﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: هَذَا وَعِيدٌ لِلظَّالِمِ وَتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ.
[ ٩١ ]
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الظُّلْمُ ظلماتٌ يومَ القيامة ".
أخبرنا يحيى ابن علي المدير، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ، حَدَّثَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ .
الْحَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ النَّقُّورِ، أَنْبَأَنَا الْمُخَلِّصُ، أَنْبَأَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٌ الْبَلَدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ الْخَيَّاطُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ شُرَيْحٍ، قَالَ: سَيَعْلَمُ الظَّالِمُونَ حَظَّ مَنْ نَقَصُوا! إِنَّ الظَّالِمَ يَنْتَظِرُ الْعِقَابَ وَالْمَظْلُومَ يَنْتَظِرُ النَّصْرَ!
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا الطُّومَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرَاءِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبٍ، قَالَ: بَنَى جَبَّارٌ قَصْرًا وَشَيَّدَهُ فَجَاءَتْ عَجُوزٌ مُسْلِمَةٌ فَبَنَتْ إِلَى ظَهْرِ قَصْرِهِ كُوخًا تَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ، فَرَكِبَ الْجَبَّارُ يَوْمًا فَطَافَ بِفِنَاءِ الْقَصْرِ، فَرَأَى الْكُوخَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ له: امرأة ها هنا ثَاوِيَةٌ، فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ وَلَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ حَاضِرَةً، فَجَاءَتْ فَرَأَتْهُ قَدْ هُدِمَ، فَقَالَتْ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهَا: إِنَّ الْمَلِكَ رَكِبَ فَرَآهُ فَأَمَرَ بِهَدْمِهِ فَرَفَعَتْ طَرْفَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَنَا لَمْ أَكُنْ، فَأَنْتَ أَيْنَ كُنْتَ! قَالَ: فَأَمَرَ اللَّهُ ﷿ جِبْرِيلَ أَنْ يَقْلِبَ الْقَصْرَ عَلَى مَنْ فِيهِ!
(لا تَظْلِمَنَّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا فَالظُّلْمُ آخِرُهُ يَأْتِيكَ بِالنَّدَمِ)
(تَنَامُ عَيْنَاكَ وَالْمَظْلُومُ مُنْتَصِبٌ يدعو عليك وعين الله لم تنم)
[ ٩٢ ]
السجع عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فيه الأبصار﴾ الْمَعْنَى: تَشْخَصُ أَبْصَارُ الْخَلائِقِ لِظُهُورِ الأَهْوَالِ فَلا تَغْمُضُ.
الْوَيْلُ لأَهْلِ الظُّلْمِ مِنْ ثِقَلِ الأَوْزَارِ، ذِكْرُهُمْ بِالْقَبَائِحِ قَدْ مَلأَ الأَقْطَارَ، يَكْفِيهِمْ أَنَّهُمْ قَدْ وُسِمُوا بِالأَشْرَارِ، ذَهَبَتْ لَذَّاتُهُمْ بِمَا ظَلَمُوا وَبَقِيَ الْعَارُ، وَدَارُوا إِلَى دَارِ الْعِقَابِ وَمَلَكَ الْغَيْرُ الدَّارَ، وَخَلَوْا بِالْعَذَابِ فِي بُطُونِ تِلْكَ الأَحْجَارِ، فَلا مُغِيثٌ وَلا أَنِيسٌ وَلا رَفِيقٌ وَلا جَارٌ، وَلا رَاحَةٌ لَهُمْ وَلا سُكُونٌ وَلا مَزَارٌ، سَالَتْ دُمُوعُ أَسَفِهِمْ عَلَى
مَسْلَفِهِمْ كَالأَنْهَارِ، شَيَّدُوا بُنْيَانَ الأَمَلِ فَإِذَا بِهِ قَدِ انْهَارَ، أَمَا عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ جَارَ الْمَظْلُومَ مِمَّنْ جَارَ، فَإِذَا قَامُوا فِي الْقِيَامَةِ زَادَ البلاء على المقدار ﴿سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار﴾، لا يَغُرَّنَّكَ صَفَاءُ عَيْشِهِمْ كُلُّ الأَخِيرِ أَكْدَارٌ ﴿إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾
قوله تعالى: ﴿مهطعين﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الإِهْطَاعَ النَّظَرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْرِفَ النَّاظِرُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ الإِسْرَاعُ. قَالَهُ الْحَسَنُ وَابْنُ جُبَيْرٍ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَهْطَعَ الْبَعِيرُ فِي سَيْرِهِ إِذَا أَسْرَعَ.
