وهي احدى مداخل ابليس يوهمه ان ذلك من النهي عن المنكر فيولع به حتى تكون له هواية فما ان يرى عيبا في شخص ما حتى يذيعه ويشهر به بين الناس يترصد كلماته ويتلقف سقطاته كأن كل همه هو البحث عن عيوب الناس - قال الامام ابن الجوزي:
" ومن تلبيس ابليس على المنكر انه اذا انكر جلس في مجمع يصف ما فعل ويتباهى به ويسب اصحاب المنكر سب الحنق عليهم ويلعنهم ولعل القوم قد تابوا وربما
كانوا خيرا منه لندمهم وكبره ويندرج في ضمن حديثه كشف عورات المسلمين لانه يعلم من لا يعلم والستر على المسلم واجب مهما امكن"وان لم ير عيبا من خلال كلامه معهم فانه يذهب يتصفح الكتب ويمسك قلما يخط به خطوطا تحت العبارات التي يظنها خطأ أخطاء يظنها وهي ليست بأخطاء عند غيره ليس ذلك بسبب علمه وجهلهم
[ ١١٢ ]
انما ذلك بسبب سوء ظنه وحسن ظن الاخرين تجده يؤول كل كلمة يسمعها او يقرؤها تاويلا سيئا.
وهذه فئة ليست حديثة انما هي قديمة قدم الزمان فلقد حذر الصحابي الجليل ابو هريرة ﵁ هذه الفئة في عهده من هذا المدخل الشيطاني وسدد السهم في الهدف عندما ذكر لهم سبب هذا المرض وهو الغفلة عن عيوب النفس فقال:" يبصر احدكم القذاة في عين اخيه وينسى الجذع او الجذل في عينيه" وادركها الامام الحافظ ابن حبان وجعل هذه الصفة تنافي صفات العاقل وجعل تركها من واجباته فقال:" الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال باصلاح عيوب نفسه فان من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره اراح بدنه ولم يتعب فلبه فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من اخيه وان من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمى قلبه وتعب بدنه وتعذر عليه ترك عيوب نفسه وان من اعجز الناس من عاب الناس بما فيهم واعجز منه من عابهم بما فيه من عاب الناس عابوه" وكان للشعراء نصيب كبير في هذه الحملة لاقتلاع هذا الداء من نفوس الدعاة الى الله فقال قائلهم:
اذا انت عبت الناس عابوا واكثروا
عليك وابدوا منك ما كان يستر
وقد قال في بعض الاقاويل قائل
له منطق فيه كلام محير
اذا ما ذكرت الناس فاترك عيوبهم
فلا عيب الا دون ما منك يذكر
فان عبت قوما بالذي ليس فيهم
فذلك عند الله والناس اكبر
متى تلتمس للناس عيبا تجد لهم
عيوبا ولكن الذي فيك اكثر
فسالهم بالكف عنهم فانهم
بعيبك من عينيك اهدى وابصر
[ ١١٣ ]
ولا يعني هذا ان يركن الداعية الى الله لا ينكر على الفاسقين واصحاب الغفلة منكراتهم انما هناك فرق واضح بين انكار المنكر ودرجاته الثلاثة باليد او باللسان او بالقلب وبين هواية تصيد العيوب التي ذكرناها
فمتى سعى الداعية الى تنقية نفسه من العجب بالنفس واحتقار اصحاب المعاصي والتشهير بهم وغفلته عن عيوب نفسه وسوء الظن بكلام الاخرين كان هو الداعية الذي اراده الله ويكون عمله كله مباركا موفقا باذن الله اما ان تلكأ في تنقية نفسه من هذه العيوب فليعلم انه من هذه الزمرة.