ضاع الأمل!
نشرت سنة ١٩٣٠ (١)
عُقد مجلس المعارف الكبير، حضره أعضاؤه من الآفاق، خُصِّصت له دار المَجْمَع العلمي العربي، نُشرت أخباره في الجرائد، انفضّ المجلس بعد أن أقيمت له حفلة شاي إكرامًا لجهوده! ولكن ماذا صنع؟ ما هي أعماله ومقرراته؟ لا شيء! وما هي إلا أن قام صاحب الدعوة خطيبًا في أعضائه، فأمالوا أعناقهم وخفضوا رؤوسهم وقالوا: آمين، فجزاهم بما أمّنوا حفلة شاي!
* * *
ما هذا؟ أهكذا يكتب الناس عن مجلس المعارف؟
عفوًا يا أسيادي، فإن شيطان الكتابة (إن صحّ أن للكتابة شيطانًا) (٢) هو الذي أملاها عليّ، وإنما أريد أن أقول إن مجلس
_________________
(١) في «فتى العرب» بتاريخ ٢٧/ ٥/١٩٣٠ (٢٩ ذي الحجة ١٣٤٨)
(٢) يعرّض بما يزعمونه عن شيطان الشعر، وهو من خرافات الجاهلية، قال الجاحظ في «الحيوان»: "كانوا يزعمون أن مع كل فحل من =
[ ٧٩ ]
المعارف الذي انتظرناه عامًا كاملًا لنرى على يده التعديل المنتظَر لهذا البرنامج، وبنينا على انعقاده الآمال الجسام، لم يصنع شيئًا ولم يغيّر في البرنامج حرفًا! وأعجب من هذا أنْ قد صَدَق ظنُّنا السوءَ بأعضائه وبأنهم -إلا أفرادًا قلائل منهم- لا يجرؤون حتى على إبداء آرائهم في الأمور التي اجتمعوا لإبداء آرائهم فيها! ولم نكسب من هذا المجلس إلا أننا كنا نأمل لهذه البرامج إصلاحًا فمات أملنا، وكنا نرفّه عن أنفسنا بأنها من وضع غيرنا، فصادَقْنا نحن عليها، وانفضّ المجلس وقد كسب لقومه شرًا عظيمًا.
* * *
البرنامج لا يزال كما كان: يُهمل التاريخ العربي الإهمالَ كله، فيبدأ الطالبُ الصغير في الصف الثاني الابتدائي بدراسة تاريخ سوريا القديم، تاريخ الفنيقيين وأشباههم، قبل أن يدرس تاريخ الأمويين والخلفاء الراشدين. وأنت تعلم أنهم يريدون من هذا غرس بذور الفنيقية في نفوس الناشئين، حتى ينادوا بها وحتى يَدْعوا إلى قومية سوريّة تكون وبالًا على الجامعة العربية والإسلامية المنشودة وبلاء على سوريا وأخواتها.
وليس هذا كل ما نشتكي منه في برنامج التاريخ، بل نشكو من جهل الطالب الذي يحمل الشهادة الابتدائية الجهلَ المطلق
_________________
(١) = الشعراء شيطانًا يقول على لسانه الشعر"، وفي ثمار القلوب للثعالبي: "كانت الشعراء تزعم أن الشياطين تلقي على أفواهها الشعر وتلقنها إياه، وتدّعي أن لكل منهم شيطانًا، وبلغ من تصديقهم بهذا أن جعلوا لهم أسماء". وهذا كله تخريف لا أصل له لا في عقل ولا نقل! (مجاهد).
[ ٨٠ ]
بدول إسلامية عظيمة كان لها أعظم وأجلّ الآثار في خدمة الحضارة الإنسانية وتشييد بناء العمران البشري، في حين أنه على علم مفصَّل بتاريخ أوربا ودولها. بل إن الجهل لأفظع من ذلك، جهل حتى بتاريخ الأمويين والعباسيين أنفسهم، فتجد من الطلاب من لا يعرف عن قادة الفتوح الإسلامية أكثر من أسمائهم، مع أنه يعرف عن نابليون وروبسبير الشيء الكثير!
أليس من العار على الوزارة أن تدرّس التاريخ الإسلامي كله في عامين اثنين؟ وماذا يستطيع الطالب الصغير (في الصف الثالث أو الرابع، تصور!) أن يفهم من التاريخ الإسلامي، تاريخ ثلاثة عشر قرنًا، في أقل من مئة وثلاثين حصة هي مجموع ما يخصَّص للتاريخ في هاتين السنتين؟ إن هذه القضية -على وضوحها وأهميتها- لم تجد لها من أعضاء المجلس واحدًا يؤيدها ويدافع عنها.
* * *
وهكذا مرت جلسات المجلس، وأُعلن اختتامه كما أُعلن افتتاحه والعقدة لم تُحَلّ والمُراد لم يحصل. ولينظر القارئ في اكتفاء المجلس بثلاث جلسات فقط، مع أنه دُعي للبحث في أمر جليلٍ البحثُ فيه مستفيض واسع الجنبات، أليس معنى هذا أن المجلس إنما دُعي للمصادقة والتأمين لا للبحث والدرس؟ أوْ لا فما الذي حال بينه وبين هذا التعديل المنتظَر؟ إن تلك الدهشة العامة وتلك البرقيات والوفود التي تتالت على الوزارة يوم نشرت البرنامج تعرب عن تلك الدهشة وذلك الاستياء، إن هذا كله لم يهدأ إلا طمعًا بموقف شريف يقفه هذا المجلس، أما وقد انقضى
[ ٨١ ]
ولم يعمل شيئًا فليس إلا اليأس من معونته والانصراف لجهة ثانية تحقق هذا الغرض المنشود.
لقد تكلمنا في المقال الثاني من هذه «المشاهدات والأحاديث» عن الإهمال العظيم للّغة العربية الذي سبّبه هذا البرنامج، وبينّا لهم القصور الكبير الذي بدأ يعتري الطلاب في لغة الضاد. ولا نريد أن نعود هنا فنعيد ما قلناه، بل نريد أن نُعْلم الناس أن هذه البرامج لم تهمل التاريخ واللغة فقط، بل أهملت الدين قبل كل شيء، فنزعت من علومه كل صبغة رسمية ولم تجعل لها دخلًا في الفحص، ولا ينال الطالبَ من جراء جهله بها شيء من العقاب أو الجزاء.
* * *
خاب الأمل وضاع كل رجاء في تعديل هذه البرامج على يد المجلس، وليس لدينا طريق آخر لتعديله، فماذا نصنع؟ أنرضى بأن ينشأ أبناؤنا منشأ فيه من العقوق لدينهم ولغتهم وتاريخهم ما فيه؟ أنرضى بأن يكون بناء مستقبلنا مزعزعًا مضطربًا يقوم على عواتق أناس لا نثق بهم؟ أنرضى بهذا كله ولا نصنع شيئًا، أم نكتفي بأن ننادي (ونعلم أنه لا حياة لمن ننادي)؟
أنا لا أدري ما الجواب، فليقله لي القارئ إن كان يعلم، وسلام عليه إن فهم ما أريد!
* * *
[ ٨٢ ]