وَفِيمَا أَسْرَعُوا إِلَيْهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا الدَّاعِي. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَالثَّانِي النَّارُ قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُهْطِعَ الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُقْنِعِي رءوسهم﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: رَافِعِي رُءُوسِهِمْ: قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُقْنِعُ: الَّذِي رَفَعَ رَأْسَهُ وَأَقْبَلَ
[ ٩٣ ]
بِطَرْفِهِ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: رَافِعِي رُءُوسِهِمْ مُلْتَصِقَةٍ بِأَعْنَاقِهِمْ.
وَالثَّانِي: نَاكِسِي رُءُوسِهِمْ. قَالَهُ الْمُؤَرِّجُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طرفهم﴾ والمعنى: أن نظرهم إلى شيء واحد. قال الْحَسَنُ: وُجُوهُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى السَّمَاءِ لا يَنْظُرُ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وأفئدتهم هواء﴾ فِي مَعْنَى الْكَلامِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقُلُوبَ خَرَجَتْ مِنْ مَوَاضِعِهَا، فَصَارَتْ فِي الْحَنَاجِرِ. رَوَاهُ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ:
خَرَجَتْ مِنْ صُدُورِهِمْ فَنَشَبَتْ فِي حُلُوقِهِمْ ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ . أي ليس فيها شَيْءٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَفْئِدَتَهُمْ مُتَجَوِّفَةٌ لا تُغْنِي شَيْئًا مِنَ الْخَوْفِ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفْئِدَتُهُمْ جَوْفٌ لا عُقُولَ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُتَجَوِّفَةٌ مِنَ الْخَوْفِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وأنذر الناس﴾ أي خوفهم ﴿يوم يأتيهم العذاب﴾ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أخرنا إلى أجل قريب﴾ أَيْ أَمْهِلْنَا مُدَّةً يَسِيرَةً.
قَالَ مُقَاتِلٌ: سَأَلُوا الرجوع إلى الدنيا ﴿نجب دعوتك﴾ يَعْنُونَ التَّوْحِيدَ.
فَقَالَ لَهُمْ: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ من قبل﴾ . أَيْ حَلَفْتُمْ بِالدُّنْيَا أَنَّكُمْ لا تُبْعَثُونَ.
﴿وَسَكَنْتُمْ في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ أَيْ نَزَلْتُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ وَقُرَاهُمْ، كَالْحِجْرِ وَمَدْيَنَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْقُرَى الَّتِي عُرِفَتْ. وَمَعْنَى ظَلَمُوا أنفسهم: ضَرُّوهَا بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بهم﴾ أي حربناهم] . وَكَانَ يَنْبَغِي لَكُمْ
[ ٩٤ ]
أَنْ تَنْزَجِرُوا عَنِ الْخِلافِ ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ أَيْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَشْبَاهَ.
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ نُمْرُودُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: قَالَ نُمْرُودُ: لا أَنْتَهِي حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى السَّمَاءِ. فَأَمَرَ بِأَرْبَعَةٍ مِنَ النُّسُورِ فَرُبِّيَتْ وَاسْتُعْجِلَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِتَابُوتٍ فَنُحِتَ، ثُمَّ جَعَلَ فِي وَسَطِهِ خَشَبَةً، وَجَعَلَ [عَلَى] رَأْسِ الْخَشَبَةِ لَحْمًا شَدِيدَ الْحُمْرَةِ، ثُمَّ جَوَّعَهَا وَرَبَطَ أَرْجُلَهَا بِأَوْتَارٍ إِلَى قَوَائِمِ التَّابُوتِ، وَدَخَلَ هُوَ وَصَاحِبٌ لَهُ فِي التَّابُوتِ، وَأَغْلَقَ بَابَهُ ثُمَّ أَرْسَلَهَا، فَجَعَلَتْ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَصَعِدَتْ فِي السَّمَاءِ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: افْتَحْ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى. فَفَتَحَ فَقَالَ: أَرَى الأَرْضَ كَأَنَّهَا الدُّخَانَ. فَقَالَ: أَغْلِقْ. فَصَعِدَ مَا شَاءَ اللَّهُ
تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: افْتَحْ فَقَالَ: مَا أَرَى إِلا السَّمَاءَ وَمَا تَزْدَادُ مِنْهَا إِلا بُعْدًا. فَقَالَ: صَوِّبْ خَشَبَتَكَ. فَصَوَّبَهَا فَانْقَضَّتِ النُّسُورُ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَسَمِعَتِ الْجِبَالُ هَدَّتَهَا فَكَادَتْ تَزُولُ عَنْ مَوَاضِعِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بُخْتَنَصَّرَ، وَأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ لَهُ جَرَتْ، وَأَنَّ النُّسُورَ لَمَّا ارْتَفَعَتْ نُودِيَ: يَا أَيُّهَا الطَّاغِي أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَفَرَقَ فَنَزَلَ. فَلَمَّا رَأَتِ الْجِبَالُ ذَلِكَ ظَنَّتْ أَنَّهُ قِيَامُ السَّاعَةِ، فَكَادَتْ تَزُولُ. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الإِشَارَةَ إِلَى الأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَمَكْرُهُمْ شِرْكُهُمْ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَالرَّابِعُ: [أَنَّهُمُ] الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ وَأَخْرَجُوهُ. ذَكَرَهُ بَعْضُ المفسرين.
