نشرت سنة ١٩٣٠ (١٣٤٩)
[لا يَغُرَّنّ أسيادَنا المعلّمين ظَفَرُ باطلهم على حقنا، فإن للباطل جولة ثم يزهق، وإن للحق الظفر ولو بعد حين، وإن القوة للحق وإن حسبوا الحق للقوة.]
نوديت أمس، وأنا في شارع بغداد في طريقي إلى الدار، فتلفَّتُّ فإذا أنا بستة من إخواننا الطلاب، وإذا أحدهم يبتدرني قائلًا: كيف تزعم أن تعلم الجغرافيا حرام؟ وكيف
- انتظر قليلًا وأخبرني: متى زعمتُ هذا؟
- إنه في كتاب «الهيثميات»!
- وهل رأيته أنت؟
- لا، وإنما حدثني بهذا فلان، الطالب في المعهد الطبي.
- إذن فاقرأه من فضلك، لتعلم أن من روى لك ذلك كاذب أو أنه لا يفهم ما يقرأ.
[ ١٤١ ]
سقت لك هذه القصة لتعلم مبلغ انقياد الرأي العام إلى الخطأ وتتصور الأثر الذي ستحدثه رسالتي هذه. لا أعني الأثر الذي تتركه في نفس قارئها، ولا أخافه، بل أعني ما يكون في نفس من لم يقرأها! وستسمع غدًا قائلًا يقول لرفيقه: أعلمت؟ الطنطاوي أخرج رسالة يسبّ فيها معلّمي «التجهيز» ووزارة المعارف!
ويزيد هذا القائل في نبأ ذلك السبّ الموهوم ويضخّمه، ثم يحمله إلى شخص آخر، وهكذا دواليك، فيستفحل الأمر ويعظم وأكون مؤاخَذًا في نظر الناس بجريرة لم آتِ بها! وأنا أطلب سلفًا إلى كل من يبلغه أمر هذه الرسالة أو غيرها مما أكتبه (أو يكتبه غيري في هذا الموضوع أو في غيره) أن لا يتعجل في الحكم حتى يقرأ ما يتحدث عنه بنفسه ويمعن فيه، أما أن يتلقى حكمه من أفواه الناس فليس هذا من العقل في شيء.
وعجيب أن أضطر إلى هذا التنبيه، وأعجب منه أن أضطر إلى الكتابة في موضوع كهذا، موضوع طلب حق صريح ودفع ظلم واضح! وأعجب من ذا وذا أن يُسَدّ في وجه الطلاب كل سبيل إلى حقهم، ويوصَد دونهم كل باب للمراجعة، وتُصَمّ عن سماع شَكاتهم كل أذن!
وأعجب ما في الأمر (وكل ما في الأمر عجيب) أن يقضى على مستقبل ثلاثمئة طالب وتنهار آمال ثلاثمئة أسرة، ويبقى ذوو الكراسي في كراسيهم يلهون ويلعبون، وذوو الأعمال في أعمالهم يغدون ويروحون لا يبالون، كأن شيئًا لم يكن وكارثة لم تقع!
[ ١٤٢ ]
ولقد كان كل ذاك، فاسمع أقصص عليك ما كان: لبثت «التجهيز» عشرات السنين وهي خير معهد علمي في سوريا كلها (١)، حتى ابتلاها الله برجال لا يعرفون إلا الرواتب ونيلها وأولي الأمر وإطاعتهم، ولا يدرون ما هو الواجب وما هو الوجدان، فكان من بركة قدومهم عليها أن استحال تقدمها تأخرًا، وازدهارها خمودًا، ونجاحها فشلًا، وكانت نتيجة هذا القدوم
_________________
(١) مدرسة التجهيز هي الثانوية الرسمية يومئذ، وهي المعروفة باسم «مكتب عنبر»، وفيها درس جدي ﵀ وأمضى بعضًا من أخصب أيامه وأثراها وأبقاها أثرًا في حياته الطويلة من بعد؛ قال: "لقد عشت في هذا المكتب ستّ سنين كانت أحفل سِني حياتي بالعواطف وأغناها بالذكريات، وكانت لنفسي كأيام البناء في تاريخ الدار، لو عاشت الدار بعدها ألف سنة لكانت كلها تَبَعًا لهذه الأيام التي يُرسَم فيها المخطَّط وتُحدَّد الغرف ويُرسى الأساس" (الذكريات ١/ ١٤١). وانظر أخباره فيها في الحلقات ١٣ - ١٦ في الجزء الأول من «الذكريات»، وانظر أيضًا فصل «مكتب عنبر» في'آخر كتاب «دمشق: صور من جمالها وعِبَر من نضالها» وفيه يقول: "لقد عاش مكتب عنبر من أواخر القرن الذي مضى إلى أوائل الحرب الثانية وهو يضم جمهرة المتعلمين في هذا البلد؛ كان هو الثانوية الرسمية المفردة في دمشق، فكان يمرّ عليه كل شاب في دمشق، يدخل إليه ثم يخرج منه، فيعلو في مدارج الحياة أو يغوص في أوحالها، حتى ما تكاد تجد اليوم كبيرًا في دمشق ولا صاحب اسم ولا ذا منزلة إلا وقد جاز يومًا بمكتب عنبر". وقد أنشئت التجهيز في «مكتب عنبر» سنة ١٣٠٥ هجرية (نحو سنة ١٨٨٨ ميلادية)، وهو مبنى قديم كبير في دمشق القديمة شرق الأموي، ثم نُقلت سنة ١٩٣٢ إلى المبنى الجديد قرب زقاق الصخر وسميت مدرسة «جودت الهاشمي» (مجاهد).
