عندنا نهضة، ولكنها ضعيفة
نشرت سنة ١٩٣٢ (١)
موضوع مقالتنا: «النهضة الجديدة في سوريا». ولسنا نريد الإلمام به من جوانبه كلها، فهذا شيء يطول بنا ويَعرُض ولا تتسع له عشر مقالات، ولكنا نريد أن نبين علاقة هذه النهضة بالأدب الذي يغذّيها ويقوّيها ويسدد خطاها. ولا نزعم أن لرأينا الذي سندلي به قيمة الحقيقة الثابتة، ولكنه رأي، وعند احتكاك الآراء تظهر حقائق الأشياء. ونبرأ إلى الله والناس من أن يكون لنا غرض في نصرة حزب أو عداء آخر، ومن أي غرض شخصي يمكن أن تُساق له مثل هذه المقالات.
تقوم النهضات على أسس ثلاثة: سياسية وأدبية واجتماعية، أو هي -على الأصح- أدوار ثلاثة لا بد من أن تمر عليها كل نهضة؛ ففي «الدَّور السياسي» تأخذ النهضة شكل الثورة الفكرية ويعمّ الغليان الأفكار الشعبية كلها فتتجه نحو غاية واحدة، وأكثر ما تتجلى هذه الغاية (في مثل هذه الأدوار) في النقمة على
_________________
(١) في «ألف باء» بتاريخ ١٦/ ١١/١٩٣٢ (١٧ رجب ١٣٥١).
[ ٢٣٩ ]
الأوضاع الحاضرة، وتتخذ لها مظهرين: مظهر الاشمئزاز الشعبي الذي يخفت طويلًا ثم ينفجر بصورة مريعة، ومظهر النضال الشعبي المنظَّم الذي يسير بهدي الزعماء الوطنيين.
على أن هذا الدور وإن بدا مستقلًا عن الدور الأدبي فإنه لا يستقل عنه في الحقيقة أبدًا، وللأدب عملٌ في إنشائه وتهيئة الأفكار له (كما عمل أدب روسو وفولتير ومونتسيكو في إنشاء الثورة الفرنسية)، وعملٌ في تنظيمه (كما ينظم خطب الزعماء ومقالاتهم، وما هذه الخطب وهذه المقالات إلا أعمال أدبية). فأنتم ترون أن الدور الأول للنهضات -وإن كان سياسيًا في مظهره- فإن العامل الذي يغذيه وينشئه هو الأدب.
أما الدور الثاني فأدبي بحت يبدأ بعد هدوء هذه الثورة، ويتولى فيه الشعراء والكتّاب تجسيمَ آمال الأمة والإشادة بظفرها، ونبش تاريخها وإحياء ما فيه من مواقف مشرّفة وصفحات ناصعة، وتقويم اعوِجاج النهضة والأخذ بيدها، لتسلك على ضوء التاريخ والتجارب الحكيمة أقومَ المسالك إلى بلوغ الغاية.
أما الدور الثالث فهو ثمرة النهضة ونتيجة هاتين المرحلتين، وفيه تتغلغل النهضة في النظم والعادات الاجتماعية فتهذّبها وتصلح أخطاءها، وتنشئ المجتمع نشأة جديدة وتعيد إليه الشباب والحياة.
* * *
وإذا نحن نظرنا إلى النهضة السورية (التي بدأت تجتاز الدور السياسي منذ أيام جمال باشا) وقسناها بهذا المقياس وجدناها
[ ٢٤٠ ]
مضطربة خلوًا من العامل الأدبي، ينطبق عليها قول المؤرخ الفرنسي هوفلاك عن الصين في عهدها الماضي، إذ يقول: "كنتَ لا تسمع أنّى سرت وحيث توجهت إلا أصوات التذمر والشكوى، ترتفع ثم تنخفض وتصير همسًا، ثم تعلو حتى تكون ضجة وحشية هائلة. كان الشعب يُصيخ للمثقفين من أبنائه، ولكن هؤلاء المثقفين كانوا عاجزين عن تعيين أغراضهم وتوجيهها وجهة معروفة. المصلحون يَشْكون الاستبداد، والأدباء يشكون ركود الأدب، والأفراد يشكون الاضطراب والحيرة وكل أولئك هَاوٍ إلى قرارة المنحدر".
ولم يقتصر الأمر عندنا على ضلال الأدب وِجْهَةَ الصواب، بل تعداه إلى الوقوف، إلى السكون المطلق، حتى إنك لتشكّ (وأنت في شكك على حق) بوجود أدباء في سوريا! وهكذا ضعفت نهضتنا واضطربت لأنها فقدت ما هو منها بمثابة العمود الفقري من الإنسان، وهو الأدب.
ولا أريد بالأدب القصائد والمقالات فقط، بل أريد «الحركة الفكرية» بمعناها الواسع. أريد أن تُبنى نهضتنا على أساس فكري واضح وعلى ركن من الثقافة رَكين، وأن يُبدَأ بوضع هذا الأساس في المدارس وفي أدمغة الأطفال لينشأ جيل جديد يفهم النهضة على وجهها الصحيح.
هذا ما نريد من زعمائنا أن ينتبهوا له، ومن أجل هذا كتبنا في دعوة الطلاب إلى الاشتغال بدروسهم، وقلنا لهم إن وطنية الطالب في درسه وعلومه وإن المستقبل يجب أن يُبنى على العلم، فاتُّهِمْنا بالرجعية! ومن أجل هذا دافعنا عن الجامعة وسفَّهْنا رأيَ من يدعو إلى إغلاقها -على ما قد يكون لهذا الداعي من حجج-
[ ٢٤١ ]
لأن الروح الجامعية، روح البحث الحر المفروض وجودها في كل جامعة، ضروريةٌ لبناء نهضتنا الآتية، فاتُّهِمْنا بموالاة أشخاص والدفاع عنهم! وأنا الذي لم ينتسب عمرَه إلى حزب ولم يأخذ على مقالة أجرًا لا بالواسطة ولا مباشرة، ولم يؤجّر قلمه هذا الضعيفَ لمخلوق!
* * *
والخلاصة أن في سوريا نهضة لا يمكن إنكار وجودها، ولكنها ضعيفة مضطربة، فيجب أن تُقوّى بالأدب وتُغذّى بالحركة الفكرية، ليتسنى لها البقاء والنجاح ولا يعتريها الفشل والخذلان الذي سيحيق بها حتمًا إذا بقيت سائرة في طريقها الحاضرة: لا أدباء يرسمون لها الخطط ويحفزون لها الهمم، ولا زعماء يقودونها ويوحّدون صفوفها ويعبّرون عن مقاصدها، ولا مصلحين يعالجون أدواءها الاجتماعية ويفتّشون على أدويتها هذا هو اللب، وما عداه فقشور يابسة وزَبَد يذهب جفاء!
* * *
[ ٢٤٢ ]