قوله تعالى: ﴿وعند الله مكرهم﴾ أَيْ جَزَاؤُهُ ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ مَنْ كَسَرَ اللامَ الأُولَى فَإِنَّ الْمَعْنَى: وَمَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ. أَيْ هُوَ أَضْعَفُ وَأَهْوَنُ وَمَنْ فَتَحَ [تِلْكَ] اللامَ أَرَادَ: قَدْ كَادَتِ الْجِبَالُ تَزُولُ مِنْ مَكْرِهِمْ.
وَفِي الْمُرَادِ بِالْجِبَالِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: الْجِبَالُ الْمَعْرُوفَةُ. قَالَهُ الجمهور.
[ ٩٥ ]
وَالثَّانِي: أَنَّهَا ضُرِبَتْ مَثَلا لأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ. وَثُبُوتُ دِينِهِ كَثُبُوتِ الْجِبَالِ الراسية. والمعنى: لو بلغ كَيْدُهُمْ إِلَى إِزَالَةِ الْجِبَالِ لَمَا زَالَ أَمْرُ الإِسْلامِ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ.
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعده رسله﴾ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ وَعَدَكَ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ ﴿إِنَّ الله عزيز ذو انتقام﴾ مِنَ الْكَافِرِينَ.
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ وَفَيِ مَعْنَى تَبْدِيلِهَا قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: [أَنَّهُ] تُبَدَّلُ بِأَرْضٍ بَيْضَاءَ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ الدُّورِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو العتاب الدلال. حدثنا جرير ابن أَيُّوبَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض﴾ قَالَ: (أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَأَنَّهَا فِضَّةٌ لَمْ يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ حَرَامٌ، وَلَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا خَطِيئَةٌ) وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تُبَدَّلُ بأرض من فضة. قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تُبَدَّلُ بِخُبْزَةٍ بَيْضَاءَ فَيَأْكُلُ الْمُؤْمِنُ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ - قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَالْقُرْطُبِيُّ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا تُبَدَّلُ نَارًا. قَالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ تَبْدِيلَهَا: تَغْيِيرُ أَحْوَالِهَا. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يَبْسُطُهَا وَيَمُدُّهَا مَدَّ الأَدِيمِ " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُزَادُ فِيهَا وَيُنْقَصُ مِنْهَا، وَتَذْهَبُ آكَامُهَا وَجِبَالُهَا وَأَوْدِيَتُهَا وَشَجَرُهَا وَتُمَدُّ.
وَفِي تَبْدِيلِ السماوات سَبْعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهَا تُجْعَلُ مِنْ ذَهَبٍ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁.
[ ٩٦ ]
وَالثَّانِي: تَصِيرُ جِنَانًا. قَالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ تَبْدِيلَهَا تَكْوِيرُ شَمْسِهَا وَتَنَاثُرُ نُجُومِهَا. قاله ابن عباس. والرابع: أنها تبدل بسماوات كَأَنَّهَا الْفِضَّةُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَالْخَامِسُ: [أَنَّ تَبْدِيلَهَا تَغْيِيرُ أَحْوَالِهَا، فَمَرَّةً تَكُونُ كَالْمُهْلِ، وَمَرَّةً كَالدِّهَانِ. قَالَهُ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ. وَالسَّادِسُ:] أَنَّ تَبْدِيلَهَا أَنْ تُطْوَى كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ. وَالسَّابِعُ: أَنْ تَنْشَقَّ فَلا تُظِلُّ. ذَكَرَهُما الْمَاوَرْدِيُّ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ، فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " عَلَى الْجِسْرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني الكفار ﴿يومئذ مقرنين﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا يُقْرَنُونَ مَعَ الشَّيَاطِينِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: تُقْرَنُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ إِلَى رِقَابِهِمْ. قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَالثَّالِثُ: يُقْرَنُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَالأَصْفَادُ: الأغلال.