[ ١٤٣ ]
المبارك سقوط ثمانين في المئة من طلاب هذا المعهد الممتاز!
هل في الدنيا كلها رجل واحد وَهَبَه الله عقلًا راجحًا وفهمًا مستقيمًا، يقول بأن هذا السقوط ناشئ عن قصور التلاميذ؟ دعني من أولئك الذين باعوا ضمائرهم وعقولهم بخمسين ليرة سورية وأصبحوا لا يستحيون بعد قبضها أن يتكلموا بغير منطق، دعني من هؤلاء وقل لي: هل تعتقد أن كراسي المناصب ومنصّات التدريس تسدل على الباطل ثوبًا أبيض، ثم تخدع الناس جميعًا عن أبصارهم فلا يرونه إلا حقًا؟ هل تؤمن بأن الوزير إذا قال شيئًا صدّقه الناس وأمّنوا على كلامه، ولو خالف ما يدلّون على صحته بألف دليل ودليل؟
تقول: «لا»، وهذا ما أنتظره منك، فأصغِ إليّ: يقول أساطين التربية وكبار علمائها إن الصف إذا سقط أكثر من نصف طلابه كان سبب هذا السقوط عجز المعلمين لا قصور الطلاب. وتقول الوزارة ومديرية المدرسة إن الصف إذا سقط ثلاثة أرباعه أو أربعة أخماسه كان سبب السقوط كسل الطلاب، وأما المعلمون فمبرَّؤون من كل ذنب وخالون من كل عيب، حرسهم الله!
فهل علم التربية باطل وأساطينه كاذبون؟ إذا كان كذبًا فكيف تدرّسه الوزارة في مدارسها؟ وإذا كان حقًا فهل يكون نقيض الحق إلا الباطل، وهل يكون عكس الصدق إلا الكذب؟
* * *
هذه واحدة، وأخرى: أليس من حق الطلاب مراجعة الإدارة وطلب الأوراق إذا اعتقدوا أنهم مظلومون؟ أليس هذا
[ ١٤٤ ]
الحق ممنوحًا لهم بنصّ القانون؟ فلماذا إذن تخالفون القانون؟ أم تقولون إنكم لا تخالفونه؟ حسنًا، هذا ما نبتغيه، إذن هاتوا أوراقنا كلها لأننا نشك في صحة الفحص، ونبني هذا الشك على الأسباب الآتية:
١ - كانت السنّة المتَّبَعة قديمًا في «التجهيز» دعوة مميِّزين من خارج المدرسة يشاركون المدرّس في وضع العلامات، وكانت سنّة حسنة، ولكنها تُركت وأصبح المدرّس وبيده وحده مقدَّرات التلاميذ، يلعب بها كما شاء وشاء له هواه ورؤساؤه الذين يعبدهم من دون الله!
٢ - علمنا أن كثيرين من المعلمين هددوا الطلاب بالفحص جَهارًا وأنبؤوهم أنهم سيثأرون فيه منهم لأحقاد في نفوسهم وأغراض يبتغونها من وراء إسقاطهم، ثم اتضحت هذه الأغراض حينما دعا بعضُ المدرسين بعضَ التلاميذ إلى دروس خاصة يتلقونها عليهم بأجور باهظة حتى يضمنوا لهم النجاح.
