البُراق
نشرت سنة ١٩٣٠ (١)
جاء في كتاب كليلة ودمنة (النسخة التي لم تُطبَع!) ما يأتي (٢):
قال كليلة: ألا تضرب لي يا دمنة مَثَل الرجل اللئيم يُحسن إليه القوم ويُكرمونه، فيأبى إلا الإساءة إليهم والغلبة على أموالهم؟
قال دِمْنَة: زعموا أنه كان في مدينة «كذا» ستة أبناء ورثوا عن أبيهم قصرًا عظيمًا وأموالًا طائلة، أمضى الرجل عمره وأمضَّ نفسه في جمعها وتحصيلها، وأخذ عليهم عهد الله وميثاقه:
_________________
(١) في «فتى العرب» بتاريخ ٢٥/ ٥/١٩٣٠ (٢٧ ذي الحجة ١٣٤٨).
(٢) كثيرًا ما عقد علي الطنطاوي فصولًا على لسانَي كليلة ودمنة في تلك الأيام، صنع ذلك كلما أراد التورية وضرب الأمثال، فلا يَظُنَّنّ قارئٌ لهذه الفصول أن مِن كتاب «كليلة ودمنة» نسخًا مفردة أو مفقودة أو غير ذلك، إنما هي النسخة الوحيدة التي تُنشَر أبدًا ويعرفها الناس (مجاهد).
[ ٧٢ ]
أن يحافظوا عليها ولا يبدّدوها، فلما اطمأن إلى أَيْمانهم ووثق بعهودهم أغمض عينيه وأسلم روحه، وهو أروَح ما يكون نفسًا وأهدأ بالًا.
قال كليلة: ويحك يا دمنة! ألا تخبرني ماذا كان بعد ذلك؟
قال: نعم، مات الأب، وعاش أولاده من بعده بنعمة وراحة لا يَشْكون ولا يختصمون، حتى نزل بهم في ليلة من ليالي الشتاء، حالكة الظلام شديدة القُرّ، ضيفٌ مسكين يشكو ألمًا ويطلب دِفأً ويرجو طعامًا، فأطعموه وأدفَؤوه وداوَوه، ومنحوه ما شاء من عطايا ومِنَح، فلما ذاق طعم الغِنى والسعادة وأحس بلذة الترف والنعيم اقترب من أحدهم فقال له: إنك قد أحسنت إليّ وأكرمتني، ولا بد لي من مكافأتك على إحسانك ومن إنذارك بإخلاء الدار وترك الأموال قبل أن أسطو عليك وأعمل فيك سلاحي، فامنحني ما أريد طوعًا أو لا فامنحه كرهًا!
* * *
رأيت هذا المَثَل مَثَل فلسطين وصهيون، في كتاب «كليلة ودمنة» (في نسخة غير التي في أيدي الناس)، فرأيت فيه ما أفتتحُ به مقالي عن «البُراق».
والبراق جدار بيت الله، فيه أولى القبلتين وهو ثالث الحرمين الشريفين، والبراق جدار بيت الله الذي ضحى المسلمون في سبيله بأنفسهم وأزهقوا من أجله أرواحهم وأراقوا ثمنًا له دماءهم، والبراق جدار بيت الله، شهد الله وتشهد ألف وثلاثمئة عام أنه
[ ٧٣ ]
للمسلمين لا يشاركهم فيه مشارك، تشهد أنه لهم وحدهم خالصًا من دون الناس أجمعين (١).
الفلسطينيون حرّاس على هذا المُلك العام لكل المسلمين، فإذا فرّطوا فيه أو مكّنوا هؤلاء المتشردين، شُذّاذ الآفاق، من امتلاكه فقد خانوا هذه الأمانة وحنثوا بذلك العهد. وما كانوا ليفعلوا. وما كان عجيبًا ثباتهم في الدفاع عنه، ولكن العجيب الذي لا أعجب منه ميل الإنكليز إلى الصهيونية وعطفهم عليها، وانصرافهم عن نصرة المسلمين أهل الحق الصريح!
