(مَنْ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ قاما أو صفا ملبس عليه فداما)
(عد بِنَا نَنْدُبُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا بِاقْتِيَادِ الْمَنُونِ عَامًا فَعَامَا)
(فَارَقُوا كَهْلا وَشَيْخًا وَهِمًّا وَوَلِيدًا مُؤَمِّلا وَغُلامَا)
(وَشَحِيحًا جَعْدَ الْيَدَيْنِ بَخِيلا وَجَوَادًا مُخَوَّلا مِطْعَامَا)
(سَكَنُوا كُلَّ ذِرْوَةٍ مِنْ أَشَمٍّ يَحْسِرُ الطرف ثم حلوا الرغاما)
(يالحا الله مهلًا حسب الدهر لؤوم الْجُفُونِ عَنْهُ فَنَامَا )
(عَلَّقَا فِي يَدِ الْمُنَى كُلَّمَا نَالَ هَوَى يَبْتَغِيهِ رَامَ مِنْهُ مَرَامَا)
(هَلْ لَنَا، بَالِغِينَ كُلَّ مُرَادٍ غَيْرَ مَا يَمْلأُ الضُّلُوعَ طَعَامَا)
(فَإِذَا أَعْوَزَ الْحَلالَ فَشَلَّ اللَّهُ كَفًّا جَرَتْ إِلَيْهَا الْحَرَامَا )
(وَمَا لِسِغَابِ الْبُطُونِ أَحْظَى لِذِي الْمَجْدِ مِنَ الْقَوْمِ يَأْكُلُونَ الخطاما )
(دَعْ عَلَى أَرْبُعِ الرَّخَاءِ رِجَالا سَكَنُوا فِي رُبَى الرَّخَاءِ خِيَامَا)
(كُلَّمَا أُقْحِطُوا اسْتَمَارُوا مِنَ الْعَارِ وَإِمَّا صَدَوْا تَرَوَّوْا أَثَامَا)
(وَقُمِ اللَّيْلَ نَاجِيًا خِدَعَ الدَّهْرِ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ رِجَالا قِيَامَا )
(وَاخْشَ مَا قِيلَ فِيهِ قَدْ تَمَّ فَالْجِلْدُ الَّذِي لا يَخَافُ إِلا الْتِمَامَا)
(أَيُّهَا الْمَوْتُ كَمْ حَطَطْتَ عَلَيَّا سَامِيَ الطَّرْفِ أَوْ جَذَذْتَ سَنَامَا)
(وَإِذَا مَا حُذِّرْتَ خَلْفًا وَظَنُّوا نجاة من يديك كنت أمامًا)
إخواني: كأن القلوب لَيْسَتْ مِنَّا، وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ يُعْنَى بِهِ غَيْرُنَا.
(كَمْ مِنْ وَعِيدٍ يَخْرِقُ الآذَانَا كَأَنَّمَا يُعْنَى بِهِ سِوَانَا)
(أَصَمَّنَا الإِهْمَالُ بَلْ أَعْمَانَا )
إِخْوَانِي: غَابَ الْهُدْهُدُ عَنْ سُلَيْمَانَ فَتَوَعَّدَهُ بِلَفْظِ ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ﴾ فَيَا مَنْ يَغِيبُ طُولَ عُمْرِهِ عَنْ طَاعَتِنَا، أَمَا تَخَافُ مِنْ غَضَبِنَا؟! خَالَفَ مُوسَى الْخَضِرَ فِي طَرِيقِ الصُّحْبَةِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَحَلَّ عُقْدَةَ الوصال بكف: " ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾ "
[ ٢٤٣ ]
أَمَا تَخَافُ يَا مَنْ لَمْ يَفِ لِمَوْلاهُ أَبَدًا أَنْ يَقُولَ فِي بَعْضِ خَطَايَاكَ: هَذَا فراق بيني وبينك.
كَانَ الْحَسَنُ شَدِيدَ الْخَوْفِ وَالْبُكَاءِ فَعُوتِبَ عَلَى ذلك فقال: وما يؤمنني أن يَكُونُ اطَّلَعَ عَلَيَّ فِي بَعْضِ زَلاتِي فَقَالَ: اذْهَبْ فَلا غَفَرْتُ لَكَ!
(لَعَلَّكَ غَضْبَانٌ وَقَلْبِي غَافِلٌ سَلامٌ عَلَى الدَّارَيْنِ إِنْ كُنْتَ رَاضِيَا)
أخبرنا ابن حَبِيبٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي صَادِقٍ، أَنْبَأَنَا ابْنُ بَاكَوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَرَجِ الشُّرَيْحِيُّ، سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ مُوسَى الزَّاهِدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْجَبَّانِ إِذْ سَمِعْتُ حَزِينًا يُنَاجِي مَوْلاهُ وَيَشْكُو إِلَيْهِ مَا يَلْقَاهُ يَقُولُ:
سَيِّدِي! قَصَدَكَ عَبْدٌ رُوحُهُ لَدَيْكَ، وَقِيَادُهُ بِيَدَيْكَ، وَاشْتِيَاقُهُ إِلَيْكَ، وَحَسَرَاتُهُ عَلَيْكَ، لَيْلُهُ أَرَقٌ، وَنَهَارُهُ قَلَقٌ، وَأَحْشَاؤُهُ تَحْتَرِقُ، وَدُمُوعُهُ تَسْتَبِقُ شَوْقًا إِلَى رُؤْيَتِكَ، وَحَنِينًا إِلَى لِقَائِكَ، لَيْسَ لَهُ رَاحَةٌ دُونَكَ، وَلا أَمَلٌ غَيْرَكَ.
