(وسوس) في اللغة تعطي معنى التكرار كما هو الحال في (كبكب) اي الاستمرار بالكب وهكذا
وعدو الله منذ ان اعلن اعلانه الاول امام الله باعتزامه اضلال هذه البشرية لم يلق سلاحه ولم يمل طول الحرب مما يدل على ان الباطل لم يقف ابدا وهو سريع كسرعة النار اذا اضرمت بالهشيم. اما اذا صمت اصحاب الحق واستكانوا كانت سرعة الباطل اكثر واذا ذكروا الله واعدوا العدة لمواجهة عدوهم فان الحق ينهمر كالشلال من قمم الجبال على نار الباطل فيطفئها باذن الله ولا يتم ذلك الا بذكر الله في كل وقت وعلى كل حال كما يقول
[ ١١٧ ]
رسول الله ﷺ " الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فاذا ذكر الله تعالى خنس واذا غفل وسوس"
وبما ان ابليس مستمر بالوسوسة ونشر الضلال بين بني آدم فعلى أصحاب الحق ان يستمروا بنشر الحق ولا يستكينوا ولا يفتروا " وفي أثر عن بعض السلف ان المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي الرجل بعيره بالسفر لانه كلما اعترضه صب عليه سياط الذكر والتوجه بالاستغفار والطاعة فشيطانه معه في عذاب شديد ليس بمنزلة شيطان الفاجر الذي هو معه في راحة ودعة ولهذا يكون قويا عاتيا شديدا"
وهذا الذل الذي تعيشه الدول الاسلامية وخاصة العربية منها وهذه الاراضي المغتصبة في كل مكان كله بسبب نسيان ذكر الله واستعانتهم بتشريعات العبيد الوضعية فلم يزدادوا الا ذلا فوق ذل وهوانا فوق هوان ولقد ازدادوا عددا ولكنهم كما قال رسول الله ﷺ:
" غثاء كغثاء السيل" ولن يغير الله ما هم عليه من الذل والهوان في اعين الناس حتى يذكروا الله فيغيروا انفسهم ذلك لان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم"
والذكر لا يتم باللسان فقط انما يتممه الذكر بالقلب فهاتان الصورتان من الذكر هما المحرك الذي يدفع اصحاب الحق للعمل في سبيل الله والحركة في سبيله ونسيانهم لها تدفعهم الى السكون فمسيرة الباطل لا توقفها ادعية المصلين ودموعهم ولا صيام النوافل ولا يحبط عزائمهم قراءة المجلدات ومناظرة الفقهاء فحسب.
ولكن الذي يزلزلهم ويرعبهم ويحبط عزائمهم هو العمل الدائم المستمر في سبيل الله او قل الجهاد لتغيير هذا الواقع الجاهلي الى الواقع الذي امر الله به ان يكون وذلك مصداقا لقول الله تعالى للمؤمنين بارشادهم على التجارة
[ ١١٨ ]
التي تنجيهم من عذاب اليم.
" يأيها الذين آمنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله باموالكم وانفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون"
فهي المعارك المستمرة لمقاتلة الشيطان وحزبه - هذا ما علمه رسول الله ﷺ للرعيل الاول ولقد اطلق براقه الاول مصعب بن عمير ليتحرك امام تحرك الباطل فيحصد ما زرعه الباطل ليغرس مكانه بذور الحق وجاء من بعده الصحابة رضوان الله عليهم يطبقون ما علمهم الرسول ﷺ " ومما يروي لنا التابعي الكوفي الفقيه النبيل عامر الشعبي ان رجالا خرجوا من الكوفة ونزلوا قريبا يتعبدون فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود ﵁ فاتاهم ففرحوا بمجيئه اليهم فقال لهم ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا احببنا ان نخرج من غمار الناس نتعبد فقال عبد الله لو ان الناس فعلوا ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما انا ببارح حتى ترجعوا"
وجاء من بعده امير الحديث عبد الله بن المبارك ليرسل الى اشهر العباد والزهاد في تاريخ الاسلام الفضيل ابياتا يصفه فيها" بأنه عابد لاعب بعبادته" ويبعث له من طرطوس بعد معركة من معاركه قبل ان ينفض غبار المعركة عنه قائلا له فيها.
يا عابد الحرمين لو ابصرتنا لعلمت انك بالعبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنا تنخضب
او كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الكريهة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الاطيب
ولقد اتانا عن مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
[ ١١٩ ]
لا يستوي غبار خيل الله في انف امرىء ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب
وهل لنا ان نقول لمتزهد اليوم الا كما قال ابن المبارك
يا عابد لو ابصرت دعاة الاسلام يصاولون دعاة الكفر والضلال الحزبي لعلمت انك بالعبادة تلعب"
فبالمجاهدة والحركة تعلو الاقدار ولقد اجاد الامام ابن الجوزي عندما بين ذلك بمحاورة بين الزيت والماء حين قال:" اذا صب في القنديل ماء ثم صب عليه زيت صعد الزيت فوق الماء فيقول الماء: انا ربيت شجرتك فاين الادب؟ لم ترتفع علي؟ فيقول الزيت: انت في رضراض الانهار تجري على طريق السلامة وانا صبرت على العصر وطحن الرحا وبالصبر يرتفع القدر فيقول الماء:
الا اني انا الاصل. فيقول الزيت استر عيبك فانك لو قارنت المصباح انطفأ.
فبالمجاهدة وحدها ترتفع الاقدار وعندما تحدث هذه الحركة الايمانية بالاتجاه المعاكس لحركة الباطل تحدث النتيجة الطبيعية وهي الخنوس أي الإحتجاب أو الرجوع إلى الوراء أو الإختفاء أمام مد الحق الجارف «من شر الوسواس الخناس».