قوله تعالى: ﴿سرابيلهم من قطران﴾ وَهِيَ الْقُمُصُ، وَاحِدُهَا سِرْبَالٌ، وَالْقَطِرَانُ: مَعْرُوفٌ، وَهُوَ شَيْءٌ يُتَحَلَّبُ مِنْ شَجَرٍ تُهْنَأُ بِهِ الإِبِلُ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّمَا جُعِلَ الْقَطِرَانُ لأَنَّهُ يُبَالِغُ فِي اشْتِعَالِ النَّارِ فِي الْجُلُودِ، فَحَذَّرَهُمْ مَا يَعْرِفُونَ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ ﴿مِنْ قِطْرٍ﴾ بكسر القاف وسكون الطاء والتنوين ﴿وأن﴾ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا وَمَدِّهَا. وَالْقِطْرُ: الصُّفْرُ وَالنُّحَاسُ وآن [قد] انتهى حره.
[ ٩٧ ]
﴿وتغشى وجوههم النار﴾ أي تعلوها.
﴿ليجزي الله﴾ اللام متعلقة بقوله تعالى: ﴿وبرزوا﴾ وَفِي سُرْعَةِ حِسَابِهِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: عَجَلَةُ حُضُورِهِ وَمَجِيئُهُ. وَالثَّانِي: سُرْعَةُ فَرَاغِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَفْرُغُ اللَّهُ ﷿ مِنْ حِسَابِ الْخَلْقِ فِي قَدْرِ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا.
أَيْنَ مَنْ لَعِبَ وَلَهَا، أَيْنَ مَنْ غَفَلَ وَسَهَا، دَهَاهُ أَفْظَعُ مَا دَهَى، وَحُطَّ رُكْنُهُ فَوَهَى، ذَهَبَتْ لَذَّةُ ذُنُوبِهِ وَحُبِسَ بِهَا، نَظَرَ في عاجله ونسي المنتهى.
(نادى الْقُصُورَ الَّتِي أَقْوَتْ مَعَالِمُهَا أَيْنَ الْجُسُومُ الَّتِي طَابَتْ مَطَاعِمُهَا)
(أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ وَمَنْ أَلْهَاهُ نَاضِرُ دُنْيَاهُ وَنَاعِمُهَا)
(أَيْنَ الأُسُودُ الَّتِي كَانَتْ تُحَاذِرُهَا أُسْدُ الْعَرِينِ وَمِنْ خَوْفٍ تُسَالِمُهَا)
(أَيْنَ الْجُيُوشُ الَّتِي كَانَتْ لَوِ اعْتَرَضَتْ لَهَا الْعُقَابُ لَخَانَتْهَا قَوَادِمُهَا)
(أَيْنَ الْحِجَابُ وَمَنْ كَانَ الْحِجَابُ لَهُ وَأَيْنَ رُتْبَتُهُ الْكُبْرَى وَخَادِمُهَا)
(أَيْنَ اللذين لَهَوْا عَمَّا لَهُ خُلِقُوا كَمَا لَهَتْ فِي مَرَاعِيهَا سَوَائِمُهَا)
(أَيْنَ الْبُيُوتُ الَّتِي مِنْ عَسْجَدٍ نُسِجَتْ هَلِ الدَّنَانِيرُ أَغْنَتْ أَمْ دَرَاهِمُهَا)
(أَيْنَ الأسرة تَعْلُوهَا ضَرَاغِمُهَا هَلِ الأَسِرَّةُ أَغْنَتْ أَمْ ضَرَاغِمُهَا)
(هذي الْمَعَاقِلُ كَانَتْ قَبْلُ عَاصِمَةً وَلا يَرَى عِصَمَ الْمَغْرُورِ عَاصِمُهَا)
(أَيْنَ الْعُيُونُ الَّتِي نَامَتْ فَمَا انْتَبَهَتْ وَاهًا لَهَا نَوْمَةً مَا هَبَّ نَائِمُهَا)
[ ٩٨ ]