«صحفي»!
نشرت سنة ١٩٣٢ (١)
[والآن يا أصدقائي القرّاء، هذه فصول «لاسياسية» أقدّمها إليكم بعدما فارقتكم شهرين من أجل الامتحان، فإذا انتهيتم من قراءة «الفصول السياسية» والأخبار المهمة -التي ليس لموظف مثلي أن يقترب منها- وبقي عندكم وقت فارغ، أو أحببتم أن تروا لونًا آخر من ألوان الكتابة الصحفية غير السياسة والأخبار (قد لا يكون سخيفًا دائمًا) فاقرؤوا هذه الفصول القصيرة بين الآونة والأخرى!]
كان على درجة من الاطلاع والعلم لا بأس بها. لولا أنه كثير الفخر بهذا العلم، فلا يدع مجلسًا يُذكر فيه العلماء والمثقفون إلا وتحدث فيه عن نفسه: بأنه درس كثيرًا من العلوم في الصف السادس الابتدائي، منذ عشر سنوات، وعلى الرغم من أن هذه العلوم الجليلة قد تبخرت من رأسه فقد بقي مجيدًا للقراءة
_________________
(١) في «ألف باء» بتاريخ ٦/ ١١/١٩٣٢ (٧ رجب ١٣٥١).
[ ٢٣٦ ]
والكتابة، يقرأ المقالة ذات العمودين ولا يخطئ إلا عشرين خطيئة، لا في النحو والصرف، فهذا مُغتفَر له، بل في التهجية، ولا مؤاخذة! أما أخلاقه فلم يكن فيها من عيب إلا أنها على غاية من وأنها نموذج كامل للـ
* * *
مرّت سنوات لم أره فيها، ولم أفكر فيه لأن صلتي به لم تكن تتعدى حد السلام، ولأنه خالٍ من كل ميزة علمية أو أخلاقية أذكره بها. ثم رأيته منذ أيام بعد غيبة هذه السنين، فسلمت عليه كعادتي فلم يردّ عليّ كعادته، ولحظت أنه يسير منتفخًا كالكرة شامخًا بأنفه إلى أعلى! فعجبت من شأنه وعزمت على التحدث إليه لأرى أي عَظَمة أُفيضت عليه: أأصاب إرثًا من قريب له في أميركا (بلد المال)، أم صار زعيمًا في الشام (بلد الزعامات)؟ وإذا كان زعيمًا فلماذا لا تصدّره الشام إلى بلاد الله الأخرى -كما تصدّر كلُّ بلد ما تنتجه- فتعوّض بإصدار هذا النوع ما خسرته من «القمر الدين»، ولا تنتبه البلاد الأخرى إلى أنه «مغشوش» لأن الغش فيه فنيٌّ يصعب اكتشافه؟!
ولحقت به ففتحت معه باب الحديث: ها، سلامات سيد؟ سيد؟
- «فلان»! سلامات.
- كيف الحال، إن شاء الله بخير؟ لم أرك منذ مدة، هل كنت مسافرًا؟ ماذا تعمل في هذه الأيام؟
- والله صحافي.
[ ٢٣٧ ]
- صحافي؟ ها، لعلك درست في هذه السنين وأحطت بما لا بد منه للصحافي من ثقافة واطلاع و
- درست؟ أنسيت أني متخرج من
- من الصف السادس الابتدائي. أعرف ذلك، ولكن الصحافة تحتاج إلى أكثر من هذه المعلومات. وكما أنه لا يجوز لامرئ أن يكون معلمًا أو محاميًا أو طبيبًا إلا بعلم وشهادة، فكذلك لا يجوز لأي إنسان، جاهلًا كان أو
وكنت أريد أن أمضي في حديثي لأكشف النقطة التي خفيت عليّ كثيرًا، لولا أنه فاجأني بقهقهة مريعة أرعبتني، وضربة على كتفي جعلتني أقف مبهوتًا، ثم قال: شو هالحكي؟ بلا علم بلا ثقافة نحن في الشام!
فأدركت حقيقة الواقع المؤلمة، وانصرفت عنه وأنا أقول: ولهذا صارت الشام دون بلاد الله. اللهمّ زد في صحافيينا المحترمين وبارك! (١)
* * *
_________________
(١) لا نحتاج إلى إيضاح بأننا لا نعني بهذا كل صحافيّي البلد، بل مَن قفز منهم من رَعْي الخَروف أو من صندوق الحروف إلى رئاسة التحرير. وتبارك الخالق المبدع!
[ ٢٣٨ ]