نشرت سنة ١٩٢٩ (١)
-١ -
- إليّ، إليّ يا بُنَيّ. ما لك؟
- أين أبي؟ أين أمي؟
هذا جواب ذلك الطفل الصغير الضالّ، أفصحت عنه عيناه الباكيتان ومنظره المُشْجي إذ قد عَيَّ به لسانه المتلعثم الذي ما يكاد يُبِين.
ناديته، فأقبل إليّ وحدّق إلى وجهي، فلمّا لم يَرَني أباه ولّى وله منظر تدمى له أقسى القلوب وآهات تتقطّع لها نياطها، إلا قلوب بني صهيون فإنها لا تحركها رحمة أو يحرّكَ (٢) النسيمُ الرقيقُ الصخرةَ الجلمود.
_________________
(١) نشرت في مجلة «الفتح»، العدد ١٦٩ من السنة الرابعة، الصادر بتاريخ ١٧/ ١٠/١٩٢٩ (١٤ جمادى الأولى ١٣٤٨).
(٢) أي: إلا إذا حرك النسيمُ الصخرةَ! انظر الحاشية التي سبقت في صفحة ٢٢ (مجاهد).
[ ٣٧ ]
مضى على وجهه وقد توردت عيناه من البكاء وتورمت قدماه من السير، يصيح: بابا، ماما، ماما، بابا حتى انقطع عن عيني مرآه وعن أذني مسمعه.
-٢ -
- هل رأيت طفلًا صغيرًا أضلّ أبويه وأضلّه أبواه؟ لا، لا، بل أضلّته أمُّه وأضلّت أباه. أباه آه، أين أبوه، هل ذبحوه؟ ربّاه، انتقم لنا من هؤلاء الوحوش. إنهم أخرجونا من دارنا وقتلوا رجالنا و
امرأة شاحبة اللون، مخطوفة البصر كأن بها مسًّا، ألقت عليّ هذا السؤال ثم ذهبت لا تلوي على شيء ولا تسمع مني جوابًا.
-٣ -
- جنازة من هذه؟ فوالله ما رأيت باكيًا ولا باكية كاليوم!
- فلان، ذبحه اليهود في داره.
-٤ -
- الجامعة العربية أخبار محلية
- هات عددًا.
"فاجعة: تسوَّرَ اليهود على فلان دارَه فأحرقوها عليه، وفرَّت زوجته وطفله لا يجدون مأوى يؤويهم ولا طعامًا يقيم صلبهم "
[ ٣٨ ]
-٥ -
كأني بك وقد قرأت هذا -وليكن خيالًا، فهو والله عين الحقيقة- فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنّا لله إلى آخر ما تعوّدتَ أن تقوله. ثم قمت إلى بطنك فملأته من أطايب الطعام، وهم لا يجدون ما يتبلّغون به، وإلى إخوانك فحدثتهم مُسِرّ الأحاديث، وأولئك لا أصحاب لهم، وإلى فراشك الوثير فتمددت فيه، وأولئك لا يجدون إلا المَدَر فراشًا، ثم أصبحت فقلت: الحمد لله على دين الإسلام.
وأي إسلام هذا لعمري؟!
* * *
[ ٣٩ ]
رسائل في سبيل الإصلاح (٣)