* * *
إننا هنا لنتحدث بهدوء عن هذا العطف وهذا المَيل، وننظر: أفيه فائدة إنكلترا ونفعها، أم فيه ضررها والوبال عليها؟ ونمهّد
_________________
(١) «حائط البراق» هو الجدار الغربي للمسجد الأقصى في القدس، ويمتد بطول تسعة وأربعين مترًا وارتفاع اثني عشر مترًا، ويسميه اليهود «حائط المبكى»، وقد كان هو السبب في اندلاع ثورة عام ١٩٢٩ في فلسطين، وعلى تلك الأحداث وما بعدها بُنيت هذه المقالة. ففي تلك السنة حاول اليهود الاستيلاء على الجدار وتغيير معالمه ونشر الأعلام اليهودية عليه، فهَبَّ مسلمو القدس أولًا للدفاع عنه، ثم تبعهم مسلمو فلسطين جميعًا، واندلعت شرارة «انتفاضة» شعبية عارمة، وتصاعد الغضب من اليهود حتى فتك العرب في الخليل بيهود المدينة جميعًا وعددهم ستون، وكذلك صنع أهل صفد بيهود صفد، فتدخلت حكومة الانتداب وأعانت اليهود ونصرتهم، وانتهت الانتفاضة بمقتل وإصابة نحو خمسمئة من اليهود بأيدي العرب، ونحو أربعمئة من العرب بأيدي الإنكليز واليهود معًا (مجاهد).
[ ٧٤ ]
لهذا الحديث بحادثتين تاريخيتين:
الحادثة الأولى:
وقع في سنة ٥٢٥ للميلاد أن أراد الإمبراطور البيزنطي جوستنيان ما تريده إنكلترا اليوم، فأعطى اليهود فلسطين وأجاز لهم، بل ساعدهم، على إنشاء حكومة يهودية خاضعة لرقابة الروم. فكيف كافؤوه؟ اسمع أقُلْ لك: إنهم كافؤوه بشق عصا الطاعة وبقتل الجنود الرومانية التي أقامها حامية لهم.
وعندئذ أيقن -وسيأتي يوم توقن فيه إنكلترا أيضًا- بأن هذا الشعب اليهودي لا يصلح أن يعيش مستقلًا أبدًا ولا أن يكون له وطن قومي! وعندها أرسل إلى اليهود حليفَه الملك الغساني الحارث بن جَبَلة، فأبادهم وأسر منهم خمسة وعشرين ألفًا أودعهم الحبشة وقتل منهم مثلهم!
وهذه هي الآونة الوحيدة التي تمتع فيها هذا الشعب باستقلال شبه حقيقي بعد ميلاد المسيح ﵇.
أما الحادثة الثانية:
فليست بعيدة عنا، بل هي حادثة مشهورة وقعت في عهد الملكة فكتوريا والسلطان عبد الحميد، وذلك أن الهند ثارت على إنكلترا ثورة عظيمة كاد ينهار لهولها صرح النفوذ الإنكليزي في الهند، وأعيت إنكلترا الحيلة ولم تَرَ لها مخلصًا إلا بالالتجاء لخليفة المسلمين، فأرسل الخليفة كتابًا لثوار الهند يأمرهم فيه -باسم الدين! - بالإخلاد إلى السكينة، فسكنوا! سامح الله
[ ٧٥ ]
عبد الحميد، ولولا ذلك لم يكن لإنكلترا من منجى (١).
* * *
_________________
(١) أذكر أنني سمعت هذه القصة الغريبة من قبل فأثارت عجبي وملت إلى إنكارها، فلما قرأتها اليوم ازددت منها عجبًا ولها إنكارًا، ورأيتها بعيدة عن منهج السلطان عبد الحميد وعن شخصيته، ومن أجل ذلك لم أدّخر وسعًا في البحث عن الأصل التاريخي لها من باب التوثق من صدقها، وأعترف بأن الحيلة أعيتني بالعثور على أي سند تاريخي لها -على طول بحثي في كتب تاريخ الهند وتاريخ الدولة العثمانية- ومن ثَمّ فلا أملك إلا الشك في الرواية من أساسها. على أنها إن كان لها أصل فلن تكون في أيام السلطان عبد الحميد الثاني الذي نعرفه، بل في أيام السلطان عبد الحميد الأول الذي حكم الإمبراطورية العثمانية بين عامَي ١٨٣٩ و١٨٦١، فالثورة الكبرى التي عرفتها الهند اشتعلت سنة ١٨٥٧، وهي الثورة العظيمة التي كادت تنتهي إلى النجاح لولا تفرق كلمة المسلمين في الهند ونجاح مساعي الإنكليز في ضرب بعضهم ببعض، وانتهت بأسر السلطان المسلم بهادُرْ شاه، آخر الملوك المغول في الهند، ونفيه وقتل أبنائه وتشريد أسرته، فلم تقم لهذه الأسرة قائمة من بعد. وتجدون ملخّصًا