إلى مجلس المعارف الكبير
نشرت سنة ١٩٣٠ (١)
قال الراوية الفرنسي ألفونس دوده في قصة عنوانها «الدرس الأخير»: حدَّث صبي من الألزاس فقال: غدوت إلى المدرسة صبيحة يوم من الأيام الأخيرة من العام ولمّا أحفظْ درسي، فخشيت أن يقرّعني أستاذي ويعاقبني، فأخذت طريق الحقول
_________________
(١) نشرت المقالة في جريدة «فتى العرب» بتاريخ ٢٠/ ٥/١٩٣٠ (٢٢ ذي الحجة ١٣٤٨)، وقد أشار إليها في «الذكريات» فقال: "في الأشهر الخمسة التي لازمت فيها «فتى العرب» كنت أكتب كل يوم مقالة، منها سلسلة كان عنوانها «أحاديث ومشاهدات» منها مقالة «إلى مجلس المعارف الكبير» الذي كان يُعقَد أحيانًا، نقدتُ فيها وزارة المعارف نقدًا صادقًا صريحًا حمَل مستشار المعارف (راجِه) وجبّارها، دنلوب الشام، على زيارة الجريدة نفسها ليقابل كاتب المقالة ويوضّح له ما غمض عليه وقد لَخّصتُ في المقالة قصة ألفونس دوده «الدرس الأخير» الذي يصوّر فيها ضياع الألزاس من فرنسا بعد حرب السبعين (١٨٧٠)، وجعلتها مدخلًا للكلام". لقراءة تفصيلات الحادثة بتمامها راجع الذكريات: ١/ ٣٧٧ - ٣٨٦ من الطبعة الجديدة (مجاهد).
[ ٦١ ]
علّني أقطع النهار في اللعب واللهو، ثم بدا لي فعدت عن هذه الفكرة الخبيثة، وذهبت إلى المدرسة قلقَ الفكر مشغولَ البال، فما استلفت نظري إلا إسراع الناس مُصْفَرَّةً ألوانُهم، تبدو عليهم أمارات الخوف والألم، إلى حيث لا أعلم. فتبعتهم حتى وصلوا دار الحاكم، ثم لم أدرِ ماذا كان بعد ذلك لأني أسرعت إلى المدرسة، فذهبت سعيًا إلى قاعة الدرس، فوجدت الأستاذ يروح ويغدو فيها قلقًا، وقد ارتدى حلته الرسمية التي ما كان يلبسها إلا في يوم احتفاء أو عند قدوم مفتش، ورأيت بعضًا من أهل القرية قد جلسوا على المقاعد واجمين شاخصين بوجوه كئيبة مكفَهِرّة، فانسللت إلى مكاني وأنا أكثر ما أكون وجلًا وحيرة، وعلا الأستاذ المنبرَ فقال بصوت مرتجف ورنّة حزينة كأنها بكاء ونحيب: أولادي، هذه آخر ساعة أراكم فيها، ثم نفترق إلى غير تلاق، لأن بلادكم قد احتلها الألمان وأبدلوا لغتهم الجرمانية بلغتكم الفرنسية، فلا فرنسية بعد اليوم
وخنقته العبرات فما استطاع أن يتم كلامه، فانقطعت نياط قلبي من هذه الطعنة النجلاء، وعلمت لِمَ كان يسرع الناس إلى دار الحاكم. واأسفاه عليك يا لغتي الفرنسية، ويا لغة أمتي المحبوبة!
ثم عاد الأستاذ فقال: والآن أصغوا إليّ لأتلو الدرس الأخير. قم يا
فلم أسمع اسمي حتى ارتجفت وقمت، ولم أكن حفظت درسي، فوقفت ساكنًا، فقال: اجلس يا بني، أنا لا أعنّفك ولا ألومك، ولكن اعلموا، اعلموا يا أولادي أنكم أضعتم بلادكم
[ ٦٢ ]
وسلّمتموها لعدوكم بإهمالكم لغتكم. اسمعوا، اسمعوا، سألقي عليكم الدرس الأخير.
