرسة وإخراجها إلى الوجود.
اللهُمَّ هل بلّغتُ؟ اللهُمَّ اشهد.
* * *
[ ١٣٤ ]