ثُمَّ بَكَى وَرَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: سَيِّدِي؟ عَظُمَ الْبَلاءُ وَقَلَّ الْعَزَاءُ، فَإِنْ أَكُ صَادِقًا فَأَمِتْنِي. وَشَهَقَ شَهْقَةً فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ، فَبَيْنَا أَنَا أُرَاعِيهِ وَإِذَا بِجَمَاعَةٍ قَدْ قَصَدُوهُ فَغَسَلُّوهُ وَحَنَّطُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ وَارْتَفَعُوا نَحْوَ السَّمَاءِ فَأَخَذَنِي فِكْرٌ وَغَشِيَتْنِي غَشْيَةٌ فَلَمْ أُفِقْ إِلا بَعْدَ حِينٍ.
يَا سَالِكًا طَرِيقَ الْجَاهِلِينَ، رَاضِيًا بِلَعِبِ الْغَافِلِينَ، مَتَى نَرَى هَذَا الْقَلْبَ الْقَاسِيَ يَلِينُ، مَتَى تَبِيعُ الدُّنْيَا وَتَشْتَرِي الدِّينَ، واعجبًا لِمَنْ آثَرَ الْفَانِيَ عَلَى مَا يَدُومُ، وَتَعَجَّلَ الْهَوَى وَاخْتَارَ الْمَذْمُومَ، وَدَنَتْ هِمَّتُهُ فَهُوَ حَوْلَ الْوَسَخِ يَحُومُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْقَبِيحِ نَاسِيًا يَوْمَ الْقُدُومِ، فَأَصْبَحَ شَرَّ خَاسِرٍ وَأَبْعَدَ مَلُومٍ.
(أَتَغُرُّنِي آمَالِيَهْ بَعْدَ الْقُرُونِ الْخَالِيَهْ)
(أَهْلُ الْمَرَاتِبِ وَالْمَنَاصِبِ وَالْقُصُورِ الْعَالِيَهْ)
(عَادَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمُ بَعْدَ الْمَوَدَّةِ قاليه)
[ ٢٤٤ ]
(نَادَتْ مَنَازِلُهُمْ قِفُوا وَتَأَمَّلُوا أَطْلالِيَهْ)
(فَغُمُوضُ بَاطِنِ حَالِهِمْ يُبْدِيهِ ظَاهِرُ حَالِيَهْ)
(كَانُوا عُقُودًا عُطِّلَتْ مِنْهَا النُّحُورُ الْحَالِيَهْ)
(إِنِّي لأَذْكُرُ مَعْشَرًا مَا النفس عنهم ساليه)
(فأقول والهفي عَلَى تِلْكَ الْوُجُوهِ الْبَالِيَهْ)
أَفِقْ مِنْ سَكْرَتِكَ أَيُّهَا الْغَافِلُ، وَتَحَقَّقْ أَنَّكَ عَنْ قَرِيبٍ رَاحِلٌ، فَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ قَلائِلُ، فَخُذْ نَصِيبَكَ مِنْ ظِلٍّ زَائِلٍ، وَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ وَافْعَلْ مَا أَنْتَ فَاعِلٌ.
(أَنَسِيتَ يَا مَغْرُورُ أَنَّكَ مَيِّتٌ أَيْقِنْ بِأَنَّكَ فِي الْمَقَابِرِ نَازِلُ)
(تَفْنَى وَتَبْلَى وَالْخَلائِقُ لِلْبِلَى أَبِمِثْلِ هَذَا الْعَيْشِ يَفْرَحُ عَاقِلُ)
يَا لاحِقًا بِآبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ، لا بُدَّ أَنْ يَصِيرَ الطَّلا إِلَى مَهَاتِهِ، يَا مَنْ جُلُّ هِمَّتِهِ جُلُّ خِيَاطِهِ وَطِهَاتِهِ، يُقَلِّبُهُ الْهَوَى وَهُوَ غَالِبُ دَهَاتِهِ، إِنْ كَانَ لَكَ فِي تَفْرِيطِكَ عُذْرٌ فَهَاتِهِ، يَا مُتَيَّمًا بِالدُّنْيَا فِي ثِيَابِ صُبٍّ، يَا مَنْ أَتَى الْمَعَاصِيَ وَنَسِيَ الرب يا مدنقًا بِالَخْطَايَا وَمَا اسْتَطَبَّ، يَا أَسِيرَ فَخِّ الأَمَانِي وَمَا نَالَ الْحُبَّ.
إِخْوَانِي: ذَهَبَتِ الشَّبِيبَةُ الْحَبِيبَةُ، وَنِبَالُ الْمُصِيبَةِ بِهَا مُصِيبَةٌ، كَانَتْ أَوْقَاتُ الشَّبَابِ كَفَصْلِ الرَّبِيعِ، وَسَاعَاتُهُ كَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالْعَيْشُ فِيهَا كنوز الرياض، فأقبل الشيب يعد بالفناء ويوعد بصغر الإِنَاءِ، فَحَلَّ الْمُرَّةَ وَأَحَلَّ الْمَرِيرَةَ.
(لأَمْوَاهُ الشَّبِيبَةِ كَيْفَ غِضْنَهْ وَرَوْضَاتُ الصِّبَا فِي الْيُبِسْ إِضْنَهْ)
(وَآمَالُ النُّفُوسِ مُعَلَّلاتٌ وَلَكِنَّ الْحَوَادِثَ يَعْتَرِضْنَهْ)
(فَلا الأَيَّامُ تَرْضَى مِنْ أَذَاةٍ وَلا الْمُهْجَاتُ مِنْ عَيْشٍ عَرَضْنَهْ)
(هِيَ الأَشْبَاحُ كَالأَسْمَاءِ يَجْرِي الْقَضَاءُ فيرتفعن ويختفضنه)
[ ٢٤٥ ]