مَن للعربية؟
نشرت سنة ١٩٣٠ (١)
أترى يفيد الكلام في هذا الموضوع، أم السكوتُ عنه خيرٌ لنا وأجدى علينا؟ لقد قلنا حتى انشقَّت من القول حناجرنا، وكتبنا حتى نضب مدادنا وتكسرت أقلامنا، ولم نرَ لما كتبنا وقلنا نتيجة ولا أثرًا، فلم يبقَ علينا إلا أن نخاطب هؤلاء المعلّمين، معلمي العربية، بالصراحة وبالقلم العريض، فنقول لهم:
إنكم آثمون -بالكلمة الواضحة- حانثون بعهد العروبة ما دمتم تتساهلون في فحوص العربية، وتدرّسونها على طريقة قديمة، على أصول جافة تنفّر التلاميذَ منها وتبغّضها إليهم، وما دمتم لا تصطنعون في تدريسها الطرقَ المصطنَعة في اللغة الفرنسية مثلًا، ولا تفهمون أنه لا فرق بين تدريس النحو العربي والنحو الفرنسي.
النحو الفرنسي يُدرَّس غالبًا على شكل جميل تطبيقي يستطيع به الطالب أن يقرأ بلا خطأ ويكتب بصحّة ويحلل
_________________
(١) في «فتى العرب» بتاريخ ٥/ ٦/١٩٣٠ (٩ محرم ١٣٤٩).
[ ٨٣ ]
ما يقرأ، وتدرّسون أنتم النحوَ على طريقة ما أدري والله ما هي، وما أظنها تصلح لتدريس لغة الزنوج! تحفّظون التلاميذ التعاريفَ بالحرف وتقسرونهم على استظهارها قسرًا، دون أن تعلّموهم كيف يطبّقونها على القراءة والإنشاء، فيرون اللغة ونحوها شبحًا مخيفًا، فينفرون عنها ولا يستمرئونها ما عاشوا.
وليس هذا موضوع كلمتي هذه، بل هو موضوع كلمة أخرى سأقولها في حينها، وأقصر الآن الكلام على الفحص: بدا لنا في أول الفحص نجمٌ من الأمل وهّاجٌ حين قال المستشار للجنة اللغة العربية ما معناه: "إن هذا الطنطاوي يكتب في «فتى العرب» يشكو من تساهلكم في فحص العربية، فيجب عليكم أن تكذّبوه وتعنوا بها وتستعملوا ما أمكن من الحزم فيها" وكان في اللجنة أعضاء صالحون حكّموا وجدانهم في هذا الأمر وعدلوا في تقدير العلامات ولم يتهاونوا في ذلك شعيرة، فماذا كانت النتيجة؟
كانت النتيجة أن سقط في العربية عدد هائل من الطلاب!
* * *
هل رضي من بيدهم الأمر بهذا، وهو دليل على ضعف العربية وفساد برنامجها وعلى التهاون فيها؟ لا، إنهم لم يرضوا به، فماذا صنعوا؟ اسمع: إنهم نقلوا الأعضاء الصالحين ذوي الغيرة على العربية إلى لجان الدروس الأخرى، وأتوا بسواهم فراحوا يمنحون العلامات جزافًا! ولا أريد أن أقول إنهم كانوا هم أنفسهم جاهلين، فحسب القارئ أن يعلم أن موضوع الإنشاء الذي أُملي على التلاميذ -ولا يتجاوز السطرين- كان فيه خمس
[ ٨٤ ]
غلطات من مثل «أَوْصِفْ» بدل «صِفْ»! ولم يدركها هؤلاء الفاحصون تبارك الله أحسن الخالقين!
ماذا يُنتظَر من هؤلاء؟ وكم من الضحايا ذهبت دموعها هدرًا من جرّاء جهلهم وتهاونهم؟ لا، ليس كلهم جاهلًا ففيهم أناس متعلمون، بل فيهم العالِمون، ولكن السواد يطغى فتضيع كلمات العالِمين الهادئة وسط ضجيجه العالي؛ وهكذا خُتم الفصل الأول من الرواية، ونجح كل الساقطين في المرة الأولى!
* * *
إنه لشيء غريب، والحقيقة أنها أشياء كثيرة كلها غريب وعجيب في فحص الشهادة الابتدائية، ولكني لا أتحدث إليك عن شيء منها، ولا أروي لك شيئًا من حوادث الالتماس، ولا أقول لك إننا كنا نحمد للمستشار عملَه لو راقب هؤلاء مراقبة شديدة كما يفعل كل مرة، إذ ليس غيره بقادر على منع حوادث الالتماس واعتبار الكفاءة أساس النجاح!
كل ذلك لا أقوله لأنه ليس من موضوع كلمتي هذه، إنما أريد أن أقول: غدًا يدخل هؤلاء في «التجهيز»، وغدًا يأخذون البكالوريا، وبعد غد يدخلون غمار هذه الحياة وتكون بيدهم مقدَّرات الأمة، فماذا يكون حالها إذا استلم مقاليدَ أمورها مَن لا يعرف لغتَها، بل من يبغض لسانها وينفر منه؟ وماذا يكون حال الطلاب في اللغة العربية بعد خمسة أعوام؟
إننا نظلم الوزارة إذا طالبناها بهذا الإصلاح، وليس إهمال اللغة من شأنها، ولم يهملها ويفسد علينا أبناءنا إلا معلّمو العربية!
[ ٨٥ ]
ولو كان فيهم من يغار عليها ومن له وجدان يحثّه على القيام بواجبه نحوها لما بلغنا هذا الانحطاط الهائل، ولكان الإصلاح أمرًا ميسورًا.
فيا معلمي العربية: إياكم أعني وأنتم أخاطب، فما لكم؟ أماتت فيكم كل غيرة عربية؟ أضاع من نفوسكم كل حس وطني؟ أم غَرَّتكم الرواتب والأموال؟ أينفعكم المال إذا ضيّعتم اللغةَ، واللغةُ قوام حياة الأمة؟
اللهمّ لقد عجزت عن أن أُفهم هؤلاء، فهَبْ لهم من عندك فهمًا وعزمًا وجرأة أو فأرِحْنا منهم! فلأن يُضيع لغتَنا مَن ليس منا خيرٌ لنا والله من أن نضيعها بأنفسنا ونصوّب إلى مقاتلها السهامَ بأكفّنا.
ويا أيها الطلاب، أنصتوا إليّ وعُوا قولي: إن هؤلاء لن يفهموا (أو هم لا يريدون أن يفهموا) فكونوا أئمة لهم في الوفاء للعربية؛ أقبلوا عليها قبل الدروس جميعًا، فلا يضيركم إذا حفظتموها أن لا تحفظوا شيئًا غيرها، لأن ذلك حياة أمتكم، أما إذا أهملتموها فقد قتلتم الأمة، ومن قتل الأمة فهو مجرم عابث.
* * *
[ ٨٦ ]