ما هذا برلمانَ أمة،
هذا برلمان المستعمرين!
نشرت سنة ١٩٣٢ (٢)
أريد أن أكون عند وعدي للقراء، فأبتعد في هذه الفصول عن السياسة وأقصرها على الأدب والاجتماع، ولكن لا أستطيع إلى ذلك سبيلًا.
وما أنا إلا من غَزيَّةَ، إن غَوَتْ غويتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزيّةُ أَرْشُدِ
_________________
(١) نشر علي الطنطاوي سلسلة من المقالات بهذا العنوان (مشاهدات وأحاديث) سنة ١٩٣٠ في «فتى العرب»، وقد مرت بنا مجموعة منها في هذا الكتاب، ثم توقف عن نشرها هناك في تاريخ لا أعرفه واستأنف نشرها في «الأيام» في هذه السنة، ١٩٣٢، وهو ما ترونه في هذه المقالة، ثم تابع نشرها في «ألف باء» كما سترون في مقالتَي «صحفي» و«عندنا نهضة ولكنها ضعيفة» اللتين ستأتيان في الكتاب بعد قليل (مجاهد).
(٢) في جريدة «اليوم» بتاريخ ٨/ ١/١٩٣٢ (٢٨ شعبان ١٣٥٠).
[ ٢٠٢ ]
وهل للبلاد وأهلها حديثٌ اليومَ إلا حديث الانتخابات؟ وأي انتخابات هذه؟ إنما نسميها على المجاز، وما فيها إلا موظفون يعيَّنون ليجلسوا على هذه المقاعد في هذا القصر الشامخ الذي يسمونه «البرلمان»، ولينطقوا بما يريده هؤلاء الذين عيّنوهم.
أما الأمة، الأمة التي بَرِئَت منهم وأشهدت على براءتها الملأ كله، فإنها تعود اليوم فتُشهد الله والتاريخ أنْ ما هؤلاء بنوّابها ولا اختارتهم وكلاءَ عنها، وليس في العالم قوة تضطرها إلى الاعتراف بهم اضطرارًا. ومَن يستطيع أن يحملني أنا على أن أعترف بعدوي وكيلًا عني وأسلمه أمري ليقودني حيث يشاء إذا لم أرضَ به وكيلًا ولا نائبًا؟ وهل يستمد النائب قوّته إلا من الشعب؟ وهل فوق إرادة الشعب إرادة (حاشا إرادة الله)؟
يستطيع القوي أن يُلزم الضعيف ما لا يريده ويحمله على الشِّرعة التي يعزف عنها، ويضطر الضعيف إلى الإذعان والامتثال، كل ذلك تستطيعه القوة، ولكنها لا تستطيع أن تجعل الباطل حقًا ولو دافعت عنه بقِراب الأرض مدافع ورشاشات.
فلا يَغُرَّنّ هؤلاء أن أصبحوا نُوّابًا، فكم سجّلَ التاريخ في صحائفه من مجالسَ نُوّابُها من أمثالهم، وكم فرحوا بها وتاهوا، ولكن القدر كان يسخر منهم، ثم أهوى عليها بيده فإذا هو قد حَطَمَ المجلس والنوّاب! إن قوة النائب من قوة الشعب، فإذا خسر هذه القوة لم يكن إلا شخصًا ضعيفًا لا حول له ولا طول.
* * *
كانت دمشق أمس كأنها موسكو حين دخلها نابليون،
[ ٢٠٣ ]
وكانت أسواقها خالية ليس فيها إلا هؤلاء الجنود، يجولون ببنادقهم وأسنَّتِهم ليدافعوا عن هذا الانتخاب الحر!
انتخاب يحميه الجنود، ونُوّاب يبلغون المجالس على عواتق الجنود، وأمة تُرغَم على الاعتراف بهم بقوة الجنود! ويل للخائنين!
أبَعْدَ هذا الإضراب الشامل، أبعدَ هذا التضامن العجيب يعودون فيقولون إنهم وكلاء الأمّة! وعلامَ أضربت الأمة وحزنت؟ وعلامَ بذلت نفوسَ أبنائها ودماءهم إذا كانت ترضى بهم نوابًا عنها؟ ومن يستطيع أن يرى في دمشق (وغير دمشق) في هذه الأيام وطنيًا لا ينطق وجهه بالألم، ويجهر صمته بهذه الشكوى المريرة وهذا الغضب الشديد؟
* * *
كلا، ما هذا برلمانَ أمة، هذا برلمان المستعمرين.
إن الشام أمة لها إرادة، وإرادة الأمة فوق كل إرادة، ليست فوقها إرادة إلا إرادة الله. فاقبضوا رواتبكم مباركةً يا نُوّاب، فما لكم إلا هذا من عمل! أما الأمة فلها نوابها الذين تثق بهم، وما أنتم منهم.
* * *
[ ٢٠٤ ]