دخل موسى ﵇ المدينة فوجد رجلان يقتتلان أحدهما من بني اسرائيل والآخر قبطي فاستغاثه الذي هو من قومه وهو الاسرائيلي على عدوه.
وهنا تدخل عدو الله ليلقي الغضب في نفس موسى فما أن دعاه صاحبه واستنصره حتى هوى بقبضة يديه على القبطي فصرعه - ولم تكن فترة تفكير أو تأني من موسى
انما ضرب عدوهما بمجرد استغاثة صاحبه به
" فاستغاثه الذي هو من شيعته على الذي من عدوه فوكزه".
وبعد أن رأى موسى القبطي قتيلا أدرك أن ذلك من عمل الشيطان فقال:" هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين".
[ ١٠٢ ]
إذن فالغضب نوعان: غضب الله وهذا من ثمرات الايمان اذ أن الذي لا يغضب لله اذا انتهكت محارمه يكون ايمانه ضعيفا
والغضب الآخر: الغضب لغير الله كأن يكون للنفس أو الجنس أو الوطن أو العشيرة الخوهذا النوع الثاني من الغضب هو الذي يسببه عدو الله وهو مدخل من مداخله اذ به تحدث الجرائم وتتفكك الأسر ويضعف الايمان وتضعف رابطة الأخوة بالله فهو شر تنبع منه شرور كثيرة لذلك لم يكن غريبا عندما قال رجل للرسول ﷺ:" أوصني قال:" لا تغضب"
فردد مرارا قال لا تغضب" وهو الرسول الذي أوتي مجامع الكلم يردد كلمة لا تغضب ثلاث مرات دلالة على حرص الرسول ﷺ على أن يبين الحجم الضخم لهذا المدخل الشيطاني
وليس الغضب مقياسا للقوة كما يزينه الشيطان للبعض فيغضب ليرى الناس أنه شديد ذو بأس. انما الشدة تقاس بمقدار ما تملك النفس عند الغضب كما بين الرسول ﷺ عندما قال:" ليس الشديد بالصرعة انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
ولقد ربى الامام الشافعي نفسه على هذه المعاني خير تربية ورجل بمنزلته يتعرض للنقد والمجادلة والشتائم من الذين لم يتربوا تربية الاسلام والذين طغت عليهم أهواؤهم ولكنه يستقبل حماقة هؤلاء بصدر رحب صدر الداعية المربي مطبقا قاعدة قائده الرسول ﷺ فيقول:
يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما كعود زاده الاحراق طيبا
[ ١٠٣ ]
والغضب ليس مقياسا لاكتساب احترام الناس كما يزينه الشيطان للبعض والداعية الصادق لا يقابل سفاهة السفهاء بكلام بذىء وغضب سافر انما يقابلهم بالحلم الذي قابلهم به الشافعي لأنهم مرضى وهو الطبيب النفسي وليس من آداب الطب الغضب من تصرفات المرضى وشتائمهم بسبب الأمراض المزمنة التي سكنت في قلوبهم
وقد يدخل عدو الله من مدخل آخر فيخلط الغضب لله بالغضب للنفس وهنا على الداعية أن يقف ويسأل نفسه وليكن صريحا معها - أهذا الغضب لله أم للنفس؟
والمثال على ذلك اذا نصحك أحد الناس نصيحة ووجدت في هذه النصيحة غلظة عليك أن تكون حليما ولو كان أقل منك علما أو سنا.
وهنا يطرح السؤال نفسه بعد الانفعالات التي داخلتك وبعد الوساوس التي طرحها عدو الله في قلبك وأشعل النار تحت الأثافي ليزيدك حرارة ويشعلك غضبا هل سترضى بالنصيحة وتبتسم ابتسامة القبول وتقول له جزاك الله خيرا أم ستثور لنفسك ويخدعك الشيطان قائلا لك " علمه كيف ينصح" وأنت بذلك تبغي الانتصار للنفس - فان كان الآخر فاستغفر لذنبك وان أصررت الا الانتصار للنفس فاعلم أن الشيطان قد انتصر عليك هذه المرة فانهض من عثرتك ولا تكن من الذين يرضون بالهزيمة.
وبما أن الغضب أحد العوامل التي تفكك الجماعة المسلمة وذلك ما يداخل نفوس الغاضبين من حب الهجر والقطيعة وحفاظا على وحدة الأسلوب يستخدم ابليس مدخلا آخر مختلف اللون ولكنه يؤدي الى نتيجة واحدة الا وهو: