فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ ﵇
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي ابْتَعَثَ بِلُطْفِهِ السَّحَابَ، فَرَوَّى الأَوْدِيَةَ وَالْهِضَابَ، وَأَنْبَتَ الْحَدَائِقَ وَأَخْرَجَ الأَعْنَابَ، وَأَلْبَسَ الأَرْضَ نَبَاتًا أَحْسَنَ مِنْ ثِيَابِ الْعُنَابِ، يَبْتَلِي لِيُدْعَى وَإِذَا دُعِيَ أَجَابَ، قَضَى عَلَى آدَمَ بِالذَّنْبِ ثُمَّ قضى أن تاب، ورفع إدريس بلطفه إِلَى أَكْرَمِ جَنَابٍ، وَأَرْسَلَ الطُّوفَانَ وَكَانَتِ السَّفِينَةُ مِنَ الْعُجَابِ، وَنَجَّى الْخَلِيلَ مِنْ نَارٍ شَدِيدَةِ الإلتهاب، وكان سَلامَةُ يُوسُفَ عِبْرَةً لأُولِي الأَلْبَابِ، وَشَدَّدَ الْبَلاءَ عَلَى أَيُّوبَ فَفَارَقَهُ الأَهْلُ وَالأَصْحَابُ، وَعَضَّهُ الْبَلاءُ إلى أن كل الظُّفْرَ وَالنَّابَ، فَنَادَى مُسْتَغِيثًا بِالْمَوْلَى فَجَاءَ الْجَوَابُ ﴿اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾ .
أَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ أَخْلَصَ وَأَنَابَ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ أَفْضَلِ نَبِيٍّ نَزَلَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ كِتَابٍ، وعلى صاحبه أبي بكر مقدم الأصحاب، وَعَلَى الْفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَى عُثْمَانَ شَهِيدِ الدَّارِ وَقَتِيلِ الْمِحْرَابِ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْمَهِيبِ وَمَا سَلَّ سَيْفًا بَعْدُ مِنْ قِرَابٍ، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْمُقَدَّمِ نَسَبُهُ عَلَى الأَنْسَابِ.
قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نادى ربه أني مسني الشيطان بنضب وعذاب﴾ أَيُّوبُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ، وَهُوَ أَيُّوبُ بْنُ أموصَ بن رزاح بن العيص ابن إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَأَبُوهُ مِمَّنْ آمَنَ بِالْخَلِيلِ يَوْمَ أُحْرِقَ، وَأُمُّهُ بِنْتُ لُوطٍ النَّبِيِّ ﵇. وَكَانَ أَيُّوبُ فِي زَمَنِ يَعْقُوبَ ﵇، فَتَزَوَّجَ ابْنَةَ يَعْقُوبَ وَكَانَ غَزِيرَ الْمَالِ كَثِيرَ الضِّيَافَةِ، وَكَانَ إِبْلِيسُ لا يُحْجَبُ يَوْمَئِذٍ من
[ ١٩٤ ]
السَّمَوَاتِ، فَسَمِعَ تَجَاوُبَ الْمَلائِكَةِ بِالصَّلاةِ عَلَى أَيُّوبَ فَحَسَدَهُ فَقَالَ: يَا رَبِّ لَوْ صَدَمْتَ أَيُّوبَ بالبلاء لكفر، فسلطني عليه. فقالت: قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلَى مَالِهِ وَوَلَدِهِ. فَجَمَعَ إِبْلِيسُ جُنُودَهُ فَأَرْسَلَ بَعْضَهُمْ إِلَى دَوَابِّهِ وَبَعْضَهُمْ إِلَى زَرْعِهِ وَبَعْضَهُمْ إِلَى أَوْلادِهِ، وَكَانَ لَهُ ثَلاثَةَ عشَرَ وَلَدًا. وَقَالَ إِبْلِيسُ لأَصْحَابِهِ
تَابِعُوهُ الْمَصَائِبَ بَعْضَهَا إِثْرَ بَعْضٍ. فَجَاءَ صَاحِبُ الزَّرْعِ فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ أَرْسَلَ إِلَى زَرْعِكَ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُ. وَقَالَ: رَاعِي الإِبِلِ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ أَرْسَلَ غُدَدًا فَذَهَبَتْ الإبل. وَقَالَ كَذَلِكَ صَاحِبُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي وَقَبِلَهُ مِنِّي. وَتَفَرَّدَ إِبْلِيسُ لِبَنِيهِ فَجَمَعَ أَرْكَانَ الْبَيْتِ فَهَدَمَهُ عَلَيْهِمْ وَجَاءَ فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ إِنَّ الْبَيْتَ وَقَعَ عَلَى بَنِيكَ، فَلَوْ رَأَيْتَ كَيْفَ اخْتَلَطَتْ دِمَاؤُهُمْ وَلُحُومُهُمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ. فَقَالَ: لَوْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ لَقَبَضَكَ مَعَهُمْ فَانْصَرَفَ خَائِبًا. فَقَالَ: يَا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلَى جَسَدِهِ فَسُلِّطَ فَنَفَخَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ نَفْخَةً فَقَرَّحَ بَدَنَهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَوَّلُ مَنْ أَصَابَهُ الْجُدَرِيُّ أَيُّوبُ. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ يَخْرُجُ عَلَيْهِ مِثْلُ ثَدَايَا النِّسَاءِ ثُمَّ يَتَفَقَّأُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلا اللِّسَانُ لِلذِّكْرِ وَالْقَلْبُ لِلْمَعْرِفَةِ، وَكَانَ يَرَى مِعَاهُ وَعُرُوقَهُ وَعِظَامَهُ، وَوَقَعَتْ بِهِ حِكَّةٌ لا يَمْلِكُهَا، فَحَكَّ بِأَظْفَارِهِ فَسَقَطَتْ، ثُمَّ بِالْمُسُوحِ ثُمَّ بِالْحِجَارَةِ وَأَنْتَنَ جِسْمُهُ وَتَقَطَّعَ، وَأَخْرَجَهُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ فَجَعَلُوا لَهُ عَرِيشًا عَلَى كُنَاسَةٍ، وَرَفَضَهُ الْخَلْقُ سِوَى زَوْجَتِهِ رَحْمَةَ بنت أفرايم بن يوسف ابن يَعْقُوبَ، فَكَانَتْ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ بِمَا يُصْلِحُهُ.
وَفِي مُدَّةِ لُبْثِهِ فِي الْبَلاءِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً. رَوَاهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَالثَّانِي: سَبْعُ سِنِينَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَعْبٌ. وَالثَّالِثُ: سَبْعُ سِنِينَ وَأَشْهُرٌ قَالَهُ الْحَسَنُ. وَالرَّابِعُ: ثَلاثُ سِنِينَ. قَالَهُ وَهْبٌ.
وَفِي سَبَبِ سُؤَالِهِ الْعَافِيَةَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ اشْتَهَى أُدْمًا فَلَمْ تُصِبْهُ امْرَأَتُهُ حَتَّى بَاعَتْ قَرْنًا مِنْ شَعْرِهَا، فَلَمَّا عَلِمَ
[ ١٩٥ ]
ذَلِكَ قَالَ: مَسَّنِيَ الضُّرُّ. رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْسَاهُ الدعاء مع كثرة ذكره الله تَعَالَى، فَلَمَّا انْتَهَى زَمَانُ الْبَلاءِ أَلْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الدُّعَاءَ. رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرُّوا به فقال بعضهم: ما أصابه هذا إلا بذنب عظيم. فعندها دعا. قاله نَوْفٌ الْبِكَالِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ: كَانَ لَهُ أَخَوَانِ فَأَتَيَاهُ يَوْمًا فَوَجَدَا رِيحًا فَقَالا: لَوْ كَانَ اللَّهُ عَلِمَ مِنْهُ خَيْرًا مَا بَلَغَ بِهِ هَذَا. فَمَا سَمِعَ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي
لَمْ أَبِتْ لَيْلَةً شَبْعَانَ وَأَنَا أَعْلَمُ مَكَانَ جَائِعٍ فَصَدِّقْنِي. فَصُدِّقَ وَهُمَا يَسْمَعَانِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُّمَ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَلْبَسْ قَمِيصًا وَأَنَا أَعْلَمُ مَكَانَ عَارٍ فَصَدِّقْنِي. فَصُدِّقَ وَهُمَا يَسْمَعَانِ، فَخَرَّ سَاجِدًا ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ لا أَرْفَعُ رَأْسِي حَتَّى تَكْشِفَ مَا بِي. فَكَشَفَ مَا بِهِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ إِبْلِيسَ جَاءَ إِلَى زَوْجَتِهِ بِسَخْلَةٍ فَقَالَ: لِيَذْبَحْ أَيُّوبُ هَذِهِ لِي وَقَدْ بَرَأَ. فَجَاءَتْ فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: إِنْ شَفَانِيَ اللَّهُ لأَجْلِدَنَّكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، أَمَرْتِنِي أَنْ أَذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ. ثُمَّ طَرَدَهَا عَنْهُ فَذَهَبَتْ فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لا طَعَامٌ وَلا شَرَابٌ وَلا صَدِيقٌ خَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ: مَسَّنِيَ الضُّرُّ. قَالَهُ الْحَسَنُ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ: إِنِّي مُبْتَلِيكَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ يَكُونُ قَلْبِي. قَالَ: عِنْدِي فَصَبَّ عَلَيْهِ مِنَ الْبَلاءِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْبَلاءُ مُنْتَهَاهُ أَوْحَى اللَّهُ: إِنِّي مُعَافِيكَ قَالَ: يَا رَبِّ وَأَيْنَ يَكُونُ قَلْبِي. قَالَ: عِنْدَكَ. قَالَ مَسَّنِيَ الضُّرُّ. قاله إبراهيم ابن شيبان. والسادس: أَنَّ الْوَحْيَ انْقَطَعَ عَنْهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَخَافَ هِجْرَانَ رَبِّهِ فَقَالَ: مَسَّنِيَ الضُّرُّ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
ومعنى: ﴿نادى ربه﴾ دَعَا وَإِنَّمَا أَضَافَ الأَمْرَ إِلَى الشَّيْطَانِ لأَنَّ الشيطان سلط عليه.
قوله تعالى: ﴿بنصب﴾ قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿بِنَصَبٍ﴾ بِفَتْحِ النُّونِ وَالصَّادِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُمَا كَالرُّشْدِ وَالرَّشَدِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: النُّصْبُ بِتَسْكِينِ الصَّادِ: الشَّرُّ. وَبِتَحْرِيكِهَا الإِعْيَاءُ. وَالْمُرَادُ: بالعذاب الأليم.
[ ١٩٦ ]
قوله تعالى: ﴿اركض برجلك﴾ . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: قم: فقام فقال: اركض برجلك. فركض فنبعث عَيْنٌ، فَقَالَ: اغْتَسِلْ. فَاغْتَسَلَ. ثُمَّ نَحَّاهُ قَالَ اركض برجلك فركض. فنبعث عَيْنٌ فَقَالَ اشْرَبْ فَشَرِبَ. قَالَ ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُغْتَسَلُ: الْمَاءُ، وَهُوَ الْمَغْسُولُ أَيْضًا. ثُمَّ أَلْبَسَهُ جِبْرِيلُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ. وَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَيْنَ المبتلى الذي كان ها هنا لَعَلَّ الذِّئَابُ ذَهَبَتْ بِهِ. فَقَالَ: وَيْحَكِ أَنَا أَيُّوبُ. فَقَالَتِ: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَسْخَرْ بِي. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ بِأَعْيَانِهِمْ وَآتَاهُ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ قَدْ وَلَدَتْ لَهُ سَبْعَ بَنِينَ وَسَبْعَ بَنَاتٍ. فَنُشِرُوا لَهُ وَوَلَدَتْ
لَهُ تِسْعَةَ بَنِينَ وَسَبْعَ بَنَاتٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: آتَاهُ اللَّهُ أُجُورَ أَهْلِهِ فِي الآخِرَةِ وَآتَاهُ مِثْلَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ كَانَ قَدْ حَلَفَ لَيَجْلِدَنَّ زَوْجَتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ.
وَفِي سَبَبِ هَذِهِ الْيَمِينِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: حَدِيثُ السَّخْلَةِ الَّذِي سَبَقَ. وَالثَّانِي: أَنَّ إِبْلِيسَ جَلَسَ فِي طَرِيقِ زَوْجَتِهِ كَأَنَّهُ طَبِيبٌ، فَقَالَتْ لَهُ: عَبْدَ اللَّهِ هَاهُنَا رَجُلٌ مُبْتَلًى، فَهَلْ لَكَ أَنْ تُدَاوِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنِّي شَافِيهِ عَلَى أَنْ يَقُولَ لِي إِذَا بَرَأَ أَنْتَ شفيتني. جاءت فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: ذَاكَ الشَّيْطَانُ، للَّهِ عَلَيَّ إِنْ شَفَانِيَ اللَّهُ أَنْ أَجْلِدَكِ مِائَةً. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ إِبْلِيسَ لَقِيَهَا فَقَالَ: أَنَا الَّذِي فَعَلْتُ بِزَوْجِكَ وَأَنَا إِلَهُ الأَرْضِ، وَمَا أَخَذْتُهُ مِنْهُ فَهُوَ بِيَدِي فَانْطَلِقِي فَأُرِيكِ. فَمَشَى غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ سَحَرَ بَصَرَهَا فَأَرَاهَا وَادِيًا عَمِيقًا فِيهِ أَهْلُهَا وَمَالُهَا وَوَلَدُهَا، فَأَتَتْ أَيُّوبَ ﵇ فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: ذَاكَ الشَّيْطَانُ، وَيْحَكِ كَيْفَ وَعَى سَمْعُكَ قَوْلَهُ، وَاللَّهِ لَئِنْ شَفَانِيَ الله لأجلدنك مائة جلدة. قَالَهُ وَهْبٌ.
وَأَمَّا الضِّغْثُ فَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هُوَ الْحُزْمَةُ مِنَ الْخِلالِ وَالْعِيدَانِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: جَزَى اللَّهُ زَوْجَتَهُ بِحُسْنِ صَبِرْهَا. أَنْ أَفْتَاهُ فِي ضَرْبِهَا، فَسَهَّلَ الأَمْرَ، فَجَمَعَ لَهَا مِائَةَ
[ ١٩٧ ]
عُودٍ وَقِيلَ مِائَةَ سُنْبُلَةٍ، وَقِيلَ كَانَتْ أَسَلا، وَقِيلَ كَانَتْ شَمَارِيخَ، فَضَرَبَهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً.
وَهَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ لَهُ أَمْ عَامٌّ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَامٌّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ. وَالثَّانِي: خَاصٌّ لَهُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَجَمَعَهَا وَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً. فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لا يَبَرُّ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إِذَا أصابه في الضربة الواحدة كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَقَدْ بَرَّ، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قِصَّةِ أَيُّوبَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ يُجَاءُ بِالْمَرِيضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَعْبُدَنِي؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ ابْتَلَيْتَنِي. فَيُجَاءُ بِأَيُّوبَ فِي ضُرِّهِ فَيَقُولُ: أَنْتَ كُنْتَ أَشَدَّ ضُرًّا أَمْ هَذَا؟ فَيَقُولُ بَلْ هَذَا. فَيَقُولُ: هَذَا لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ عَبَدَنِي!
مَا ضَرَّ أَيُّوبَ مَا جَرَى، كَأَنَّهُ سِنَةُ كَرَى، ثُمَّ شَاعَتْ مَدَائِحُهُ بَيْنَ الْوَرَى، وإنما يصير مَنْ فَهِمَ الْعَوَاقِبَ وَدَرَى.