لقصة هذه الثورة في الحلقة ١٤٥ من ذكريات علي الطنطاوي (٥/ ٢٦٦ وما بعدها). وكانت أيامُ السلطان عبد الحميد الأول أيامَ ضعف وهوان، ففيها فقدت الدولة شبهَ جزيرة القرم، وفيها كانت الحادثة المشؤومة في جدة، وهي التي قرأتم خبرها في مقالة «حادثة من التاريخ» في كتاب «فصول في الثقافة والأدب» الذي صدر منذ وقت قريب. وفي أيام السلطان عبد الحميد الأول أيضًا وقعت الفتنة الطائفية في جبل لبنان، فتدخلت الدول الأوربية وفرضت على الدولة العثمانية منح الجبل الحكمَ الذاتي، يحكمه حاكم من النصارى، فكان صنيعهم =
[ ٧٦ ]
أستنتجُ من هاتين الحادثتين أن إنكلترا في حاجة إلى إرضاء العالم الإسلامي ومصادقته أكثر من حاجتها إلى إرضاء بني صهيون، وذلك لأن فلسطين قلبُ العالم الإسلامي، وكل حادث يسوء مسلمي فلسطين يسوء المسلمين أجمعين ويغضبون له كلهم في كل أنحاء الأرض. وإن إنكلترا التي تحيا بالهند وأكثرُ أهلها مسلمون، ويهمّها مضيقا السويس وباب المندب وحولهما المسلمون، إنها تلقى -والحالة هذه- من جرّاء غضب العالم الإسلامي عناء طويلًا وتعبًا مُمِضًّا.
إن إنكلترا تسعى لصداقة العالم الإسلامي منذ القديم ولا تزال تجاهر بهذه الصداقة أملًا بما ينالها منها من منافع، فعلامَ إذن تؤيد، ولو بالباطن، الصهيونيين؟ وماذا يفيدها الصهيونيون إذا خسرت هذه الصداقة؟
وهل تستطيع إنكلترا الوثوق من بقاء الصهيونيين على الولاء لها إذا هم استقلوا في فلسطين؟ هل تأمُل أن يبقوا -إذا كان ذلك- على الصداقة لها؟ إن اليهود الذين خرجوا على جوستنيان بعد أن أحسن إليهم لا يتقاعسون أن يخرجوا على إنكلترا، بل هم لا يتأخرون منذ الآن عن أن يكيلوا لها السباب جزافًا كلما ساءهم منها أمرٌ أو رأوا فرصة مناسبة!
ما هو إذن نفع إنكلترا من العطف على الصهيونية؟ هذا ما
_________________
(١) = هذا بالأمس البعيد كصنيعهم في أندونيسيا التي انتزعوا منها تيمور بالأمس القريب، وهو الذي يسعون إليه اليوم في دارفور في السودان، لا قدّر الله لمسعاهم النجاح! (مجاهد).
[ ٧٧ ]
نتساءل عنه وقد علمنا أن لجنة التحقيق التي وقفت موقفًا عادلًا، وحكمت (أو كادت) للعرب قد أغضبت الصهيونيين فأحبوا أن يعاد التحقيق (١)، وأطاعتهم إنكلترا ورَدَّت وفد العرب على أعقابهم خاسرين! نتساءل عن هذا ونحن نعلم أن فلسطين أصرّت على مقاطعة هذه اللجنة الجديدة، وأن العالم الإسلامي كله يؤيد فلسطين فيما أصرت عليه من حقوقها، بل حقوق المسلمين جميعًا.
نتساءل عن هذا، ولا ندري من يجيب.
* * *
_________________
(١) هذه هي لجنة «شو» التي تألفت بعد انتفاضة عام ١٩٢٩، وقد اعتبرت أن حكومة الانتداب هي المسؤولة عن تلك الأحداث، وأوصت بضرورة تعديل سياسة الحكومة وتقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وغير ذلك من التوصيات التي اعتُبرت في حينها في صالح العرب. فثار اليهود ثورة عارمة في فلسطين وغير فلسطين وسيَّروا مظاهرات حاشدة في بريطانيا وأميركا حتى استجابت الحكومة البريطانية لهم، وسرعان ما شكلت لجنة أخرى أعادت التحقيق ودفعت الحكومةَ البريطانية إلى إصدار ما سُمّي بالكتاب الأسود، وهو وثيقة بريطانية رسمية مؤكِّدة لوعد بلفور ومتمِّمة له. وكانت هذه الأحداث كلها سببًا في اندلاع ثورة عام ١٩٣٣ التي قادها الشيخ عز الدين القسّام واستُشهد فيها هو وأصحابه، ويعتبر المؤرخون أن ثورته هذه هي المقدمة التي قادت إلى اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى سنة ١٩٣٦ (مجاهد).
[ ٧٨ ]