٣ - لم تتغير اللجنة الفاحصة طول السنة، ومع هذا فقد كانت مقاييس الفحوص تختلف جدًا في آخر السنة عنها في وسط السنة، حتى بلغ الاختلاف حدًا جعل الطالب الذي كان مجلّيًا (أوليًا) في الفحوص الأولى راسبًا في الأخيرة، وحتى إن صفًّا برمته (هو الصف السادس، ويتجاوز مجموع طلابه الستين) لم ينجح منه إلا طالب واحد! وكان سبب هذا الاختلاف بلاغ الوزير إلى المعلمين، ذلك البلاغ الذي يأمرهم بتشديد الفحوص ووضع العثرات في سبيل نجاح الطلاب. لماذا؟ لأن الميزانية -كما يقول معالي الوزير في بلاغه- لم تعد تساعد على تكثير عدد الطلاب!
[ ١٤٥ ]
٤ - كان المدرّسون يسألون الطلاب في الفحص عمّا لم يدرسوه وما ليس مقررًا عليهم، فتكون النتيجة سقوط أكثر الصف.
٥ - بقيت «التجهيز» أكثرَ من ثلاثين سنة والنجاح فيها مستمر، فهل كانت كل تلك الفحوص باطلة؟ طبعًا لا، إذن هذا الفحص باطل. إما هذه وإما هذه، أما أن يجتمع الأمران فلا.
وأخيرًا فإن في الساقطين من طلاب «التجهيز» من يستطيع أن ينازل في الفحص معلّمي المدارس الأخرى التي نجح طلابها، فضلًا عن الطلاب أنفسهم! فكيف يكون هذا الاختلاف في مقاييس الفحوص في بلدة واحدة ومدارس من درجة واحدة؟
هذا بعض ما لنا من حجج على فساد مقاييس الفحص، وإنّ لنا لَغيرها، ولكنّا آثرنا إهمالها هذه المرة حفظًا لحرمة المدير والأساتذة، وسنظلّ مُهمليها حتى يَضِح لنا أنْ لا حرمة لهم وأنهم لا يؤثرون على الراتب الوجدانَ وعلى الإطاعة الواجبَ، وإذن ننشرها في الناس ونقول للمدير وللمدرّس: ذُقْ إنك أنت العزيز الكريم!
* * *
هذه هي أدلتنا أيها الناس، فهل فيها دليل باطل؟ وهل فيها غير الحق؟ فكيف إذن يضيع الحق في رابعة النهار، وفي مجتمع فيه -كما يقولون-عدل وإنصاف؟
كأني بك أيها القارئ تقول: ولِمَ يحملون على «التجهيز»؟ وماذا يريدون منها؟ وأنا أجيبك: إنهم يريدون منها أن تموت. تموت؟ نعم. ولماذا؟ لأنها مدرسة إسلامية ولأن فيها روحًا عربية!
[ ١٤٦ ]
نعم، يريدون أن تموت، وليست هذه الإرادة فكرة جديدة، بل هي برنامج واسع الأطراف طويل الذيول، بُدئ بتنفيذه -فيما أحسب- منذ ذلك اليوم الذي زار فيه المفوض السامي السابق مدرسة التجهيز. هل تذكر ذلك الموقف الذي وقفَته «التجهيز» أمامه؟ هل تذكر ذلك الخطاب الذي ألقاه أحد أبنائها يومئذ؟ (١)
_________________
(١) في كتاب «هُتاف المجد» مقالة عنوانها «عام ١٩٦٠» قال فيها: "وقف مكتب عنبر موقفًا لا يُنسى لما جاء المفوض السامي جوفنيل يزور المدرسة، فاتفق الطلاب سرًّا على عدم استقباله، فدخل من الباب ومعه أركان الحكومة، ودعونا إلى الصف فما تحرك أحدٌ ولذنا بالجدران، فدخل مرتجفًا، فخطب أحد الطلاب بالفرنسية خطبة زلزلت أركانه، فقطع الزيارة ورجع من فوره! وكان التحقيق، فكانت الإدارة والطلاّب جميعًا على قلب رجل واحد، ما استطاعوا أن يعرفوا من دبّر الأمر ومن كان السبب فيه". وفي كتاب «دمشق» إشارة إلى هذه القصة وتفصيل لها، قال: "ومن مناقبه (أي الأستاذ جودة الهاشمي، مدير مكتب عنبر في ذلك الوقت) أنهم فتحوا باب تحقيق واسع إثر زيارة المسيو جوفنيل، وأعدوا أسئلة يسألونها التلاميذ ليعرفوا من دبّر الأمر ومن تولى كبره، واستدعوا التلاميذ كلهم واحدًا بعد واحد ليجيب عليها. وكنت فيمن دُعي، فلما صرت في غرفة المدير وأخذت القلم لأكتب اقترب مني وقال لي هامسًا: ما بتعرف شيء، مو هيك؟ قلت: نعم يا سيدي. وكتبت تحت كل سؤال: «لا أدري». وتبين أن التلاميذ كلهم أجابوا بـ «لا أدري»، وكان ذلك بتوجيه الأستاذ الهاشمي. ومرّ الحادث -على جلاله وعظمه- بسلام ولم ينل أحدًا من التلاميذ كبيرُ سوء، ولو كان المدير غيرَه لقُوِّضت المدرسة على رؤوس مَن فيها" (دمشق، ص١٩٥ من الطبعة الجديدة) (مجاهد).
