[ ١٢٠ ]
المرتبة الأولى: شر الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله:
فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه وهو أول ما يريد من العبد، فلا يزال به حتى يناله منه فإذا نال ذلك صيّره من جنده وعسكره واستنابه على أمثاله وأشكاله فصار من دعاة إبليس ونوابه، فان يأس منه من ذلك وكان ممن سبق له الاسلام وهو في بطن امه نقله الى المرتبة الثانية من الشر.
المرتبة الثانية: شر البدعة:
وهي احب اليه من الفسوق والمعاصي لان ضررها في نفس الدين وهو ضرر متعد وهي ذنب لا يتاب منه وهي مخالفة لدعوة الرسل ودعاء الى الخلاف ما جاءوا به وهي باب الكفر والشرك فاذا نال منه البدعة وجعله من اهلها صار ايضا نائبه وداعية من دعاته. فان أعجزه من هذه المرتبة وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السند ومعاداة اهل البدع والضلال نقله الى المرتبة الثالثة من الشر.
المرتبة الثالثة: شر الكبائر على اختلاف انواعها:
فهو اشد حرصا على ان يوقعه فيها ولا سيما ان كان عالما متبوعا فهو حريص على ذلك لينفر الناس منه ثم يشيع ذنوبه ومعاصيه للناس ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينا وتقربا بزعمه الى الله تعالى وهو نائب ابليس ولا يشعر بان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم في الدنيا والآخرة. هذا اذا احبوا اشاعتها واذاعتها فكيف اذا تولوا هم اشاعتها واذاعتها لا نصيحة منهم ولكن طاعة لابليس ونيابة عنه كل ذلك لينفر الناس عنه وعن الانتفاع منه وذنوب هذا ولو بلغت عنان السماء هي اهون عند الله
[ ١٢١ ]
من ذنوب هؤلاء فانها ظلم منه لنفسه اذا استغفر الله وتاب اليه قبل الله توبته وبدل سيئاته حسنات واما ذنوب اولئك فظلم للمؤمنين وتتبع لعوراتهم وقصد لفضيحتهم والله سبحانه بالمرصاد لا تخفى عليه كمائن الصدور ودسائس النفوس. فان عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله الى المرتبة الرابعة.
المرتبة الرابعة: شر الصغائر:
وهي الصغائر التي اذا اجتمعت فربما اهلكت صاحبها كما قال النبي ﷺ:
" اياكم ومحقرات الذنوب فانما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما انضجوا به خبزهم وان محقرات الذنوب متى ياخذ بها صاحبها تهلكه"
وذلك حديثا معناه: ان كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى اوقدوا نارا عظيمة فطبخوا واشتووا. ولا زال يسهل عليه امر الصغائر حتى يستهين بها فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها احسن حالا منه فان اعجزه العبد من هذه المرتبة نقله الى المرتبة الخامسة.
المرتبة الخامسة: شر الاشتغال بالمباحات:
وهي اشتغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها فان اعجزه العبد في هذه المرتبة وكان حافظا لوقته شحيحا به يعلم مقدار انفاسه وانقطاعها وما يقابلها بالنعيم والعذاب نقله الى:
المرتبة السادسة: شر الاشتغال بالعمل المفضول عما هو افضل منه ليزيح عنه الفضيلة
[ ١٢٢ ]
ويفوته ثواب العمل الفاضل فيامره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له اذا تضمن ترك ما هو افضل واعلى منه وقل من ينتبه لهذا من الناس فانه اذا راى فيه داعيا قويا ومحركا الى نوع من الطاعة لا يشك انه طاعه وقربه فانه لا يكاد يقول ان هذا الداعي من الشيطان فان الشيطان لا يامر بخير ويرى ان هذا خير فيقول هذا الداعي من الله وهو معذور ولم يصل علمه ان الشيطان يامر بسبعين باب من ابواب الخير اما ليتوصل بها الى باب واحد من الشر واما يفوت بها خيرا اعظم من تلك السبعين بابا واجل وافضل وهذا لا يتوصل الى معرفته الا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول ﷺ وشدة عنايته بمراتب الاعمال عند الله واحبها اليه وارضاها له وانفعها للعبد واعمها نصيحة له ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصتهم وعامتهم ولا يعرف هذا الا من كان من ورثة الرسول ﷺ وثوابه في الامة وخلفائه في الارض واكثر الخلق محجوبون عن ذلك فلا يخطر ذلك بقلوبهم بالله بمن يفضله على من يشاء من عباده.
فاذا اعجزه العبد في هذه الملراتب الست واعيي عليه: سلط عليه حزبه من الانس والجن بانواع الاذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد الى اخماله واطغاثه ليوشوش عليه قلبه ويشغله بمحاربة فكره وليمنع الناس من الانتفاع به فيبقى سعيدا من تسليط المبطلين من شياطين الانس والجن عليه لا يفتر ولا ينثني فحينئذ يلبس المؤمن لامة الحرب ولا يضعها عنه الى الموت ومتى وضعها اسر او اصيب فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله.
وهناك مدخل غريب قل من يفطن اليه من الدعاة وهو ان ياتي لاحدهم بالبراهين التي يبدو ظاهرها صحيحا ويريد بها باطلا ليبعدهم عن الطريق الذي التزموه او يجعلهم ضعافا عالة على الحركة الاسلامية ويظل يحقنهم
[ ١٢٣ ]
بهذه الحقن المخدرة حتى يجعلهم اسماء فقط في الجماعة المسلمة - ومن اخطر هذه المداخل حثهم على السكوت عن المنكر.