(ابْكِ مِنْ جُرْمِكَ خَوْفًا فَحَقِيقٌ بِكَ تَبْكِي)
(كَمْ رَكِبْتَ الذَّنْبَ مَغْرُورًا وَكَمْ أَسْرَعْتَ فِي الْفَتْكِ)
(وَتَبَرَّجْتَ بِعِصْيَانِكَ قَدْ غَرَّكَ إِمْهَالِي وَتَرْكِي )
(مَنْ إِذَا أَلْبَسْتُكَ الذُّلَّ يُرَاعِيكَ وَيَشْكِي)
(مَنْ تَرَى يَسْتُرُكَ الْيَوْمَ إِذَا عَمَّكَ هَتْكِي)
(كَمْ تَجَرَّدْتَ لِعِصْيَانِي وَكَمْ خَالَفْتَ نُسْكِي)
(أَتُرَى تَجْهَلُ عِزِّي أَمْ تُرَى تُصْغِرُ ملكي)
[ ٢٨٦ ]
يا ابن آدَمَ: فَرَحُ الْخَطِيئَةِ الْيَوْمَ قَلِيلٌ وَحُزْنُهَا فِي غَدٍ طَوِيلٌ، مَا دَامَ الْمُؤْمِنُ فِي نُورِ التَّقْوَى فَهُوَ يُبْصِرُ طَرِيقَ الْهُدَى، فَإِذَا طَبَقَ ظَلامُ الْهَوَى عُدِمَ النُّورُ.
كَانَ دَاوُدُ يَسْجُدُ وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: خَلَّيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَدُوِّي [إِبْلِيسَ] فَلَمْ أَقُمْ لِفِتْنَتِهِ إِذْ نَزَلَتْ بِي، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ، إِلَهِي:
يُغْسَلُ الثَّوْبُ فَيَذْهَبُ دَرَنُهُ وَوَسَخُهُ، وَالْخَطِيئَةُ لازِمَةٌ لِي لا تَذْهَبُ عِنِّي، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: تَبْكِي الثَّكْلَى عَلَى وَلَدِهَا إِذَا فَقَدَتْهُ وَدَاوُدُ يَبْكِي عَلَى خَطِيئَتِهِ! سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: الْوَيْلُ لِدَاوُدَ إِذَا كُشِفَ عَنْهُ الغطاء قيل هذا داود الخاطىء سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: بِأَيِّ عَيْنٍ أَنْظُرُ إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ الظَّالِمُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: بِأَيِّ قَدَمٍ أَقُومُ بِبَابِكَ يَوْمَ تَزِلُّ أَقْدَامُ الْخَاطِئِينَ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: مِنْ أَيْنَ يَطْلُبُ الْعَبْدُ الْمَغْفِرَةَ إِلا مِنْ عِنْدِ سَيِّدِهِ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: أَنَا الَّذِي لا أُطِيقُ صَوْتَ الرَّعْدِ فَكَيْفَ أُطِيقُ صَوْتَ جَهَنَّمَ! سُبْحَانَ خالق النور! إلهي: كيف يستقر الْخَاطِئُونَ بِخَطَايَاهُمْ دُونَكَ وَأَنْتَ شَاهِدُهُمْ حَيْثُ كَانُوا، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي قَرَحَ الْجَبِينُ وَجَمَدَتِ الْعَيْنَانِ مِنْ مَخَافَةِ الْحَرِيقِ عَلَى جَسَدِي، سُبْحَانَ خالق النور! إلهي! أنت المغيث وأنا المستغيث، فمن يدعو المستغيث إلا المغيث؟ سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي: فَرَرْتُ إِلَيْكَ بِذُنُوبِي فَاعْتَرَفْتُ بِخَطِيئَتِي فَلا تَجْعَلْنِي مِنَ الْقَانِطِينَ وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ الدِّينِ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي إِذَا ذَكَرْتُ ذُنُوبِي أَيِسْتُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَإِذَا ذَكَرْتُ رَحْمَتَكَ رَجَوْتُهَا، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ! إِلَهِي أَمْدِدْ عَيْنِي بِالدُّمُوعِ وَقَلْبِي بِالْخَشْيَةِ وَضَعْفِي بِالْقُوَّةِ حَتَّى أَبْلُغَ رِضَاكَ عَنِّي، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ!
