أنشودة الظلام
نشرت سنة ١٩٣٢ (١)
نفضت يدي من آمالي، وجلست على شاطئ الماضي أستعرض هذه الآمال التي لفّها العدم بضبابه الكثيف وهي تمر بي كما يمر فلم من أفلام السينما، مغسولةً صفحاتُها بماء قلبي الذي صببته عليها من عيني يوم ودعتها، فأراها تتغلغل في الظلام ليلقيها القدر في هوة الفناء، ونظرت إلى الأمام فلم أرَ فيه إلا ظلامًا حالكًا، فأخذت قلمي لأكتب صفحة جديدة من سِفْر الأحزان.
وما سفر الأحزان إلا مذكراتي التي تصف آلام «ابن العشرين»، والتي نشرتُ بعضًا منها في الصحف فضاع، وحفظت بعضًا منها في الصندوق فتمزق، وأبقيت بعضًا منها في رأسي، فأنستني المصائبُ الجديدة مصائبي القديمةَ فلم يبقَ في رأسي منه شيء وهذه هي الصفحة:
_________________
(١) نشرت هذه المقالة في العدد الثاني من مجلة «بلاغة الشباب» الصادر في الأول من تموز سنة ١٩٣٢ (٢٦ صفر ١٣٥١).
[ ٢٢٧ ]
كنت أعيش بآمالي وأبصر على نورها طريقَ المستقبل الزاهر، وكانت وضّاءة لامعة كصفحة النهار الواضح، وكنت أجهل معنى الكآبة وأبتلع الدنيا كلها بابتسامة ساحرة طَرِبة
وتوفي والدي، فبدت سحابة سوداء في آمالي المنيرة، وتألمت وحزنت، ولكني عدت فابتسمت، ولم أيأس لأني أجهل ما هو اليأس.
وعصفت الرياح بآمالي فقذفتني من هنا إلى هناك، وتعبت وسمّاني الناس متقلبًا، وسقطت مرة على الشَّوك فخُدشت ذراعي، ووقعت مرة في الماء فابتلت ثيابي، وهدأت الرياح قليلًا فأسفت لما حل بي، ولكني لم أيأس لأني أجهل ما هو اليأس.
وفارقتني أمي، أمي التي أوليتها حبي وصببت ماء قلبي على قدميها، فارقتني إلى الأبد، فنظرت في آمالي، فإذا الظلام قد اشتملها كما يشتمل الليل الدنيا. وطال حزني وحزّ الألم في نفسي، ولكني لم أيأس لأن لديّ مصباحي الخافت يضيء لي موطئ قدمي في هذه الظلمة الحالكة.
وحافظت على المصباح، وحنيت عليه بضلوعي وأحطته بذراعي، ولكن حريتي ودراستي العالية قد أودى بهما اضطراري للعيش، فانطفأ المصباح وتعلمت ما هو اليأس!
* * *
عَمَّ الظلام وغطى كل شيء، فلم أعد أرى أو أسمع إلا هذه الكلمة التي يشيّعني بها أصدقائي وخصومي: «مسكين»
[ ٢٢٨ ]
فتقدمت وسط الظلام أبحث عن الهوة التي أسقط فيها فتكون خاتمة هذا المطاف الأليم!
إن نفسي كبيرة كهذا الليل تتسع لكل شيء، ولكنها مظلمة كهذا الليل لا تتسع لشيء، وإن أبناء الأمل لا يفهمونني، بل هم يزورونني ويفرّون مني. سأتركهم وأتغلغل في ظلامي السرمدي، إنه يستر خطيئاتي عن الناس ويستر عني شرورهم وآثامهم، وليته كان يقوى على ستر هذه الطيوف المريعة التي تتراءى لي وسط الظلام!
* * *
وداعًا يا أصدقائي إنكم لن تعرفوني بعد اليوم!
* * *
[ ٢٢٩ ]