ومن المسلمين من يتلذذ بسوء الظن بأخيه فيتهمه بما ليس فيه اتباعا لما يلقي الشيطان في قلبه ولا يتبين ولا يتثبت وانما يطلق الحبل على غاربه للشيطان يلعب به كيفما يشاء
وهذا المرض من اخطر الامراض في الجماعة المسلمة اذا تفشى نشأت عنه الاحقاد والنفاق والكراهية بين صفوف الجماعة الواحدة ولذلك شدد
[ ١٠٧ ]
القرآن الكريم على ازالة هذا المرض الفتاك فقال تعالى:
" يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم".
وثبت في الصحيحين عن ابي هريرة ﵁ ان النبي ﷺ قال:
" اياكم والظن فان الظن اكذب الحديث ولا تحسوا ولا تجسوا وتناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا".
" فالظن هنا وفي الآية هو التهمة ومحل التحذير والنهي انما هو تهمة لا سبب لها يوجبها كمن يتهم بالفاحشة او يشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله تعالى:" ولا تجسسوا"
وذلك انه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء ويريد ان يتجسس ليعرف خبر ذلك ويبحث عنه ويتبصر ويستمع لتخفيف ما وقع له من تلك التهمة. فنهى النبي ﷺ عن ذلك"
وان شئت قلت: والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها - ان كل ما لم تعرف له امارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب الاجتناب.
وذلك اذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح وأونست منه الأمانة في الظاهر فظن الفساد به والخيانة محرم بخلاف من اشتهر عند الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث.
ولقد أنكر الحسن البصري على قوم أباحوا الظن في زمانه فقال:" كنا في زمن الظن بالناس فيه حرام وانت اليوم في زمن أعمل واسكت وظن في الناس ما شئت".
والظن حالتان:" حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه الأدلة فيجوز
[ ١٠٨ ]
الحكم بها وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك من قيم المتلفات وأروش الجنايات والحالة الثانية ان يقع في النفس شيء من غير دلالة فلا يكون ذلك أولى من ضده فهذا هو الشك فلا يجوز الحكم به وهو المنهي عنه على ما قررنا آنفا".
وخير الدعاة الى الله ان يتركوا الظنون السيئة كلها ويشتغلوا بما يعود عليهم بالخير في دينهم ودنياهم وآخرتهم والا يضيعوا أي دقيقة هباء لئلا يندموا عليها يوم الحساب عندما تعرض الأعمال" فلا يتركوا نفوسهم نهبا لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك. وتعليل هذا الامر" ان بعض الظن اثم" وما دام النهي منصبا على اكثر الظن والقاعدة ان بعض الظن اثم فان ايحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيء اصلا لانه لا يدري اي ظنونه تكون اثما بهذا يظهر القرآن الضمير من داخله لئلا يتلوث بالظن السيء فيقع في الاثم بل يدعه نقيا بريئا من الهواجس والشكوك أبيض يكن لاخوانه المودة التي لا يخدشها ظن السوء والبراءة التي لا تلوثها الريب والشكوك والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع. وما أروع الحياة في مجتمع بريء من الظنون".
ومن التزم طريق الظن وأبى أن يزكي نفسه عنه فان ذلك يوصله حتما الى طريق أظلم منه فيه مستنقعات اتخذتها الحشرات مسكنا فأبى الا أن يخوض فيها ويدنس قدميه - ذلك هو طريق الغيبة
.
[ ١٠٩ ]