وراح يلقيه، حتى قُرع الجرس، فوقف ليودعنا ويودع عهد استقلال بلاده ولا تكاد رجلاه تحملانه، وقف فقال: أيها الأحباب الأعزاء، إنني
ثم غلبه البكاء فأسلم نفسه إليه، وراح إلى اللوح فكتب عليه بحروف كبيرة: «ليحيَ الوطن»! وخرج (١).
* * *
«إذا استُعبِدت أمة ففي يدها مفتاح قَيدها ما احتفظت بلغتها» الآن تستطيع أن تفهم معنى هذه الكلمة، والآن تَقْدر أن تعلم أن نشر اللغة وإذاعتها بين الناشئين، وأن إبراز صحائف التاريخ بيضاءَ ناصعةً للطالبين، أنفعُ لهذه الأمة وأَعْوَدُ بالنفع عليها من خمسين مظاهرة شعبية ومئة خطبة سياسية، لأن في ذلك حفظ حياتها وضَمانة ولاء أبنائها لها وحدبهم عليها.
هذا هو التعديل الذي نطلبه من مجلس المعارف الكبير الذي سيُعقَد في هذا الشهر، ولكنّا نعتقد أن هنالك قوة تسيطر على أعضاء هذا المجلس وتستغل اسمهم لما تريد، فهل يخيب الواقعُ اعتقادَنا هذا؟ وهل نرى في أعضاء المجلس من يكون
_________________
(١) عاد علي الطنطاوي إلى هذه القصة فنقل طرفًا منها في مقالة «لغتكم يا أيها العرب» وعلق عليها تعليقًا حسنًا، فليرجع إليها من شاء من القراء، وهي منشورة في كتاب «فِكَر ومباحث» (مجاهد).
[ ٦٣ ]
له من الجرأة على القيام بالواجب ما يدفعه إلى أن يقف موقف المؤيد له، المدافع عن لغة هذه الأمة وتاريخها، ولو أدى قيامه بذلك إلى إخراجه من «المعارف» وقطع راتبه؟ هل نرى ذلك الرجل الشريف في أعضاء المجلس؟
أما أنا فأظن أنني لا أراه، ولكن أرجو أن يخيب الله ظني وأراهم كلهم ذلك الرجل.
* * *
ليست غاية المدارس الابتدائية علمية، وليس القصد منها حشو دماغ الطالب بأكبر قسط مستطاع من المعارف؛ بل إن القصد منها إنما هو التهذيب والتربية قبل كل شيء، فيجب إذن على «المجلس الكبير» أن ينظر إلى هذه البرامج ويناقشها من ناحية التربية الوطنية التي تنشئ من الأطفال رجالًا قد عرفوا لغتهم ودرسوا تاريخهم، ولم تفتنهم حضارة الغرب وزخارفه عن شرقيتهم وعروبتهم.
إننا لم ننسَ بعدُ تلك الضجةَ الهائلة التي أحدثها صدور هذا البرنامج، ولم ننسَ أن «المعارف» وعدت بتعديله حين ينعقد هذا المجلس؛ وها هو قد انعقد أو كاد، فهاتوا تعديلكم إن كنتم صادقين صادقين في خدمة الأمة عاملين على نجاحها.