[ ١٤٧ ]
هذا الموقف وهذا الخطاب هما سبب انتباههم للتجهيز وإرادتهم القضاء عليها، أو على هذه الروح، فأكثروا من الموظفين الأجانب فيها، ورفعوا دروس الفقه والتوحيد منها، ووضعوا فيها نوّابًا يتحكمون في التلاميذ كما يشاؤون.
ولكنهم وجدوا كل ذلك لم يُفِدْهم شيئًا، فأتوها بالكارثة الكبرى، بحادث الفحص الأخير، فنجح قصدهم وتَمّ لهم مرادهم، واستحالت قضيةُ «التجهيز» قضيةَ مستقبل الأمة. ولا يُبنى المستقبل إلا على العلم، ولا يُشاد صرحه إلا على عواتق الطلاب المبرّزين في دروسهم المخلصين لأمتهم وبلادهم، فإذا عدمت أمة مدارسها الوطنية وقذفت بأبنائها في هذه المدارس الأجنبية أضاعت أمانيّها وخسرت آمالها.
وإن هذه المدارس لم تُنشَأ للتثقيف والتعليم، بل أُنشئت لتكفّر الأبناء بدين الآباء، وتعيدهم إليهم هازئين بقوميتهم، ساخرين من تاريخهم، تاركين للغتهم، جاهلين بسِيَر عظمائهم وجَلال ماضيهم فهل يرضيكم أيها الناس أن تكون هذه المدارس هي العاملة على تربية أبنائكم؟ وهل يسرّكم أن تفتحوا لها بأيديكم قلوبَهم لتستعمرَها بسمومها وخبائثها؟ وإن استعمار القلوب لأنكى من استعمار البلاد، وإن سلاح العلم المزيف لأقطع في جسم استقلالنا من سلاح الجيوش والمدمرات، فمن منكم يرضى بهذا؟ من منكم أيها الناس يرضى بما سيكون من انتقال ثلاثمئة من أبناء «التجهيز» المسلمين إلى مدارس الفرير والعازارية واللاييك؟ لقد أصبح هذا الانتقال في حكم الواقع إذا لم يُعَد لهؤلاء فحصهم، وإذا لم يُرجَع إليهم حقهم. ثلاثمئة بين
[ ١٤٨ ]
الإسلام والكفر، بين الوفاء والخيانة، فهل تتقاعسون عن الأخذ بيدهم، وتقفون مكتوفين لتنظروا إليهم وهم يَهوون في هاوية مدارس التنصير السحيقة؟
من منكم أيها الناس يستطيع أن يمر بهذه الحوادث دون أن يتقطع قلبه حزنًا ويتشقق كبده أسفًا؟ الدين والتمسك به، والعروبة والوفاء لها! فإذا خسرناهما فلا مرحبًا بالعلم ولا أهلًا به! العلم سلاح ذو حدّين، يضرّ وينفع ويؤذي ويفيد، فعليه لعنة الله إذا كان سببًا في خسراننا دينَنا وعروبتنا.
أيها الناس: تداركوا أبناءكم، تداركوا مستقبلكم. وأنتم أيها المعلمون: لِيُهْنِكم أنكم أرضيتم ولاة أموركم وأسخطتم ربكم وواجبكم ووجدانكم، فبورك لكم فيما صنعتم. وأنتم أيها الطلاب: لا تَنُوا في المطالبة بحقكم والسعي وراءه، فلن يضيع الحق ولن يموت مهما طال خذلانه.
ولننتظر ما سيطلع به علينا الغد، فإن غدًا لناظره قريب.
* * *
[ ١٤٩ ]
رسائل التعليم في دمشق (٢)