يَا سَكْرَانَ الْهَوَى مَتَى تَصْحُو، يَا كَثِيرَ الذُّنُوبِ مَتَى تَمْحُو إِلَى كَمْ تَهْفُو وَتَغْفُو، وَتَتَكَدَّرُ وَنِعَمُنَا تَصْفُو، ابْكِ لِمَا بِكَ، وَانْدُبْ فِي شَيْبَتِكَ عَلَى شَبَابِكَ، وَتَأَهَّبْ لِسَيْفِ الْمَنُونِ فَقَدْ عَلِقَ الشَّبَا بِكَ.
انْتَبَهَ الْحَسَنُ لَيْلَةً فَبَكَى، فَضَجَّ أَهْلُ الدَّارِ بِالْبُكَاءِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَ:
[ ٢٨٧ ]
ذَكَرْتُ ذَنْبًا لِي فَبَكَيْتُ!
يَا مَرِيضَ الذُّنُوبِ مالك دَوَاءٌ كَالْبُكَاءِ.
رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " عَيْنَانِ لا تَمَسَّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ
بَكَتْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ".
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ أَنَّهُ قَالَ: " لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ﷿ مِنْ قَطْرَةِ دَمْعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَطْرَةِ دَمٍ تُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ".
(لا تَحْبِسَنَّ مَاءَ الْجُفُونِ فَإِنَّهُ لَكَ يَا لَدِيغَ هَوَاهُمُ دِرْيَاقُ)
(شَنُّوا الإِغَارَةَ فِي الْقُلُوبِ بِأَسْهُمٍ لا يُرْتَجَى لأَسِيرِهَا إِطْلاقُ)
(وَاسْتَعْذَبُوا مَاءَ الْجُفُونِ فَعَذَّبُوا الأُسَرَاءَ حَتَّى دَرَّتِ الآمَاقُ)
قَالَ محمد بن علي الْحُسَيْنِ: مَا اغْرَوْرَقَتْ عَيْنٌ بِمَائِهَا إِلا حَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَ صَاحِبِهَا عَلَى النَّارِ، فَإِنْ سَالَتْ عَلَى الْخَدَّيْنِ لَمْ يُرْهِقْ وَجْهَهُ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
يَا مَنْ أَفْعَالُهُ حَتَّى الْخُطَى خَطَا، يَا حَامِلا عَلَى الأَزْرِ الْوِزْرَ أَتْعَبْتَ الْمَطَا، يَا مَنْ إِذَا قَدَرَ ظَلَمَ وَإِذَا خَاصَمَ شَطَا، يَا مُسْرِعًا فِي الشَّرِّ فإذا لاح الخير جا الْبَطَا.
(جُزْتَ الثَّلاثِينَ خُطَا فَاعْذِرْ مَشِيبًا وَخَطَا)
(وَابْكِ زَمَانًا لَمْ تَزَلْ للَّهِ فِيهِ مُسْخِطَا)
(وَانْدُبْ عَلَى آثَارِهِ مُسْتَدْرِكًا ذَا الْغَلَطَا)
(وَاعْدُدْ صَوَابَ الْعَيْشِ مَا فَارَقَهُ التَّقْوَى خَطَا)
يَا كَثِيرَ الذُّنُوبِ مَتَى تُفْضِي، يَا مُقِيمًا وَهُوَ فِي الْمَعْنَى يَمْضِي، أَفْنَيْتَ الزَّمَانَ فِي الْهَوَى ضِيَاعًا، وَسَاكَنْتَ غُرُورًا مِنَ الأَمَلِ وَأَطْمَاعًا، وَصِرْتَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا خَبِيرًا صَنَّاعًا، تُصْبِحُ جَامِعًا وَتُمْسِي مَنَّاعًا، فَتِّشْ عَلَى قَلْبِكَ وَلُبَّكَ فَقَدْ ضَاعَا، تَفَكَّرْ فِي عُمْرِكَ فَقَدْ ذَهَبَ نَهْبًا مشاعا، اترك الهوى محمودا قبل أن يتركك مَذْمُومًا، إِنْ فَاتَتْكَ قَصَبَاتُ السَّبْقِ فِي الزُّهْدِ فلا تفوتنك ساعات النَّدَمِ فِي التَّوْبَةِ.
[ ٢٨٨ ]