إن المَواطن التي نشكو منها في هذا البرنامج هي اللغة العربية وقلة العناية بها، والتاريخ والدين الإسلامي وإهمالهما. أما اللغة فإنني أنقل للقارئ رأيًا فيها لمدرّس من خيرة المدرسين وأشدهم غيرة على العربية وأكثرهم اطلاعًا عليها، أدلى به إليّ
[ ٦٤ ]
فوجدت فيه ضالّتي، وهذا هو نصه:
"تأخر التعليم العربي في المدارس الابتدائية خلال المدة الأخيرة إلى درجة صار من الممكن فيها أن نجد بين تلاميذ الصف السادس الثانوي، وحتى الخامس أيضًا، من لا يفرّقون بين الاسم والحرف! وحتى صار من النادر وجود أناس لا يلحنون في القراءة ولا يخطئون في الإملاء، أو تسلم لهم جُمَل صغيرة -يُنشئونها- من الأغلاط. ولا ريب في أن السبب الوحيد في ذلك هو تراخي قانون الفحص الابتدائي (١) (وأزيد أنا: وغيره من الفحوص، ولا سيما في البكالوريا (٢» تراخيًا جعل نجاح الذي تكون علامته في العربية نصفًا من عشر أمرًا مستطاعًا. إن الواضح أن كل المقصود من المدارس الابتدائية هو تعليم القراءة والكتابة قبل أي شيء آخر، والطالب الضعيف فيهما هو في العرف غيرُ متمِّمٍ تحصيلَه، فمن المأمول -تلافيًا لهذا الأمر- تحوير القانون إلى صورة تكفل المصلحة العامة أكثر وتصون اسم التحصيل الابتدائي السوري من هذا الضعف المخجل، بحيث لا ينجح إلا من كان يحسن القراءة والكتابة. والذي أراه: (١) أن يُجعَل للقواعد العربية علامة خاصة في الفحص التحريري مع وضع أسئلة تطبيقية على الإملاء. (٢) أن تستقل علامات الفروع الأربعة -الإملاء والإنشاء والقواعد
_________________
(١) كانوا يعقدون للطلاب في نهاية مرحلة الدراسة الابتدائية امتحانًا عامًا كامتحان الثانوية العامة الذي تعرفونه اليوم، وكان يُدعى «السّرْتفيكا»، وهو امتحان أُلغي في وقت مبكر فلم أدركه (مجاهد).
(٢) هو امتحان الثانوية العامة، وما زال يُدعى في الشام باسمه هذا إلى اليوم (مجاهد).
[ ٦٥ ]
والقراءة- بعضها عن بعض، بحيث إن المقصّر في أحدها لا ينجح. (٣) أن تكون علامة النجاح في كل الفروع المذكورة خمسًا على الأقل. وغيرُ خاف أن اللغة آلة فهم الدروس جميعًا، فلا يتم للمقصّر فيها فَهمُ درسٍ ما، وإذا نحن أمنّا إخراج تلاميذ متينين في العربية من مدارسنا الابتدائية فقد أمنّا استعدادهم للتضلع في كل الفروع على الإطلاق".
من هذا التقرير تعرف مقدار استهانة هذا البرنامج باللغة العربية وإهماله أمرها، وابحث في حامليها ما شئت فإنك لا تجد فيهم عشرين في المئة يقرؤون صفحة عربية بلا خطأ.
أما التاريخ فحسبك أن تعلم أن التلاميذ قاطبة (نعم، قاطبة؛ إنّي أبصر ما أقول، هل تسمع؟) لا يعلمون من تاريخ قُتَيبة بن مسلم أو المُهَلَّب ربع ما يعلمون من تاريخ نابليون أو الإسكندر، ولا من أنباء الأدارسة أو ابن طولون ما يعلمون من أبناء ملوك الفرنسة من بني البورْيون!
هذه هي نتيجة من نتائج تدريس التاريخ في مدارسنا، فانظر إذن -هداك الله- وقدِّرْ ما تريد، وبالغ في الظن بإهماله ما شئت، فلن تكون مخطئًا! وكذلك نقول في إهمال الدين وعلومه.
* * *
هذا هو برنامج التعليم الابتدائي وهذه هي نتائجه، وهذا هو الواجب المُلقَى على عاتق أعضاء المجلس، وهذه هي دعوتي إياهم للنهوض به.
* * *
[ ٦٦ ]