لله الحمد والمنّة، ومنه التوفيق والإنعام، وعلى رسوله الصلاة والسلام. نحمدك اللهم على نعمة العقل التي خصصتنا بها دون هؤلاء الملحدين، ونعوذ بك من التقليد الأعمى الذي ابتليتهم به حتى أصبحوا يتّبعون آثار أوربا شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلَت جُحر ضَبّ لدخلوه ولو سكنت وِجار كلب لسكنوه. ولا غرو، فإنها رقصت فرقصوا، وتعرّت فتعرّوا، وزنت فزنوا، وانتحرت فانتحروا! لا نعني الشبان كلهم فأكثرهم بحمد الله مؤمن، بل نعني المتنوِّرين الناهضين -كما يسمون أنفسهم- وما هم بالناهضين إلا إلى شر، وما هم بالمتنورين إلا بلهيب السعير الذي جلبته عليهم أوربا فأَصْلَتهم جحيمه، فهم أبدًا أصحاب وجهين: وجه مجدِّد مخترع، وهذا ما يولونه أهلَ الدين، ووجه مقلِّد خاضع، وهذا ما يولونه أوربا، صدق والله الشاعر: «أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة»!
وما لهم يَغضبون علينا ويُغضبوننا، ونحن لم نصنع شيئًا أكثر من الانتصار للإسلام والدعوة إلى الله؟ وعلامَ يغضبون من نصرة
[ ٩٨ ]
الإسلام إذا كانوا مؤمنين موحِّدين؟ من يدري جواب هذا؟ هذا ما لا يعلمه إلا الراسخون في التجديد، والغائصون في حمأته إلى أعناقهم ومناخرهم!
* * *
وما لهم يخنسون وقد قلنا لهم: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين في تجديدكم، فكان جوابهم: إن أنت إلا رجعي وأنت جامد! كأن هذه الرجعية وهذا الجمود سلاح يلقونه في وجه من يطبع بالحق على قلوبهم ويَظهر عليهم ويخزيهم، وما أهون ذلك علينا ما داموا لا يجدون ذلك الرجل الذي وهبه الله البيان ووقاه من عيّ اللسان ليدافع عنهم ويثبت للناس صحة تجديدهم وسلامة عقولهم.
إن هذه الفئة قد فُتنت بأوربا وجُنَّت بها جنونًا، ولم تعد تعرف للخير والشر مقياسًا إلا أنّ الأول غربي والثاني شرقي! وأعرف واحدًا من هؤلاء، بل من أساطينهم، رويت له حادثة وأنبأته أن قد ذكرها ابن جرير في تاريخه وابن هشام في سيرته، فكذّبها وسخر منها، فلما كان بعد أيام رأيته فأقبل عليّ يقول: لقد كذّبتُ منذ أيام تلك الحادثة، ولكني وجدت أنها صحيحة. قلت: وكيف كان ذلك؟ قال: علمت صحتها لأني رأيت مسيو فلان ينقلها في كتابه «تاريخ محمد»!
بل أعرف كثيرين منهم يقدّرون الرجل ويقيسون عقله بمقدار ما يدور على لسانه من ذكر أوربا وثقافتها وآدابها ومذاهبها، ورجالها وعظمائها وجيوشها وأساطيلها! وعندهم أن مَن يحمل
[ ٩٩ ]
شهادة من باريس أو لندن -ورأسه فارغ- خير ممّن يفيض علمًا ولا يحمل شهادة! وثلاثة أرباع النابغين المبرزين إن أنت أحصيتهم وجدتهم من غير حَمَلة الشهادات.
اسمعوا وأجيبوني: ألا أستطيع أن أكون مسلمًا مؤمنًا بالله، مقيمًا لفروضه مجتنبًا نواهيه، وأكون عالمًا إن شئت أو أديبًا إن أردت؟ وهل يمنعني الدين من الإخصاء في علم أو التبريز في أدب؟ وهل حسبتم أن الثقافة قد قُصرت عليكم فكانت لكم خالصة من دون الناس أجمعين؟ لا، وأنا لم أدرس في الأزهر ولا في جامع الزيتونة، بل درست كما درستم وحصلت ما حصلتم، وأستطيع أن أتم درسي وأوالي تحصيلي حتى أكون كأحسنكم، ولا ينقص ذلك من ديني شيئًا.
* * *
أما والله لو عرف هؤلاء المجدِّدون أيّ لذة يشعر بها المؤمن -إذ يلتجئ إلى الله أو يقف خاشعًا بين يديه- لباعوا دنياهم كلها بصلاة واحدة. إنهم يصبحون وقد أضحى النهار، فيغسل أحدهم وجهه ويديه ثم يتناول طعامه ويذهب إلى عمله، حتى إذا كان المساء انصرف إلى مقهى ساء هواؤه وفسد جوُّه وقبح مشهده، فقضى فيه ثلثًا من ليله ثم فارقه وهو تَعِب محطم إلى الفراش! ويصبح المؤمن قبل الفجر أو بعده بقليل، فيشهد جمال الطبيعة التي خطّت سطورَها في صفحة الكون يدُ الله، فيمتلئ قلبه تعظيمًا لله فيقف فيصلي خاشعًا خاضعًا، ثم يشهد بزوغ الشمس ويرقب أشعتها الذهبية إذ تتساقط على الأشجار والبُنى والبطاح، ثم يتناول طعامه بادئًا باسم الله خاتمًا بحمد الله، ويذهب إلى عمله أيّ
[ ١٠٠ ]
فرق بين صباح هذا وصباح ذاك، وأيّ جزاء يصيب به الله هؤلاء أكثر من حرمانهم هذه اللذة التي تتقطع دونها الأعناق؟
ويصاب الملحد بالمصيبة فتضيق به الدنيا، فلا يجد مخلصًا له إلا الانتحار أو الفرار، ويصاب المؤمن فيقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهمّ أنت وهبت وأنت أخذت، فلا حول ولا قوة إلا بك"، ثم يدعها لله فيبدله الله خيرًا منها ويرزقه الصبر على فقدها.
ألا إن السعادة والهناءة في هذه الحياة الدنيا لا تأتي إلا من طريق الإيمان، ولا يعرف الإيمانَ إلا مَن ذاق لذته وخالطت قلبَه حلاوتُه، وأما من طمس الله على قلبه وضرب على فؤاده فلا يشتمّ ريحه ولا يدرك له مغزى.
ألا فليأذن هؤلاء المجدِّدون بحرب من الله ورسوله، فقد وقفنا أنفسَنا على كشف عيوبهم وإبداء سوءاتهم، حتى يعرفهم الناس كما هم لا كما يريدون أن يعرفوهم! وفّقَنا الله إلى التنكيل بهم أو وفّقَهم إلى الرجوع إلى دينه، إنه سميع يجيب الدعاء.
* * *
[ ١٠١ ]